في الخيارات الفلسطينية؟

يحيى رباح واضح من حديث كاثرين أشتون المفوضة الأوروبية للشؤون الخارجية مع الأخ الرئيس أبو مازن، أن انتهاء محادثات عمان بين وفدين فلسطيني وإسرائيلي تحت رعاية أردنية إلى لا شيء، لا يعني نهاية المطاف وفي السياسة عموما ليس هناك شيء اسمه نهاية المطاف، ولكن الأزمات حين تصل إلى نقطة اختناق مثلما هو حاصل الآن بيننا وبين إسرائيل في ظل حكومة نتنياهو، فالتعقيدات ستعبر عن نفسها، في مخارج، وردود أفعال ومبادرات وانفجارات؟ لأن السياسة لا تؤمن بالسكون، لأن نقطة الاختناق لا بد أن تصل إلى درجة ما من التنفيس سواء المدروس والمسيطر عليه أو ألقسري وخارج عن السيطرة، ولذلك فإن القوى السياسية في العادة، تفاضل بين أفضل الخيارات الممكنة حتى لا تتركها عشوائية وبما يتطابق مع الإمكانيات، والقدرة على الاستمرار، وعدم فقدان الهدف الرئيسي.أعتقد أن القيادة الفلسطينية بالدرجة الأولى ومعها الأشقاء والأصدقاء والحلفاء بالدرجة الثانية، يواجهون اليوم هذا الاختبار، وهو اختبار صعب جدا، ودقيق جدا، وكل من يتعامل معه بخفة أو رعونة أو بدون حسابات يكون مغامراً، أو متاجرا، أو فاقد الإحساس بالمسؤولية.نحتاج بداية إلى دراسة عميقة للحالة الإسرائيلية التي نواجهها، وهي حالة سباق مجنون مع الوقت، للء هذا الوقت بحقائق على الأرض معادية لمشروعنا الوطني، وخاصة على صعيد التهام الأرض، والاستيطان المكثف فوق هذه الأرض، بالإضافة إلى رزمة القوانين العنصرية التي تحاول قوى التطرف في ظل هذا الائتلاف شرعنتها من خلال الكنيست الإسرائيلي.معروف أن الاستيطان الإسرائيلي، وتغيير معالم مدينة القدس، لم يحصل على شرعية من وجهة نظر القانون الدولي، ولا من المجتمع الدولي، حتى الولايات المتحدة الحليف الأكبر والمنحاز الأكبر لإسرائيل لم تستطع أن تمنح إسرائيل شرعية لاستيطانها، أو شرعية لضم مدينة القدس، أو تغيير معالمها، أو إحداث خلل رهيب في توازنها السكاني والجغرافي.و هذا شيء مهم، ووجدوه لا ينفع على المدى الطويل، لأن الحقائق حين تتراكم فإنه سرعان ما يجيء الاعتراف بها واقعيا، وهذا هو معنى الزيادة الطبيعية في نمو المستوطنات التي تتذرع بها إسرائيل في صلب عملية الاستيطان، و بالتالي، فإن إسرائيل التي لا تقيم وزنا لعدم مشروعية أفعالها من وجهة نظر القانون الدولي، أو المجتمع الدولي، يجب أن تعاني من شيء آخر غير عدم الشرعية، شيء اسمه ثمن الخروج عن القانون الدولي، وثمن الاستمرار في الاحتلال، وثمن العربدة في السلوككيف يحدث ذلك؟هذا السؤال يكمن في جوهر الخيارات الفلسطينية التي يجري البحث فيها منذ فترة، وجاء الموعد الآن لتحديدها والبدء في ممارستها كسياسة راسخة على الأرض.كيف نقوم نحن كمجتمع فلسطيني في الضفة والقطاع والقدس، قرابة أربعة ملايين فلسطيني، بتعميق الثمن الذي تدفعه إسرائيل لقاء ممارساتها الاحتلالية الشاذة؟ وكيف يشارك معنا الأشقاء، والأصدقاء والحلفاء في مضاعفة هذا الثمن الذي تدفعه إسرائيل؟و في سبيل ذلك: فإن بداية التغيير، بداية الخيارات الجديدة التي يجب أن نذهب إليها، هو الخلل الداخلي الذي خططت له إسرائيل وأحدثته في حياتنا واستخدمته أداة رئيسية في تدمير مشروعنا الوطني وهو الانقسام، يجب أن يزول، ويجب إنجاز المصالحة، والوحدة الوطنية لأنه بدون ذلك لا نكون مقنعين لأحد ولا حتى لأنفسنا.أعرف ان هناك من أصوات الشيطان من يقولون ان الاستيطان كان قائما قبل الانقسام، وأن الممارسات الإسرائيلية كانت قائمة قبل الانقسام، وهذا صحيح، ولكن وقوعنا في حفرة الانقسام معناه أن ثوابتنا الوطنية أصبحت في المرتبة الثانية والثالثة والرابعة، فكيف سنقنع العالم بأن يقف مع ثوابتنا المشروعة بينما نحن نطعنها بفعل الانقسام ?و في خياراتنا الجديدة: يجب الحرص بحيث لا نخسر علاقة مع أي شقيق أو صديق أو حليف هكذا بالمجان، لمجرد المزايدات الرخيصة، وعندما تقول كاثرين أشتون أنها لم تفقد الأمل، فيجب أن نشجعها على أن لا تفقد الأمل.و في هذا السياق، أريد أن أشير إلى أن المحادثات التي أجراها الرئيس أبو مازن مع قادة أوروبا في لندن وبرلين وموسكو وحتى مع كاترين اشتون، استغرقت فيها المصالحة الفلسطينية قدرا كبيرا من الاهتمام، وهذا يؤكد أن استعادة التوازن الفلسطيني، أي مغادرة الانقسام وانجاز المصالحة هو أول خياراتنا الجديدة، وأنه أول مداميك المواجهة التي سنخوضها مع الاحتلال الإسرائيلي في المرحلة القادمة.و حين نتحدث عن المصالحة، فيجب أخذ عامل الزمن وعامل الوقت بحسبان دقيق، لأن إسرائيل في الشهور القادمة، في سنة الانتخابات الأميركية، تريد انجاز كل شيء على صعيد الاستيطان ومنع قيام الدولة الفلسطينية موضوعيا، وتريد في نفس الوقت منعنا من تحقيق أي انجاز لا داخل البيت ولا خارجه، ومن هنا فإن حساب الوقت هو الأولوية الأولى، لكي ننتبه جدا، وحتى لا نحرق الوقت في مماحكات وثرثرات ومعاذير أقل ما يقال عنها أنها تافهة جدا، يجب أن يكون لنا فلسطينيا سقف زمني محدد لانجاز ما وعدنا شعبنا به وهو تحقيق المصالحة، وكل من لا يحترم قداسة هذا السقف الزمني، فإنه يضر ضررا كبيرا بأهليتنا للمواجهة القادمة.