فلسطينيو48..هدم المنازل يحطم الأحلام لا الصمود

نصف ساعة فقط كانت كفيلة بتحويل المنزل إلى مجرد ركام، وأطلال تكفي لتقف عائلة لبناوي- في مدينة باقة الغربية في مركز الأراضي المحتلة عام 1948- عليها لتبكي وتتحسر على مبالغ مالية طائلة جُمعت على مر سنوات، واختفت بطرفة عين.   ولم يجد المواطن الفلسطيني أسعد لبناوي وهو أب لسبعة أبناء مخرجًا من المأزق الذي وقع فيه ومن الحيرة التي استمرت على مدار سنوات إلا أن يقوم بهدم منزله بنفسه وعلى نفقته قبل أن تأتي جرافات الاحتلال لهدمه وتغريمه بمبالغ باهظة.   ويقول لبناوي وهو نجار يعيش حياة متواضعة: "حاولت منذ أشهر إلغاء قرار الهدم الصادر بحق منزلين كانا في طور البناء، ورغم أن جميع الإجراءات التي قمت بها كانت ة  منازل فلسطينية بانتظار تنفيذ الهدم في باقة الغربيةصحيحة وقانوني، تيقنت أن هناك من لا يريد لنا أن نبني ونتوسع في أرضنا مهما كان الثمن".   ويضيف في حديث لوكالة "صفا": "بدأت ببناء المنزل قبل نحو عام، إلا أنني أجبرت على تجميده بأمر من المحكمة الإسرائيلية التي ادعت أن الأرض غير معدة للبناء، وأنها خارج نطاق الخارطة التوجيهية، مع أنها أرضي ولي الحق بان أفعل بها ما أشاء".   وقبل يومين فقط، أمهل الاحتلال لبناوي 24 ساعة فقط ليهدم منزله قبل قدوم الجرافات، فاضطر الأخير إلى الخيار الأول رغم الشعور الذي ينتاب كل فلسطيني يُرغم على هدم منزل عائلته الذي يؤويه في أرضه ويعزز من صموده.   وقدم الشاب المنكوب بمساعدة عدد من المحامين خارطة بديلة للحي الذي يزعم الاحتلال أنه خارج عن نطاق الخارطة التوجيهية للمدينة، والذي يتهدد شبح الهدم فيه أزيد من 15 منزلاً قريبَا.   وأشار إلى أن خارطته رفضت من قبل لجان التنظيم والبناء الإسرائيلية، بحجج وذرائع واهية، لافتًا إلى أن يقينه ازداد بعد ذلك بوجود قوة تلعب من خلف الكواليس لإحباط مخططات العرب وتمنع توسع نفوذهم بشتى الطرق والوسائل.   ويرى الشاب الذي هدم منزله بنفسه مضطراً- وهو ليس الأول فقد سبقه الكثيرون في مدن مختلفة- أن سلطات الاحتلال تتعمد هدم منازل فلسطينيي 48 وحرمانهم من التوسع، في خطوة لتهجيرهم طوعاً بعد أن يضيقوا ذرعاً وينال اليأس من قلوبهم.   "اللجنة المعينة هي السبب"، يقول لبناوي، بصوت غاضب، مضيفاً: "الرئيس اليهودي لبلديتنا هو من وافق على أوامر الهدم، وجاء لتمرير مخططات الهدم، ولإحباط عملية التوسع والتقدم بخرائط توجيهية فيها مصلحة المواطنين العرب".   وانتهجت حكومة الاحتلال سياسة جديدة تقوم من خلالها بحل المجالس المحلية في المدن العربية وتعيين لجان خاصة برئاسة مسئول يهودي من أحزاب إسرائيلية كبيرة غالباً،  فقرة وزوجته في حزن على مصير منازل أبنائهم وذلك رغم رفض فلسطينيي 48 المشككين بنوايا الاحتلال.   ويحمل صاحب المنزل المهدوم على أعضاء الكنيست العرب عدم تقديمهم الحل المناسب للأزمة التي تحيط بكل فلسطينيي 48، مشيرًا إلى أن ":النواب العرب لا يعرفون شيئًا عن القضية سوى الجلوس في خيام الاعتصامعلى حد تعبيره.   