لامصالحة اليوم ، فالمصالحة ليست موجودة على جدول أعمال أي فلسطيني ، والمصالحة باتت آخر ما يمكن أن يفكر الفلسطيني في تحقيقه وإنجازه ، والمصالحة ليست ضرباً من المستحيل ، لكنها لا تخدم مصالح العابثين بمصلحة الوطن والشعب ، فلا مصالحة على برنامج المقاومة المسلحة فقط إن كان ثمة برنامج مقاومة مسلحة ، ولا مصالحة على برنامج المفاوضات فقط إن كان ثمة مفاوضات جادة غير عبثية ، وكل برنامج يقول أنا وحدي ودوني كل البرامج ، وكأنّ كل الحقيقة الفلسطينية لا يملكها إلا طرف واحد ، أو حتى شخص واحد ، فيتحكم بمصير شعب كامل ، ولسان حاله يقول أنا أو أنا وفصيلي وليذهب الشعب والوطن إلى الجحيم ، لأنّ في نظر هذا أو ذاك هو الحقيقة التي تمثل كل الشعب ، فمن يمثل هذا الشعب المقهور ليس من عدوه وإنما مقهور من غلواء فصائله في تمثيله ، هل الأغلبية في المجلس التشريعي ورافع لواء المقاومة هو الممثل الشرعي ، معادلة سياسة بلهاء بحاجة إلى توضيح كيف يكون فصيلٌ ما هو الممثل الشرعي لكل الشعب ، فلم تكن حركة " فتح " بما كانت تعني فلسطينياً وعربياً تمثل كل الشعب ، فكيف لحركة حماس أن تدعي اليوم بأنها تمثل كل الشعب وأنها هي الممثل الشرعي له ، لأنه لا يمكن لحركة " فتح " وحركة حماس مجتمعتين ومعهما كل الفصائل أن يدّعوا التمثيل للشعب الفلسطيني ، فكل فصيل هو جزء من الشعب ، وكل الفصائل مجتمعة هي جزء من كل الشعب ، فلا مصالحة دون الإقرار والاعتراف بأنّ لهذا الشعب كل الشعب كيان سياسي ووطن معنوي وممثل شرعي وحيد هو منظمة التحرير الفلسطينية بكل مؤسساتها الهشة الضعيفة .
لا مصالحة اليوم ، فكيف يريد من انقلب على وثيقة الوفاق الوطني قبل أربع سنوات أن يصالح وعلى أي أساس ، ووثيقة الوفاق الوطني كانت وما زالت أرقى ما توصل إليه الفلسطينيون في اتفاقهم فيما بينهم ، وكيف يمكن لمن شطب توقيع أسراه على وثيقة الأسرى أن يصالح ، وكيف يمكن لمن وقع على وثيقة الوفاق الوطني بعد طول جهد وعناء وتهديد من الرئيس بعرض الوثيقة على الاستفتاء أن يصالح ، وكيف يمكن لمن وضع الوثيقة على محك التجربة والتنفيذ بعد سويعات من التوقيع عليها ودون العمل بمضمونها أن يصالح ( عملية أسر الجندي الصهيوني جاءت بعد ساعات محدودة من التوقيع على وثيقة الوفاق الوطني ) ، فلا مصالحة اليوم بعد أن جعلوا وثيقة الوفاق الوطني من التاريخ .
لا مصالحة اليوم ، فكيف يمكن للمؤمن التقي الورع في حركة حماس أن يصالح الملحد الكافر الزنديق في حركة فتح ، فلا مصالحة بين الإيمان والكفر بل هو الصراع الدائم حتى يظهر الله حركة الإخوان المسلمين على الأرض كلها من مشرقها إلى مغربها أو أن تهلك حماس ومن معها دون ذلك .
لا مصالحة اليوم ، فكيف للوطني الشريف في حركة حماس أن يصالح الخائن العميل في حركة فتح ، فحركة " فتح " العميلة الخائنة لشعبها وأمتها منذ أن فجرت الثورة الفلسطينية في الفاتح من كانون الثاني عام 1965 ، و" فتح " التي ورطت الإنظمة العربية وجرّت عليها هزيمة حزيران 1967 ، وفتح العميلة الخائنة التي صنعت مجد الأمة العربية في معركة الكرامة الخالدة وأيقظت الحس الوطني والقومي والديني في الشارع العربي وجعلت الإنظمة العربية تخضع لإرادة مواطنيها في دعم الثورة الفلسطينية ، فكيف يمكن أن تتم المصالحة مع " فتح " الحركة الخائنة العميلة ؟ .
