وصلنا مفترق طرق 26 يناير، بعد ست جولات من مفاوضات-اللامفاوضات (أو لامفاوضات-المفاوضات). يقول رئيس السلطة: انتهت بلا نتائج. يصرخ شباب الحراك الشبابي أمام أسوار المقاطعة الرئاسية: قرفتونا مفاوضات وتطلق السيارات زماميرها تأييداً.
لكن، عقلنا ليس مخرباً، ولو جربنا المجرّب، أو لحقنا العيار لباب الدار. لماذا؟ تعرفون أن إشارات الطرق دولية، والرباعية المسخوطة هذه وضعت إشارات طرق ذات مدى زمني: 3 و6 و12 شهراً، وقسطت مسيرة التفاوض بدءاً من ترسيم الحدود الأمن بالتالي. صحيح أن سيارتنا فولكس فاغن، عتيقة وسيارتهم فيراري حديثة، لكننا كسبنا السباق عندما قدمنا كتابياً تصورنا للحدود والأمن.
الاسرائيليون، في الجلسة الخامسة، قدموا 21 ملاحظة عن الأمن لا عن الحدود. رفضنا: في الجلسة الخامسة، جاء رئيس المفاوضين اسحق مولخو بضابط أمني كبير قدم، شفاهة، تصور اسرائيل للحدود. انفجر كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات: نريدها مكتوبة.
لماذا ليست، مع ذلك، هي مفاوضات عبثية؟ لأننا والرباعية وضعنا إشارات طريق.. ولو أن الست أشتون تحاول التوسط والسير بالمفاوضات في طرق التفافية، ليس عليها إشارات طريق، بل تكرمات اسرائيلية من كيس حسن النية، مثل: طلاق سراح أسرى، وقف الاختراقات للمنطقة (أ) وجود أمني شرطي فلسطيني في المنطقة (ب) إطلاق النشاط المدني للسلطة في المنطقة (ج).
هذه لفتات أقل من التزامات اسرائيلية تترتب على خارطة الطريق، وعلى وقف الاستيطان وتفكيك البؤر الاستيطانية حسب تعهد شارون للرئيس بوش-الثاني.. وقبل الجولة السادسة والأخيرة، أهدتنا حكومة اسرائيل تسويفاً لأهم البؤر الاستيطانية ميغرون بتأجيل تفكيكها سنتين (أو أربعاً أو خمساً) ثم نقلها لمستوطنة أخرى خارج الجدار، رغم أحكام عدة من محكمة العدل العليا الاسرائيلية.
لماذا طلبنا موقفاً اسرائيلياً مكتوباً يحدد حدود اسرائيل، وبالتالي حدود دولة فلسطين؟ لأن عرفات طلب من أيهود باراك خارطة ووثائق مكتوبة في كامب ديفيد 2000، ولم يحصل عليها، ولأن أولمرت عرض موقفاً شفهياً جيداً وخارطة رفض تسليمها لرئيس السلطة عن الانسحابات.. ثم استقال أو دُفع للاستقالة.
لم يلزم عريقات صبر أيوب، لكنه طالب باحترام قواعد التفاوض وإشارات الطريق.. فجاءنا الاسرائيليون بالقول: التفاهم حول المياه، وحول المستوطنات، وحول القدس.. يسبق أي ترسيم للحدود؟ الحصان أولاً أو العربة!
يروي نبيل العربي، الأمين الحال للجامعة العربية، وكبير مفاوضي طابا بعد كامب ديفيد، أن المفاوضين الاسرائيليين كانوا يمطمطون الوقت. كيف؟ يلقي أحدهم نكتة، ويتضاحك الاسرائيليون عليها ساعة.. الى انتهاء الجلسة. وبالنتيجة؟ ذهب المفاوضون للتحكيم الدولي الذي أنهى مفاوضات عبثية.
الضفة ليست طابا (أو ألف ألف طابا) لأنها الدولة لا قطعة أرض محتلة، ومن ثم سنذهب الى لجنة المتابعة العربية، ومنها الى متابعة طريق أوسلو.. عفواً طريق اليونسكو الذي سيوصلنا الى المحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة لاهاي أيضاً، والعودة لاحراج أميركا في مجلس الأمن قبل انتخابات الرئاسة وبعدها أيضاً، وقبل انتخابات الليكود وبعدها أيضاً، وسواء ضربوا إيران أم لم يضربوها، أو انتخب الاميركيون أوباما لرئاسة ثانية أو انتخبوا أهبل جمهورياً.
المسألة هي: ما هي خياراتك إن وصلت المفاوضات الى مأزق ولدينا خيارات سياسية، وليس لاسرائيل خيار سوى متابعة الاستيطان وتهويد القدس واعتقال النواب والنشطاء.. ومتابعة الانحدار نحو سن قوانين عنصرية وفاشية في أسوأ كنيست اسرائيلية. وأخيراً: هبطت اسرائيل ست مراقب في جدول حرية الصحافة العالمي.
كلا، لم تكن المفاوضات عبثية، فقد ادعى باراك بعد كامب ديفيد أنه كشف الوجه الحقيقي لعرفات، والآن: الوجه الحقيقي لاسرائيل.
لم تذهب منافينا سدى قال الشاعر. يقول الفيزيائيون: المادة لا تفنى ولا تخلق من عدم ومنافينا خلقت، أو بلورت، شعباً فلسطينياً.. لن يتبدد في الشتات والمنفى ولن يفنى في البلاد، والسلطة خلقت واقعاً سياسياً وإدارياً ومؤسساتياً لن يتم تقويضه بسهولة.
وقفت أستبقي الحياة فلم أجد لي حياة غير أن أتقدما.. نحو الدولة شاء من شاء وأبى من أبي.
