من مجموعة صلاح خلف:
تعتبر عملية ميونخ من أهم وأكبر العمليات التي قامت منظمة أيلول الأسود بتنفيذها ضد الدولة العبرية ، بل هي الأهم من بين عمليات الثورة الفلسطينية على الإطلاق .. ،وبالرغم من ألإدعاءات التي حاول البعض ترويجها ونسب إنجازات تلك العملية لنفسه !!إلا أن التاريخ يشهد للشهيد أبو محمد العمري أنه صاحب فكرة العملية والمخطط الأول لها والمدرب الأوحد للشباب المنفذين لهذه العملية ال...بطولية الكبيرة ،والمسئول المباشر لهم .
وتبدأ فصول هذه العملية الجريئة حينما رفضت اللجنة الأوليمبية قبول طلب فلسطين بالانضمام والمشاركة في بطولة الألعاب الأوليمبية في ألمانيا ،ولما كان الشهيد أبو محمد العمري رياضيا قديما ومهتما بشؤون الرياضة فقد ساءه كثيرا ألا يرى علم بلاده يرفرف بين الأمم المشاركة بينما تشارك اسرائيل ،ويحرم أصحاب البلاد الأصليين من المشاركة !!لذلك أقترح الشهيد أبو محمدالعمرى على الشهيد القائد صلاح خلف استغلال هذا الحدث الرياضي الكبير والقيام بعملية كبيرة داخل القرية الاوليمبية يكون الهدف الاساسى لها لفت الانتباه لقضية الشعب الفلسطيني العادلة ، من خلال احتجاز أفراد البعثة الرياضية الإسرائيلية ، والمطالبة بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيينمن سجون الاحتلال الاسرائيلى !! في البداية لم يستحسن الشهيد أبو إياد الفكرة وقال له مازحا أنت مجنون !! فقال له أبو محمد ألم يكن تأسيس الثورة الفلسطينية جنونا !!في ظل ظروف لم تكن لصالحنا ومع ذلك نجحنا !!فطلب منه الشهيد أبو إياد إعداد تصور عام عن العملية ، والإمكانيات المتاحة لذلك . بدأ أبو محمد بوضع تصور بالغ الدقة والتنظيم حول العملية
قبل بدء دورة الألعاب بعدة أشهر حيث قام بجمع المعلومات اللازمة حول البعثة الإسرائيلية ،وكانت متوفرة في الصحافة الإسرائيلية ، والعالمية حيث أعلن عن خمسة عشر رياضيا إسرائيليا سوف يشاركون في الألعاب بالإضافة إلى الطاقم الفنية لذلك قدر أبو محمد العمري أعضاء البعثة بحوالي 35 شخصا،وبالتالي كان تقديره أن يتم تجهيز 12 مقاتلا" متمرسا على درجة عالية من التدريب بغرض تنفيذ هذه العملية ، أما الأسلحة فستكون عبارة عن رشاشات
أوتوماتيكية من نوع K47 مع أعداد وافرة من المخازن الإضافية والقنابل اليدوية وأسلحة بيضاء وأشرطة لاصقة للتعامل مع الأسرى اليهود بعد احتجازهم ،أما بخصوص جمع المعلومات عن القرية الاوليمبية فكان لابد من الاستعانة بأشخاص من جنسيات مختلفة وعلى الأخص الإيطاليين ،والفرنسيين ،والجماعات الأجنبية الأخرى المتعاونة أو المناصرة للثورة الفلسطينية لأن هؤلاء بطبيعة الحال لا يثيرون الشكوك أثناء تنقلاتهم فى القرية الاوليمبية بسبب ملامحهم الأوروبية. وبعد عرض التصور العام عن العملية على القائد أبو إياد وافق على الفور وأبلغه بالاستعداد لمرافقته إلى ايطاليا ، وبلغاريا لترتيب هذه العملية وبعض الأمور الاخري الخاصة
بالتحرك السياسي لفتح على الساحات الأوربية . بتاريخ 15/تموز/72 حملتهما الطائرة إلى روما وهناك تم الاتصال بفرق جمع المعلومات الأوروبية العاملة مع أيلول وتجميعهم في روما لتكليفهم بعملية جمع المعلومات عن القرية الاوليمبية في ميونخ ، وهناك أقترح أبو محمد على أبو إياد استدعاء صديقهما القديم ( أبو داوود )،وأحد أعضاء أيلول من بلغاريا وتكليفه هو
الأخر بجمع المعلومات عن القرية الاوليمبية خاصة وانه موجود في بلغاري بلا أي مهمة فلا بأس من أن تتقاطع معلوماته مع معلومات المصادر الأخرى ..فوافق أبو إياد وتم استدعاء أبو داوود إلى روما وفى اللقاء الذي تم بين الثلاثة أجل أبو أياد إطلاع أبو داوود على مهمته في ميونخ وأقتصر الأمر بأن أعطاه فخري العمري التعليمات بخصوص صفقة الأسلحة المنوي شرائها من البلغار وخاصة الرشاشات المزودة بكاتم صوت وقائمة أخرى من الأسلحة يعود
