مؤتمر الرصاص المصبوب.. والتهديد بإعادة احتلال غزة

أنهى معهد فيشر للدراسات الإستراتيجية مؤتمره الخاص "الرصاص المصبوب – عمليات اتخاذ القرارات الإستراتيجية" في مقر سلاح الجو في هرتسيليا, وتضمن المؤتمر كلمات لشخصيات عسكرية شاركت في الحرب من بينهم, وزير الجيش "إيهود باراك", ورئيس الأركان السابق الجنرال "غابي أشكنازي", وقائد سلاح الجو السابق الجنرال "عيدو نحوشتان", وقائد المنطقة الجنوبية السابق الجنرال "يوأف غالنت", وعدد من الباحثين الاستراتيجيين ورجال المخابرات.

وخلال المؤتمر أكد وزير الجيش "باراك" بأن الجيش يستطيع احتلال قطاع غزة مجددا، وأن هذا الأمر منوط بقرار من المجلس السياسي الأمني المصغر "الكابينيت", وذلك ردا على كلام "يوأف غالنت" الذي سبقه بالحديث وقال "إننا كنا نطالب خلال الحرب باحتلال مدينة رفح ولكن المستوى السياسي رفض ذلك".

باراك قال مستدركا "من كان حينها يريد أن يسيطر على 150 ألف فلسطيني ويهتم بجلب الحليب لأطفالهم".

تهديدات باراك تحمل في طياتها نفاق سياسي لأنه كان من أشد المعارضين للاجتياح البري لقطاع غزة خلال حرب الرصاص المصبوب, هذا ما كشف عنه رئيس الوزراء السابق "إيهود أولمرت" في مذكراته.

وبعيدا عن التصريحات المدفوعة بمزاودات سياسية بين الأطراف, نتساءل, هل إسرائيل قادرة على احتياج بري لقطاع غزة مجددا, وفق التهديدات التي يطلقها قادة الاحتلال في كل مناسبة؟.

يدرك قادة الاحتلال أن إعادة احتلال قطاع غزة كان بمثابة المهمة المستحيلة خلال عملية الرصاص المصبوب رغم أنها كانت أمنية أجمع عليها كل من أيدوا قرار الحرب ووقفوا خلفها, فالقوات الإسرائيلية تجنبت خلال الحرب الالتحام بالمناطق السكنية المزدحمة بالسكان, واكتفت بالوقوف على حافة المناطق التي أخلي سكانها منها, لأنها إن قررت دخول تلك المناطق فإن الأمور كانت ستنتهي بنتائج كارثية بالنسبة للاحتلال.

وانتهت حرب الرصاص المصبوب في تاريخ 23 يناير 2009 وقد أجمع غالبية المحللين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين أن تل أبيب لم تحقق أهدافها المعلنة من الحرب على قطاع غزة، وفشلت في منع إطلاق صواريخ الفلسطينية ووقف إدخال الأسلحة إلى القطاع, حتى أنها فشلت في خلق واقع أمني جديد, وعادت الأمور إلى نقطة الصفر.

وإذا كانت قد تحققت لإسرائيل في تلك الفترة ظروف مثالية لتحقيق أهدافها بفعل التقاء مصالح بعض الجهات العربية والدولية التي وفرت الغطاء للحرب ودعمت بشكل خفي وعلني على حد سواء فكرة القضاء على المقاومة في قطاع غزة, فإن هذه الظروف بدأت تتلاشى شيئا فشيئا وبدأت الموازين تنقلب.

واليوم يدرك قادة الاحتلال أن التغييرات الجوهرية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط التهمت كثير من الأوراق التي كانت تستخدمها إسرائيل لصالحها لتحقيق أهدافها في المنطقة, وهي تلقي بظلالها على حرية العمل العسكري لقواتها في الأراضي الفلسطينية وتزيد من حالة عدم اليقين, وفي الوقت الذي تزيد فيه المخاطر وتقل الفرص تجبر "إسرائيل" على البقاء في حالة الانتظار وعدم المبادرة. 

ولعل التصريحات التي أدلى بها رئيس الأركان السابق غابي أشكنازي خلال المؤتمر تعكس هذه الهواجس, عندما حذر من الانجرار أو الوقوع في فخ حرب المناطق المأهولة, كما حذر من تداعيات أي عمل عسكري يزيد من حالة العزلة التي تعيشها "إسرائيل" وتعود بها إلى وضع أسوأ من ذلك الذي نشأ عن تقرير غولدستون.

إذن تعيش "إسرائيل" اليوم وضع أسوأ بكثير من ذاك الذي توفر لها إبان عملية الرصاص المصبوب, وهي تفقد مزيد من موارد المناورة العسكرية في ظل التغيرات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.

ولكن يوجد هناك تفسير لعودة التهديدات الإسرائيلية لقطاع غزة بعد أن الحكومة الإسرائيلية توصلت إلى اتفاقيات مع الإدارة الأمريكية بشأن عدم تنفيذ أي هجوم على إيران قبل الانتخابات الأمريكية مقابل حزمة مساعدات عسكرية, الأمر الذي وسع هامش المناورة السياسية أمام قادة الاحتلال للصعيد كلاميا ضد غزة, وعسكريا بشكل محدود لضمان عدم خروج الأمور عن السيطرة, وربما يهدف الاحتلال من وراء ذلك إلى خلط الأوراق فيما يتعلق  بالسياسات المصرية الجديدة تجاه قطاع غزة.