لربما يوحي العصر الرقمي "الديجتال" بطرق جديدة للكتابة، فهذه ليست مصفوفة رياضية مجردة، إنها المتوالية السياسية الفلسطينية، المصفوفة الفلسطينية، التي تزداد كل عام، الأول يذكرنا بالنكبة، والثاني للنكسة والثالث للكارثة، دخلنا في العام 63 على النكبة عام 1948، والعام 44 على النكسة عام 1967، ودخلنا العام الرابع على كارثة الانقلاب عام 2007.
في الأول نجحت عصابات يهودية باحتلال 78% من أرض فلسطين التاريخية، وتهجير مئات الآلاف من شعبنا واقتلاعهم من أرضهم، فبتنا لا جئين في وطننا وفي اسقاع شتى في العالم. والثاني..يذكرنا بالنكسة حين اقدم جيش تلك الدولة الحديثة، بمهاجمة دول الطوق، واحتل الأرض فسقطت بقية فلسطين من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس في قبضة الاحتلال، ونزح مئات الآلاف من شعبنا مرة أخرى، مضافا اليها الجولان وسيناء وبعض من الحدود الشرقية، وأراض لبنانية يترددون في الاقرار بصك ملكيتها لليوم.
والثالث يذكرنا بالكارثة، أي كارثة الإنقلاب الذي أقدمت من خلاله حركة حماس، على قتل المئات والتمثيل بالجثث وسحل أخر، كي تسيطر على غزة، فعل كهذا بايد فلسطينية وفي الجبهة الداخلية الفلسطينية لا يمكن أن يسمى بأقل من كارثة، إذا ما قرأنا مفاعيلها في المستويات المختلفة والمتعددة وىثارها التاريخية.
في الأولى بات العالم العربي والاسلامي على استعداد تام "لتنازل تاريخي نهائي" عن 78% من فلسطين التاريخية، مشفوعا بالتطبيع الشامل والتعاون الكامل، هذا إن وافق الاحتلال على إنهاء النكسة وآثارها، عبر المبادرة العربية للسلام التي وافقت عليها الدول الاسلامية في اجتماع لوزراء الخارجية في طهران بعدما أقرتها قمم عربية منذ بيروت 2002، وبذلك لن تعود النكبة ذات معنى سياسي، إذا أنهينا الاحتلال بانسحاب الاحتلال الاسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة آنذاك، هذا ما تعنيه المبادرة دون تأويل لغوي أو سياسي.
ودون مزايدات سياسية، نحن الفلسطينيون بقدنا وقديدنا وافقنا على ذلك، بعضنا فعلها عام 93، وكثر من هيأوا لها منذ عام 1988، وبعض منا كان موافقا ومتوافقا منذ 1947، وآخرين ما تأخروا في موافقتهم، بحلول إبداعية لغويا برأيهم، وانتهازية أو سذاجة سياسية في رأينا، حلول من قبيل تهدئة وهدنة وصلحة، وما هي إلا تميزا لا يحتاجه شعبنا، ولا تحتمله قضيتنا، هم ذاتهم تأخروا دائماً، عن حمل السلاح ودفع ضريبة الدم والقاء الحجر، وكذلك عن الوحدة والتضامن والمشاركة.
ثالثة انهياراتنا الانقلاب عام 2007، ثلاث سنوات تمر وندخل العام الرابع، حماس غير متهيأة لتوقيع اتفاق مصالحة وطنية، كثرت الروايات والمعلومات والتحليلات، وبقيت حقيقة واحدة، الانقلاب وقع في 14/06/2007، وحماس رفضت التوقيع على وثيقة المصالحة في 15/10/2009، بعدما اكتملت الحوارات وصاغتها مصر الشقيقة ووقعتها فتح، وما زالت حماس تسوق الاعذار لعدم التوقيع وتبتعد عن ذكر الحقيقة، ومازال الكل الوطني "لا الكل العربي ولا الكل الاسلامي" يطالبها بالتوقيع، فهل هنالك حسابات لاحتمالات انفصال أبدي، بينما نطوي ثلاث أعوام على الانقلاب ونبدأ عاماً رابعاً من عمره المقيت.
معلوم أن باكستان استقلت عام1947 عن التاج البريطاني فيما نالت الهند استقلالها بعد يوم على ذلك، باكستان الغربية وباكستان الشرقية المنفصلتين جغرافياً، ونقرأ كيف استقلت باكستان الشرقية عن الغربية عام 1971 فيما تعرف اليوم ب بنغلادش وعرفت سابقاً ب"باكستان الجديدة"و "باكستان الشرقية"، بانفصالها عن باكستان، قالوا في حينه لا حاجة لنا في بقائنا موحدين مع باكستان، لأسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، ارتبطت بالعرق واللغة، وقد تمت بمساعدة من الهند، هل يرتضي أمراء حماس بدولة غزة، سيقولون علنا لا، وفي نجواهم نعم كبيرة أطلقتها قياداتهم المركزية وابلغوها لأطراف دولية، وبماذا يوصف الحال القائم في قطاع غزة، حكومة تدعي السلطة وتحكم بالأمر الواقع، تشرع قوانين خاصة، تمنح الحياة بالعفو، وتنهي الحياة بالاعدام، تمارس كل ما تستطيع من مهام دون أي تنسيق مع المركز بل تشكك في مركز القيادة وتنازعه "الملك".