بها أبو داوود إلى بلغاريا لتسليمها إلى المسئولين البلغار على أن ينتظرهما هناك . بعد ذلك قام الشهيدان أبو إياد وأبو محمد بزيارة ( وائل زعيتر )-( استشهد فيما بعد على يد الموساد الاسرائيلى انتقاما" لعملية ميونخ ) وتم اللقاء بين المجموعات الأوروبية لجمع المعلومات في منزله وتم تكليف كل منهم بمهامه . بتاريخ 25/تموز/72 وصل أبو إياد وفخري العمري إلى
صوفيا واصطحبا أبو داوود لمقابلة المسئولين البلغار وأتموا صفقة الأسلحة وعادوا إلى الفندق وهناك أطلعا أبو داوود على مهمته التي تقتصر على جمع مايمكن من معلومات عن الإجراءات الأمنية في القرية الأوليمبية وأماكن تواجد البعثة الإسرائيلية ومداخل ومخارج القرية ونقاط المراقبة الأمنية ونقاط الضعف ... إلخ على أن يعود فخري العمري لملاقاته بعد نحو أسبوعين
في ميونخ . بتاريخ 7/8/72 وصل فخري العمري إلى ميونخ مصطحبا" معه (يوسف نزال – شي جيفارا ) ،وهو من تلاميذ الشهيد القائد أبو علي إياد ، وشارك معه في معارك جرش ، وعجلون في الأردن ثم انتقل إلي قاعدة عسكرية قرب النبطية في لبنان ، والتحق للعمل مع أبو إياد في شباط 72 ، ثم تم فرزه للعمل مع أبو محمد العمري فقد كان مقاتلا متمرسا وعلي دراية كبيرة بفنون الحرب و القتال المختلفة لهذا تم ترشيحه لقيادة مجموعة الفدائيين التي ستهاجم ميونخ وتحتجز الفريق الأولمبي الإسرائيلي ، فقد ارتأى أبو محمد إنه لابد من اصطحاب (شي ) معه ليعاين بنفسه مكان العملية والتشاور في كيفية الدخول إلي هناك وتنفيذ المهمة استقبلهما أبو داوود، وبعد الراحة والتعارف انتقل ثلاثتهم لمعاينة القرية بعد أن استمع أبو محمد لتقرير أبو داوود فوجدها غير كافية خاصة وأن الفريق الأوروبي أورد معلومات مهمة لابد من التأكد منها و مقاطعتها مع معلوماتنا الخاصة. عند المعاينة اكتشفوا أن السور الحديدي عاليا بدرجة
قد لا تسمح بتسلقه دون إحداث صوتا قد يلفت الأنظار إليهم !! كما أن عدد
الفدائيين كبيرا ، فكيف سيدخلون بأسلحتهم وعددهم هذا دون لفت النظر إليهم
!!
عادوا جميعا بعد ذلك إلي الفندق لمتابعة دراسة العملية علي أن يعودوا
ليلا علهم يجدون مخرجا !! توجهوا مساءا لمعاينة القرية من الخارج واللف
حول السياج الحديدي في محاولة منهم لإيجاد نقطة ضعف في السياج، ولكن بلا
جدوى !! إلي أن وجدوا الحل في أحد الفرق الرياضية ( الغير منضبطة ) تتسلق
السياج الحديدي بملابسهم الرياضية ويحمل بعضهم البعض علي مرآي من الحراس
الألمان !! بل الأكثر من ذلك إنهم كانوا يرجونهم على استحياء بضرورة
التقيد بمواعيد القرية وعدم التأخير مرة أخري !! لم يكن صعبا علي الثلاثة
استحياء فكرة الدخول إلي القرية من هؤلاء الرياضيين المنفلتين !،وسيستلزم
ذلك فقط شراء ملابس رياضية وشنت رياضية كبيرة لوضع الأسلحة فيها بدلا من
المعدات الرياضية ! أمضي ثلاثتهم بعد ذلك الأيام التالية في تحديد
الفنادق التي سينزل الفدائيين فيها ( اثنين- اثنين ) ، وكذلك المطاعم
والمقاهي التي سينتظرون فيها في الساعات التي ستسبق العملية . بتاريخ
12/8/72 غادر أبو محمد العمري، ورفيقه ( شي ) إلي ليبيا لموافاة بقية
الفدائيين في معسكر التدريب هناك ، والذين تم اختيارهم بعناية شديدة من
معسكرامت فتح في طرابلس ( شمال لبنان ) . أما أبو داوود فقد غادر إلي
لبنان لأن أبو إياد كان في حاجة إلي جواز سفره الأردني من أجل ( تزوير
