,حالة تدفيع الثمن, الصهيونية

بقلم : صادق الشافعي

شكل سياسة تدفيع الثمن واحدة من التجليات البارزة على اتجاه المجتمع الصهيوني إلى جانب الحكومة القائمة نحو المزيد من التطرف اليميني والعنصرية.
وكانت سياسة تدفيع الثمن قد وضعت أصلاً وسيلة لمعاقبة الفلسطينيين على شنهم هجمات على المستوطنين، ولردع اسرائيل عن تطبيق سيادة القانون على المستوطنين في المناسبات النادرة التي تقوم بها السلطات الاسرائيلية بفرض القانون عليهم. فقاموا بهجمات اضطهاد دورية ضد القرى المعزولة حيث يضربون الأهالي ويضرمون النار في الحقول ويقتلعون أشجار الزيتون ويقتلون الماشية ويسممون الآبار.
إلا أنها في الآونة الأخيرة تطورت واتسعت لتشمل كل أراضي الضفة الغربية وانتظمت أعمالها الى درجة أصبحت حالة او حملة عامة وباتت هجماتها تأتي لمعاقبة الفلسطينيين على أي تطورات سياسية مهما كانت خجولة.
والحالة التي تشكلت بين المستوطنين أساساً، امتدت أفعالها واعتداءاتها الى أراضي الـ48 والى ما يعتبرونه قلب اسرائيل حيث تخطط وتسعى للتغلغل في الأحياء والأوساط العربية في المدن المختلطة وتملك أجزاء منها على حساب طرد ومحاصرة سكانها العرب الأصليين. وهي تركز في ذلك على المناطق او المدن التي تشهد مداً او حراكاً يهدد بنمو قوة او تأثير الفلسطينيين كما يمكن لحظه مثلاً في تركيزهم على سخنين وأم الفحم.
كما نفذت أكثر من اعتداء في هذه المنطقة منها الاعتداء على مسجد في طوبا الزنغريا البدوية في الشمال ومنها تخريب مقبرتين في يافا.
وتراهن في اعتداءاتها على هذه المناطق على دفع الجماهير العربية لأن تقوم بردة فعل وعليه يمكنهم الادعاء بأن العرب هم الذين يحاولون رمي اليهود في البحر وانه لا يوجد حل سياسي.
وتستفيد حالة تدفيع الثمن وتستغل في قيامها ونموها الشعور السائد المعادي للعرب الذي يتم تأجيجه سواء من خلال التشريعات التمييزية الصريحة من البرلمان الاسرائيلي او من الأعداد المتزايدة من الحاخامات الذين يتبنون آراء عنصرية متشددة او من مواقف وسياسات الحكومة العنصرية.
وتستفيد أيضاً من سياسة غض النظر، او العجز المتعمد، التي تمارسها الأجهزة الأمنية الاسرائيلية (الشرطة والجيش) تجاهها. فهذه الأجهزة تدعي العجز عن الإمساك بمنفذي الاعتداءات منهم وتقديمهم للمحاكمات، في الوقت الذي تتبجح فيه بقدراتها الخارقة في التعامل مع التحركات الفلسطينية واختراق تنظيماتها والقبض على نشطائها ومحاصرة ومنع هجماتها. كما تستفيد من تساهل القضاة للإفلات من العقاب.
وهذا ما يشجعها على توسيع عملياتها كي تشمل ليس فقط الأقلية الفلسطينية بل ومعهم نشطاء السلام الاسرائيليين واليهود، وفي بعض الأحيان الجنود أيضاً، كما حصل عندما قامت مجموعة كبيرة لنشطاء حملة تدفيع الثمن من مستوطني الضفة بالاعتداء وترويع مجموعة من اليهود اليساريين الذي جاؤوا لدعم عائلة فلسطينية تحاول العمل على أرضها.
ورغم ان ممارسات واعتداءات حملة تدفيع الثمن تشكل تحدياً خطراً لصورة اسرائيل على المستوى الدولي من حيث ديمقراطيتها المعلنة ومصداقيتها، لكن يبدو ان هذا آخر ما يشغل اسرائيل بقيادتها اليمينية الحالية.
بل إنها تدعم وتشجع حالات شبيهة على هذا المستوى الدولي.
ان ما تقوم به على المستوى الدولي جماعات الضغط المنتشرة في كثير من بلدان الغرب بدعم وتنسيق مع حكومة الكيان الصهيوني لا يبتعد في جوهره كثيراً عما تقوم به حالة تدفيع الثمن داخل في فلسطين.
فبالإضافة الى المهمة الأساسية التي ظلت هذه الجماعات تقوم بها في تبييض صفحة اسرائيل والدفاع عنها وعن سياساتها وتأمين الدعم بكل أشكاله لها ولمواقفها، فإنها في السنوات الأخيرة تتولى مهمة أساسية أخرى هي منع ترجمة التحول الكبير الذي طرأ على الرأي العام العالمي في السنوات الأخيرة لصالح قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، الى عمل سياسي ومواقف ضد سياسات اسرائيل على الأرض. وهي تقوم بذلك عن طريق الضغط والتخويف للنخب السياسية والفكرية والثقافية وهيئاتها ومنابرها لمحاولة منعها من العمل وفق ما تمليه عليها ضمائرها ووفق رغبات مجتمعاتها، والتصدي بكل الوسائل الى اي شكل من أشكال الحملات الشعبية لمقاطعة اسرائيل على اي مستوى وفي أي مجال.
ومن ابرز الأمثلة على دور وتأثير هذه الحالات مثول الرئيس الاميركي اوباما أكثر من مرة أمام لجنة ايباك طليعة اللوبي الاسرائيلي وصمت الإدارة الاميركية المستمر وتراخيها في مواجهة استعمار اسرائيل للضفة الغربية والحصار والقتل في غزة والتطهير العرقي للبدو في النقب والتشريعات الجديدة التي تميز ضد الفلسطينيين في دولة الكيان.
ومثل آخر على ذلك الدور والتأثير هو التراجع المخزي للقاضي غولدستون عن تقريره المدجن حول المذبحة في غزة.
لكن في مقابل هذه الأمثلة هناك أمثلة أخرى مشرفة ترفض وتقاوم حملات الضغط والتخويف وتقوم بما تمليه عليها ضمائرها ووفق رغبات مجتمعاتها.
وهي أمثلة تتزايد باستمرار وهي التي تؤشر على اتجاه المستقبل.