ما هي أهداف الانقلاب الذي أوقعته حماس!؟ ليس ثمة هدف مادي واحد قد تحقق أو يمكن تحقيقة الا بالانفصال النهائي، فلا مجال لنهاية فتح في غزة مهما قتلوا أو احتجزوا، ولن يتم حسم التنافس بشكله الديمقراطي أو التناحري، لأن فتح في غزة في حالة من التصاعد في قوتها وتنظيمها ومعنوياتها وايمانها، قوة تكفي لاسقاط حماس في اي اختبار ديمقراطي في غزة.
ولكن يمكن أن تشكل غزة حقل اختبارآخر للحركة الاسلامية العالمية، ويمكن أن تكون ورقة لعب ومناورة للملف النووي الايراني، ويمكن ويمكن....، هذا ما تؤديه حماس طوعا أوكرها، لكن لا يمكن إطلاقا أن تكون ورقة فلسطينية خالصة تقوم على الفرقة والانفصال والانقسام بفعل انقلاب دموي، مهما حاولوا اثبات ذلك.
بين الهلال والمحاق، ما يسمى شهرا قمريا "عربيا"، القضية الفلسطينية في محاقها وقد مضى بدرها وربيعيها، محاق قضيتنا ليس فقط بسبب تحولات النظام السياسي الدولي الذي يظهر تفهما وتعاطفا وايمانا بضرورة استقرار منطقة الشرق الأوسط عبر فلسطين، وتحقيقاً لمصالحه الحيوية والاستراتيجية، بل محاقاً بسبب التحولات الكارثية في المجال الفلسطيني بدءًا من مكانته العالمية، مكانة شعبنا أفرادًا وتجمعات، داخل الوطن وخارجه، وواقع فصائله الوطنية المختلفة كلياً لا المتنافسة فيما بينها ديمقراطياً.
الخطر الوطني التفاوضي، أن حماس تخضع القضية الوطنية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني الى ما يمكن أن يسمى "مناقصة تفاوضية" بدل أن يكون "مزاد تفاوضي"، لكي يقبل الاحتلال والمجتمع الدولي بها شريكا، واظهارا لحسن النوايا، اثباتا لعداوة الإخوة من فتح وحتى بعض الجماعات الاسلامية، وبسفك دماء الشعب الفلسطيني، مضافا لذلك وقف المقاومة المسلحة وامتهان المقاومة الاعلامية، وعرض القبول بحلول مرحلية ومؤقته ما دون الموقف التفاوضي الفلسطيني الرسمي، في مثل هذا الحال لن يقبل الاحتلال بالتراجع أو الانصات لطرف فلسطيني، فهو يفاوض الجهات الشرعية الفلسطينية التي يساندها القانون الدولي، مع استمرار تدليل المعارضة على المناقصات التفاوضية، هنا نقول أعان الله الرئيس ابو مازن، الذي لم يغير أو يبدل في موقفه التفاوضي برغم الصعوبات التي تواجهه والحال البائس والمزري الذي تمر فيه قضيتنا.
الخلاصة تقول: الثابت في هذه المعادلة أن تصفير الانقلاب وإنهائه، هو البداية الحتمية لانهاء الاحتلال، المتوالية السياسية الفلسطينية دخل عليها متغير جديد، فيروس رياضي قاتل، التخلص منه شرط لازم لانهاء الاحتلال واجتثاثة واستعادة شعبنا لحقوقه وحريته وممارسة تطلعاته الوطنية والسياسية، والابقاء عليه يعني تأخير تجسيد تلك الحقوق، ويبقى المسئول من أحدث الانقلاب عن تشكل هذه المتوالية الجديدة، بعلم ووعي كافي بأن هذه السنوات يحتاجها الاحتلال الاسرائيلي لادارة الصراع حتى يستكمل خططه ويعلن انتصار مرحلي طويل الأمد.
المسئول عن العدد 4، بات مسئولا عن العدد44، المسئول عن الانقلاب يطيل في عمر النكسة والاحتلال، لان نهاية الاحتلال مرتبط مباشرة بنهاية الانقلاب، حيث لا عداء بين فصائل وحركات التحرر إبان الانقلاب، ولا انتصار دون وحدة جامعة لحركة التحرر لأي شعب محتل، هذا خلاصة تجارب تاريخية، بات قانوناً في مرحلة التحرير. إن نهاية الإنقلاب هو زمن بداية نهاية النكسة، فهل من مستجيب!؟ علينا جميعا تحمل المسئولية، لنعيد القضية لنصابها.