أما جاره، حسني فقرة والذي يعيل عائلة من 9 أنفار، فيجلس ليل نهار قبالة منازل أبنائه الثلاثة متحسرًا ويرتشف القهوة وينفث الدخان، لا يتحدث إلا قليلاً ولا يستمع لحديث الآخرين. ويقول فقرة لوكالة "صفا": "عشرة سنوات من العمل المتواصل، قضيتها أنا وأبنائي الذين شارفوا على بلوغ الثلاثين من عمرهم، نجمع الأموال لبناء منازلهم ونحقق أحلامنا بتزويجهم بعد أن بلغنا أنا وأمهم من العمر عتياً واشتعل رأسي شيباً".   ويوضح أن سلطات الاحتلال أخطرته قبل أيام بهدم المنازل الثلاثة التي بناها في ظل أزمة مالية خانقة – وهو من عائلة متواضعة- ، مشيراً إلى أن قرار الهدم جاء بذريعة "عدم الترخيص".   "قتلت أحلامي، وضاقت بي الدنيا"، يقول فقرة -الذي شارف على الستين من عمره-، مضيفاً: "حلمي في الحياة كان تزويج أبنائي والفرحة بهم، كم انتظرنا أحفادنا، أما الآن أصبحت رجلاً بلا حلم، والأولاد أيضًا تركوا عملهم وجلسوا قبالة منازلهم تقتلهم الحسرة وتغلب عليهم الدموع".   ويشير إلى أنه استطاع الحصول على أمر تجميد مؤقت من قبل المحكمة الإسرائيلية للهدم حتى الثامن من تموز/ يوليو القادم.   من ناحيتها، تقول زوجة فقرة –وهي جالسة إلى جانب زوجها تشاركه همومه وتحاول التخفيف عنه عبثًا: "أنا امرأة بلغت الخمسين من عمري، لا أريد شيئاً من هذه الدنيا، لم لبناوي اضطر إلى هدم منزله بنفسه أطلب مالاً وجاهًا، كل ما كنت أحلم به هو تزويج هؤلاء الأبناء" مشيرة إلى أبنائها الذين جلسوا إلى جانبها يغمرهم اليأس والغضب.   وتبين: "هذه المنازل لو هدمت، ستهدم أحلامي كأم وأحلام أبنائي، ونحن لن نسمح لأي كان أن يهدم أحلامنا، سنبقى داخل المنازل لا نخرج منها حتى لو هدمت فوق رؤوسنا".   وقالت لوكالة "صفا": "لماذا يهدمون مستقبلنا؟ هذه أرضنا ونحن أحرار باستعمالها كيف نشاء، ألا يكفي أنهم احتلوا وطننا بأكمله، حتى جاؤوا لاحتلال أرضي الصغيرة ومنعي من البناء فوقها، إن مأساتنا لا توازيها مأساة شعب على هذه الأرض".   وتعد باقة الغربية نوذجاً مصغراً للعشرات من القرى والمدن التي ما يزال شبح الهدم يحيط بالمئات من  منازلها بعد أن نال من العشرات، حيث تشردت عائلات فلسطينية بالعراء بعد هدم منازلها.   ونظمت في أراضي 48 خلال الأشهر الماضية عشرات المظاهرات، تنديداً بسياسة الهدم وسط تضامن كبير من قبل الأوساط السياسية والدينية والاجتماعية الشعبية.   وقال سميح أبو مخ -وهو رئيس اللجنة الشعبية التي شكلها الأهالي عوضاً عن مجلسهم الذي يترأسه مسئول إسرائيلي يدعى يتسحاق فالد-: "ندرك جيدًا أن هدم المنازل ليس ظاهرة غريبة أو مؤقتة، بل إن الاحتلال يحاول اقتلاعنا من أرضنا، من خلال سياساته الظالمة".   وأوضح أبو مخ لوكالة "صفا": "في مدينتنا نصبنا خيمة اعتصام، ونسعى لتعزيز الوقوف في وجه هذه السياسة، لن نسمح بهدم منازلنا، لرفضنا هذه السياسة ونؤكد لكل من لا يعرف أن الفلسطيني لا يخرج من أرضه ما دام فيه عرق حي ينبض".