الوثيقة المقدسية والنواب الأربعة ...حكاية من العجز العربي

الكاتب علاء الريماوي

لم تعد إسرائيل في حربها على جبهة القدس تتخوف من ردع قد يزاحم مخططاتها ويقلب معادلة الصراع القائم  لصالح العرب فيها .

 منذ الإفراج عن الشيخ محمد أبو طير وما تبعه من قرار تسلمه يقضي بإبعاده عن المدينة المقدسة مع ثلاثة من إخوانه النواب في المجلس التشريعي، ليصار بعد ذلك  لتقنين القرار من خلال محكمة العدل العليا الإسرائيلية في الأسبوع الماضي مما جعلنا أمام تنفيذ الحكم نعد الساعات والدقائق والتي نخشى فيها المس بحياتهم وخاصة أن القرار سيجري مقاومته بقدر المستطاع بحسب المحيطين .

القرار هذا أضيف له قرار آخر في نفس الأسبوع  يتيح للمخابرات الإسرائيلية والأجهزة الأمنية في القدس إبعاد الأسر التي يشترك أبناؤها في مقاومة الاحتلال والمظاهرات المنددة بالسياسة الإسرائيلية في القدس  ليكون المشهد في الخاتمة أكثر إجراما حين أعلنت اللجنة اللوائية في بلدية القدس  قرارا بهدم عشرات  المنازل في سلوان لإقامة حديقة توراتية على أنقاض المنازل العربية .

القرارات الثلاث هي في الحرب على القدس غير مسبوقة لأنها أدخلت القدس في مرحلة جديدة من الاستهداف المباشر للوجود العربي والذي جعل الاستهداف يقوم على مكونات الوجود الفلسطيني في القدس (الأرض والإنسان ) ليسهل العمل على تحويل المخططات إلى نتائج على الأرض من خلال جملة من التحولات التي سترى نتائجها إن نجح المخطط وهي على النحو التالي .

1. القيام بعمليات إبعاد يومية بحجج أمنية تستهدف الشخصيات المؤثرة والعائلات التي تشكل مناطق سكناها مطمع المؤسسات الصهيونية في القدس لتسهل السيطرة على بيوتهم .

2. سلوان هي مقدمة الهدم الجماعي للبيوت الفلسطينية وخاصة للأحياء القديمة في القدس أو الملاصقة للتجمعات الصهيونية بحجة إعادة الترتيب والتخطيط والترسيم الهيكلي مما يجعلنا أمام مشهد إعادة توطين العرب في أماكن خارج قلب المدينة المقدسة .

3. إضعاف جبهة التحدي للمخططات الإسرائيلية من خلال استخدام العقوبات الثقيلة ( الطرد من القدس ) مما يؤسس ذلك إلى سهولة تمرير إجرام إسرائيل على الأرض .

هذه النقاط الثلاث تجعل صورة المعركة تنحصر ملامحها في الضرب المباشر لعناصر القوة على الأرض مما يجعل المشهد خطير لا يحتمل معه الصمت .

برغم القراءة الخطرة للمشهد فما زلنا ومع الأسف نعاني على الأرض الفلسطينية من لا مبالاة وعجز   القيادة الفلسطينية والتي تصر في علاقتها مع الولايات المتحدة الاكتفاء بالتصريح عن بعد وعدم تحويل التصريحات إلى حركة سياسية فاعلة مؤثرة وإن تطورت الأمور فإنها لا تتخطى الطلب الخجول لموقف  .

الموقف الفلسطيني يجب أن يكون واضحا للأمريكي وغيره من الوسطاء (المتآمرين ) أن القدس هي الخط  الأحمر الذي لا يمكن القبول من إسرائيل اللعب فيه ، وإلا ما الفائدة من عملية سياسية تقدم الغطاء لمذبحة في القدس كبيرة ؟

في مقال سابق حول نفس الموضوع حملنا منظمة التحرير مسؤولية الغطاء عما يجري في القدس وخاصة في جانب عدم رفع صوت الفصائل المنضوية في مؤسساتها في وجه الطاقم المسؤول عن إدارة الملف السياسي ، لكن اليوم ومع يقيني المسبق أن من يتحمل المسؤولية عن ما يجري في القدس هي الأمة بكل مكوناتها والتي ترى الحدث الإجرامي على انه رواية يومية مملة .

هذا الحديث الذي يولد الحسرة جعل المقدسي في حربه مع دولة الاحتلال يفر إلى نفسه ويكتب وثيقة تشكل البيعة على مواجهة تفريغ القدس من أبنائها بعد يقينهم  أن أحدا لم ولن يسمع صراخهم وان المستوى السياسي الرسمي لا يرى في ما يجري خطراً يسترعي موقفاً حازماً تلتف حوله الأنظمة وشعوبها للضغط على إسرائيل .

الوثيقة والتي عبرت عن أصالة القدس وعائلاتها العربية تظل الجانب الروحي في المعركة والمواجهة ، وتأخذ في اعتبارها المنظومة الثقافية لحركة النضال في القدس ، وهذا يستطيعونه مع جملة وسائل أخرى من صمود وعمل شعبي جماهيري فاعل ، لكن يظل السؤال الكبير مفتوحا للأمة والمؤسسات والدول والجماهير كيف ستنظرون إلى وجوهكم حين تشاهدون النعي العربي للقدس وحين يهدم المسجد فيها ؟ ، أظنكم لن تفعلوا إلا كما فعلتم يوم حرق منبر مسجد قبة الصخرة ، حينها صغرتم أكثر من الذل نفسه .