"قطرنة" القطاع .. وماذا بعد؟!

كتب ابراهيم ملحم -غادر سمو الامير القطري حمد بن خليفة ال ثاني قطاع غزة، في ختام زيارة قصيرة استغرقت عدة ساعات، بعد ان نال وعقيلته شهادة الدكتوراة الفخرية من احدى ابرز جامعاتها" الجامعة الاسلامية" التي احتفت به احتفاءً "اجمل من رحيق الزهر في جيد الجميلة"، كما ورد على لسان احد الطلبة، الذي لو سمعه المتنبي، لتوارى خجلامن فرط عبارات المديح الطالعة من زمن ما قبل الربيع العربي .

غادر ضيف القطاع الكبير بمثل ما استقبل به من حفاوة وتبجيل، تاركا خلفه عاصفة من الاسئلة المعلقة على أسوار الانقسام العالية، والتي جاءت الزيارة المريبة لجزء من الوطن، لتضيف الكثير من حراجة الاسئلة، وصعوبة الاجوبة عليها، وتجعلنا نتوجس خيفة مما قد يترتب على تلك الزيارة من نتائج، تبدت اولى ملامحها فيما بدا من مظاهر بروتوكولية تليق برؤساء الدول المستقلة، وما ورد خلال كلماتها من عبارات على لسان امير غزة، السيد اسماعيل هنية الذي استخدم عبارة " شعب غزة" وكررها في خطابه اكثر من مرة " شعب غزة وقطر شعب واحد لاشعبين" وكأن غزة باتت دولة مستقلة لها شعب وارض لاينقصها سوى الاعلان عن دولة مستقلة، يزورها امير وعقيلته، ويستقبلهم أمير وعقيلته، بينما كاد يختفي العلم الفلسطيني في غابة الاعلام الخضراء التي اكتظت بها الساحات .

لقد بدت السيدة الفاضلة "ام العبد" محرجة، وقد تورطت لاول مرة في مراسم استقبال بدت غريبة عليها وعلينا، ونحن نرى عقيلة رئيس وزراء تمارس دور السيدة الاولى، في مشهد أعاد الى الاذهان ما اضطلعت به زوجات الرؤساء المخلوعين في الدول الخارجة لتوها من ربيع الثورات، التي كسرت، وصوبت الكثير من المفاهيم والمصطلحات السائدة في العلاقة بين الحكام والمحكومين . 

زيارة امير قطر"قصيرة وجافة" هكذا وصفت مصادر سياسية مطلعة المكالمة التي اجراها سمو امير قطر مع الرئيس محمود عباس، لاحاطته علما برغبته زيارة قطاع غزة لغرض تدشين مشاريع تنموية فيه. 

واذ تعكس المكالمة اختلال الكيمياء بين الرجلين جراء حجم المخاوف التي ساورت ولازالت تساور القيادة الفلسطينية، إزاء محاولات حماس وجهات اخرى، طالعة من غبار الطلع في الربيع العربي، لضرب وحدانية التمثيل عبر "تقسية رأس الانقسام" بفتح الحدود امامه جنوبا، بمناطق حرة تتمدد في عمق الصحراء، واغداق الاموال عليه لتثبيته على ما هو عليه ، وتشجيعه على "اخراج لسانه" امام كل محاولات رأب الصدع، والتي كان آخرها في الدوحة عندما تطاول أُمراء غزة على زعيم الحركة الراشد خالد مشعل، الذي غاب عن الزيارة المريبة حين دفعته "استدراكات" امراء الانفاق لمغادرة موقعه بعد ان لم يعد قادرا على ضبط ايقاع الحركة التي تتحكم صنابير التمويل باتجاهات الريح فيها.

زيارة امير قطرليس مقبولا ان يصل زعيم دولة ما لبلد ما دون ان يكون في استقباله نظيره بما يليق بالضيف والمضيف، فلا اموال الضيف ولا اعماله يمكنها ان تكسب زيارته اهمية طالما، لم يقم بها من بوابة الشرعية ... في الحالة الفلسطينية فان الامر اكثر حساسية من اي حالة اخرى بالنظر لتضارب الجهات والاجندات على ابواب المشروع الوطني الذي ناله من النيران الصديقة بقدر ما ناله من النيران العدوة.

كان بوسعنا ان نشتري الدعم القطري، ونرحب بالحرص الاميري على الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية لو ان هذا السخاء العربي الاصيل وزع على شطري الوطن، باموال دعم تنفذها الجمعيات القطرية الخيرية التي لها فروع في الوطن، في وقت تعيش فيه السلطة الفلسطينية واحدة من اكثر اوضاعها الاقتصادية عسرا .. صحيح ان غزة تستحق الملايين واكثر، ولكن أليس في الضفة بيوت مهدومة، واسر محرومة، وقلوب مكلومة، واهات واوجاع مكتومة، فعندما يكون الحرص العربي او الغربي انتقائيا فعلينا ان نشك في معاني ومغازي هذا السخاء الحاتمي .

زيارة امير قطرفي التقاليد العشائرية عندما يخرج الولد العاق عن طاعة والده، فان ما هو منتظر من الاصدقاء، والجيران، ان يعيدوه الى بيت والده، ويقرعوه على عصيانه، او يقاطعوه عقابا له على افعاله، لا ان يمدوه بكل ما يطيل أمد عقوقه "وتقسية رأس انقسامه وعصيانه " .

وعندما تجري عمليات الـ"قطرنة" للقطاع مالاً او اعمالاً، وسجاداً احمر، ونشيدا واعلاماً ، فان الـ" تهويد" في ما تبقى من الوطن، يصبح اكثر اغراء وتسريعا، وتشريعا، من كل من لم يعد يهمه امر الوطن الذي تعصف به رياح الانقسام وتسونامي الاستيطان وانحسار الاموال. 

زيارة امير قطرفمشاريع قطر في المنطقة، والعالم ليست صغيرة الى هذا الحد الذي تقوم به باقامة مساكن ببضعة ملايين، هنا او هناك، فالدولة صاحبة الجزيرة، والمواقف السياسية الملتبسة، عودتنا ان تضطلع بأدوار اكبر من حجمها، وتجمع الشيء ونقيضه على صعيد واحد، مثلما تضطلع بعطاءات عابرة للحدود، تتجاوز الانشاءات، والمنشآت الصغيرة الى تغيير نظم حكم، وتمويل ثورات من صناديق ذخيرتها، الى صناديق انتخاباتها، لكائنات بدت خارجة للتو من كهوف صمتها الى قصور سطوتها. 

لعل سمو الامير الضيف أراد ان يضيف لدعواته المخلصة لانهاء الانقسام شيئاً من "القطران" القطري، لكن الصواب جانبه عندما وضع حجر الأساس لامارة الانقسام على ارض رملية، لن يصمد طويلا امام امواج الحرية والاصوات الصادحة بالوحدة الوطنية.