عدلي صادق
في مساء يوم الجلسة الإجرائية الأولى لمجلس الشعب المصري (الإثنين 23/1/2012) اجتهد أحمد مسلماني، صاحب برنامج «الطبعة الأولى» على قناة «دريم2» فجمع بعض اللقطات المسلكية ـ أثناء الجلسة ـ لحزب «الحرية والعدالة» الإخواني، بهدف البرهنة على حقيقة لا مراء فيها، وهي أن هذا الحزب يلتزم بالمقتضيات التنظيمية لعمل المؤسسة التشريعية، وبالنصوص الدستورية واللوائح المكملة، المتعلقة بالتدابير الإجرائية. ورأى مسلماني في تلك اللقطات، دلائل على أن الحزب الإخواني، قد وطد العزم على التماشي مع وضعية الدولة والتزاماتها، وعلى أن ينفتح على مسؤولياته في هذا السياق، بمنطق لا عهد لجماعة «الإخوان المسلمين» به من قبل.ومن خارج وقائع الجلسة الأولى لمجلس الشعب، عرض المسلماني إشارة إضافية رآها تدل على التغيّر في النهج الحركي لهذه لجماعة «الإخوان» وهي أن الرجل الثاني فيها خيرت الشاطر (وهو مسؤول المالية والتمويل) حضر حفل الاستقبال الذي أقامته سفارة الهند في القاهرة، لمناسبة يوم الجمهورية. وفي وجهة نظر مقدم برنامج «الطبعة الأولى» كان ذلك الحضور، لمجاملة الهند في عيد وطني لها، يمثل تحولاً عن موقف التركيز على الباكستان، التي تؤيدها «الإخوان المسلمون» في النزاع على إقليم جامو وكشمير. وفي هذه الإشارة الأخيرة، ما يوجب التنويه الى أن الجماعة ربما لم تكن تُدعى الى حفلات استقبال سفارات الهند. فالهنود والباكستانيون أنفسهم، يتبادلون المجاملة في مثل هذه المناسبات، ويكون حفل الباكستانيين حاشداً في دلهي، على الرغم من أن استقلال بلادهم يمثل في أعراف السياسة الهندية «انفصالاً» مأسوفاً عليه من المسلمين ومن الهندوس معاً. فالمسلمون يرون أن تأسيس باكستان، كان بمفاعيل دسيسة بريطانية، هدفها حرمانهم من دور وتأثير حاسمين في الهند، يضاهي ـ إن لم يزد عن ـ الدور والتأثير الذي يحظى به الهندوس، في بلدهم الإمبراطوري، الذي أغنى المسلمون ثقافته وفنونه وتراثه الفكري. فعدد سكان كل من باكستان وبنغلاديش التي انفصلت عنها في العام 1971، وصل الى 325 مليون نسمة، فإن اضفنا اليهم مسلمي الهند وعددهم في أقل التقديرات مئتا مليون، يكون الافتراض بأن مسلمي الهند، يقتربون من نصف مجموع السكان، ويكون للهندوس ومعهم أتباع كافة الديانات النصف الثاني، وهذا في تقديرات افتراضية قد تزيد أو تنقص قليلاً!وهناك ملاحظة أخرى، تتعلق بمقتضيات العلاقة مع أي بلد فيه مواطنون مسلمون، إذ لا يصح أن يُنظر للهند مع التغاضي عن وجود مئتي مليون مسلم، فضلاً عن التغاضي عن حقيقة أن الهند بأديانها وثقافتها وتاريخها، تمثل حضارة صديقة، تواءم معها التراث السياسي للهند منذ الطور الأول لحركة تحررها الوطني مروراً بمراحل العمل السياسي في الجمهورية المستقلة، التي لم تفتح العلاقة مع إسرائيل إلا بعد أن فُتحت العلاقات العربية الإسرائيلية على مصاريعها في عقد التسعينيات. ثم إن الأعياد الوطنية لأي بلد، هي أعياد كل شعبه بكل أديانهم، لذا كانت علاقة القوى الإسلامية مع الهند واجبة، بصرف النظر عن نزاعها مع باكستان، إن لم يكن بسبب مئتي مسلم هندي، فليكن بسبب سياسة هندية لم تعمل بمنطق ردود الأفعال، أي ظلت على موقفها من القضية الفلسطينية على الرغم من تأييد عدد من الأقطار العربية للطرف الآخر من النزاع على كشمير. ثم إن دور القوى الوسطية الإسلامية الآن مهم، بسبب موجة الإرهاب المتطرف. ومن واجب المخالفين للغلو وللتطرف، كجماعة «الإخوان» أن يُظهروا الوجه الحقيقي للإسلام السياسي، وستكون هذه أفضل خدمة لتيار إسلامي معتدل في الهند، أحرجته أعمال التطرف وساعدت على تفاقم مشكلاته في بلاده!
* * *
وفي الوقت الذي اجتهد فيه أحمد مسلماني، لكي يثبت أن «الجماعة» وحزبها في البرلمان المصري، أظهرا نوايا تغيير في منهج العمل السياسي؛ كان أحمد منصور، ذو الحواجب المتراقصة، يُعد للقاء استقصائي مطول مع د. محمد مرسي، رئيس «حزب الحرية والعدالة» وتم بث اللقاء فعلاً. وعندما تحدث مرسي بصراحة وأريحية، وأكد بأن حزب «الإخوان» لن يعاند شيئاً ولا أمراً من تلك التي أشبعها وصفاً بأنها بغيضة وخيانية؛ توتر منصور وظهرت حدته وتجمد حاجباه. فلا ضيفه من الأطراف التي يتمتع في تشغيل غمازات عينيه وترقيص حواجبه سخرية منها وتشفياً وتركيزاً على بؤس حالها وقلة حيلتها، ولا هو راضٍ عن السياق «الأخ المسلم» وكأنه يريد من مرسي، الذي وضع قدمه على عتبة المسؤولية عن مجتمع ودولة؛ أن يلعلع كالفتى مشير في غزة، أو أن يبيع المشاهدين والمتابعين وعوداً مزلزلة، وبعضاً من بضاعة «الجزيرة». لكن مرسي كان واضحاً وسلساً وواقعياً، بل واضحاً في رأيه بأن الوصول الى الحكم هو الهدف، وهو ذروة التمكين، وأن السبيل هو الحُسنى والقراءة الواقعية والمسؤولة لمفردات الحال وإحداثيات الرحلة!كأن مرسي، في حديثه الذي أوقف حركة الحواجب المنصورية؛ أراد أن يقول لمسلماني الذي بذل الجهد لتجميع اللقطات الدالة على تغيير: لا تتعب نفسك، ولا تفتش عن لقطات مسلكية أو جانبية. سنكون في الحكم، غير ما كنا في المعارضة، ولكل خطوة الى الوراء فتواها، والله تعالى من وراء القصد!