لا مصالحة اليوم ، فكيف يمكن لحماس أن تقبل لفلسطين أرض الوقف الإسلامي – وكل أرض المسلمين هي وقف إسلامي – أن تتحول إلى دولة فلسطين الديمقراطية حيث يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات ، فأرض فلسطين هي وقف إسلامي وللمسلمين فقط وليذهب البقية الباقية إلى المحارق المزعومة لبني صهيون .
لا مصالحة اليوم ، فكيف تتصالح غزة المحررة من كل شيء مع الضفة المحتلة من قبل " فتح " ، فقبل المصالحة على حماس أن تحرر الضفة من الاحتلال الفتحاوي لها كما تم تحرير غزة ، فحركة " فتح " اليوم حركة استعمارية استيطانية تمارس أبشع أنواع الاحتلال في الضفة ، وحركة " فتح " تمارس اليوم عملية تهويد القدس بحيث لا تبقي ولا تذر أي فلسطيني في القدس ومحيطها أو ما يسمى بالقدس الكبرى ، فلا مصالحة اليوم مع حركة " فتح " التي تعمل على إنهاء الوجود الفلسطيني في الضفة .
لا مصالحة اليوم ، وكيف تتم المصالحة بين خالد مشعل إمبراطور غزة وفلسطين وحامي راية المجاهدين والمسلمين في كل مكان وبين محمود عباس المشارك للصهاينة في عدوانهم على غزة ، وكيف تتم المصالحة بين خالد مشعل المحَـاصَـر في غزة مع محمود عباس الذي يطالب العرب والأوربيين والأمريكان بتشديد الحصار على غزة ، بل كيف تتم المصالحة بين محمود الزهار الذي يصف الصواريخ التي تطلق على جنوب فلسطين المحتلة بالصواريخ المشبوهة ومطلقها بالعميل وبين محمود عباس الذي يصف تلك الصواريخ بالعبثية ، فصفة المشبوهة والعميلة صفة وطنية ما دامت تعبر عن حماس وموقفها ، وصفة العبثية صفة خائنة ما دام مطلقها محمود عباس ، فكيف تتصالح المشبوهة والعميلة مع العبثية ؟ .
لا مصالحة اليوم ، فالماسكون بأوراق المصالحة كثرٌ هم اليوم ، من القاهرة إلى دمشق والرياض فعمان ، ومن طهران إلى الرباعية فواشنطن ، ولكن وحدهم المعنيين بالمصالحة لا يملكون قرار المصالحة ، فلا حماس تملك قرارها ولا فتح تملك قرارها ، وكل قرار فلسطيني معني بالمصالحة مرهون بإرادة الآخرين ، فكيف تقبل حماس بورقة التفاهمات ثم تتراجع عنها لأنها تريدها جزءاً من ورقة المصالحة أم هو قرار الآخرين ، وكيف يعدل الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن زيارة غزة وهو ليس رئيس السلطة وحسب وإنما هو رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس دولة فلسطين الذي يحق له أن يتواجد في الضفة والقطاع على حد سواء أم هي إرادة الآخرين ، وكيف تتراجع لجنة السيد منيب المصري عن الذهاب إلى غزة ، هل هي إرادة منيب المصري أم إرادة الآخرين .
لا مصالحة اليوم ونحن نخرج من جلدنا الفلسطيني ، وتصبح كل فلسطين خارج المصالحة ، فمصلحة فلسطين آخر بند على جدول أعمال المصالحة ، فلتصبح غزة حماسستان ، ولتصبح الضفة فتحستان ، أما فلسطين الأرض والشعب قلتخضع لسايكس بيكو جديد ، فلا مصالحة اليوم على أرضنا ما دام اللاعبون بورقة المصالحة يخربون علينا وجودنا كأرض واحدة وكشعب واحد ، فمصلحة اللاعبون العابثون بنا أهم من وحدة الوطن ، وأهم من فلسطينية القدس وعروبتها وإسلاميتها ومسيحيتها ، فليغرق جميعنا في شبر ماء آسن ولتصبح المصالحة الفلسطينية آخر ما نفكر به ، فلا مصالحة اليوم بيننا ما دامت قلوبنا تهوى غير أهلنا .