التأشيرة الألمانية ) لمجموعة أيلول الفدائية ،و قد قام بذلك ( أبو الوليد العراقي) الذي مكن كافة مناضلي فتح والثورة الفلسطينية من الدخول
إلي دول العالم بجوازات وتأشيرات علي درجة عالية من الدقة والحرفية في
التزوير بتاريخ 17/8/72 عاد أبو داوود إلي ميونخ في انتظار الفدائيين القادمين
من ليبيا والأسلحة التي سيتولى أبو إياد بنفسه إدخالها إلي ألمانيا
بتاريخ 24/8/72 وصل أبو إياد إلي مطار فرانكفورت برفقة ثري فلسطيني ورجل
أعمال معروف بدعمه للثورة الفلسطينية هو علي أبو لبن وكذلك امرأة اسمها ( جولييت ) لعبت دور زوجة أبو إياد بينما كان أبو داوود في الخارج يراقبهم
من بعيد واستمر في مراقبتهم بعد الخروج من المطار ، ووصولهم إلي الفندق
للتأكد أنهم ليسو مراقبين ،وقد شاهد بعينيه أبو إياد يفتح الحقائب بعد أن
أصر رجال الجمارك علي ذلك ، وكيف أنه نثر أمامهم ملابس داخلية نسائية أدت
إلي أن أخجلهم جميعا ثم جاملهم ، وانصرف بثقة وهدوء إلي خارج المطار
باتجاه الفندق ، بينما لحق بهم أبو داوود بعد نحو ساعة بعد أن تأكد من
عدم وجود مراقبة. وفي الفندق استلم أبو داوود الأسلحة وهى عبارة عن ( ستة
كلا شينات + أثنين رشاش كارلوستاف وعدد كافي من المخازن ) أما بخصوص
القنابل اليدوية فإن( علي أبو لبن) سوف يحضرهما في الرحلة التالية بعد
يومين ، وبناءا علي ذلك فهم أبو داوود أن عدد الفدائيين هو (ثمانية )
وليس (عشرة )كما اتفق مع أبو محمد!
ولما استفسر عن السبب أخبره أبو إياد أن هناك مشكلة حدثت أثناء التدريب
في ليبيا حيث أصيب اثنان من المغاوير بكسور لن تمكنهما من المشاركة في
العملية بسبب البرنامج القاسي الذي وضعه أبو محمد في التدريب ، كما أنه
ليس هناك وقت لتجهيز غيرهما ، وطلب منه أبو إياد الإسراع في نقل الأسلحة
من فرنكفورت إلي ميونخ مع علي أبو لبن ووضعها في محطة القطارات المركزية
في خزائن الأمانات ...في انتظار وصول القنابل بعد يومين ،وبالفعل تم ذلك
حيث طار بعدها( أبو لبن ) وعاد بتاريخ 26/8 / 72 ( يوم افتتاح دورة ميونخ
للألعاب الأولمبية ) محملا بالقنابل ،وتم تخزينها في نفس المكان السابق
الإشارة إليه
بتاريخ 28/8/72 وصل (شي) المسئول العسكري ومعه ( محمد مصالحة ) المسئول
السياسي للعملية من حيث عرض المطالب علي الألمان والتفاوض معهم وهو شخص
مثقف جدا وتم اختياره بعناية وهو ينتمي إلى مدينه حيفا ويحمل شهادة عالية
في الجيولوجيا بالإضافة إلي إجادته للغة الألمانية وكان وضعه يؤهله
لقيادة الجانب السياسي من العملية شأنه في ذلك شأن رفيقه (شي ) ، حيث
استقبلهم أبو داوود واستطاعوا جميعا القيام بمعاينة أخيرة خاصة وأن
الفريق الأوربي استطاع تحديد مكان البعثة الإسرائيلية في المبني (31 )
وهو مؤلف من طابقين يحتويان علي (6 ) شقق يبيت في كل شقة اثنان من
الرياضيين الإسرائيليين ،وهي المعلومات التي زودهما بها أبو محمد العمري
قبل مغادرتهما إلي ميونخ ، وبالتقاطع مع المعلومات الاخري التي حصل عليها
أبو داوود بمساعدة امرأة فلسطينية تدعي ( سهام ) لم يتبقي إلا وصول بقية
الفدائيين الستة من ليبيا ،وفي مساء الخميس 31/8/72 اتصل أبو داوود مع
الشهيد عاطف بسيسو في بيروت حسب تعليمات أبو إياد وطلب منه أن يبلغ أبو
محمد العمري بأن كل شيء أصبح جاهزا ,وإنهم في انتظارهم
بتاريخ 3/9/72 وصل أبو محمد العمري والشباب الآخرين إلي ميونخ كل منهم
في رحلة مختلفة ، وتم إنزال كل ثلاثة منهم في فندق مختلف أما أبو محمد
فقد نزل في نفس فندق أبوداوود (أدن وولف ) ، وفي صباح 4/9 تم الاتصال
بمصالحة وشي لموافاتهما بالفندق ، ومن ثم إحضار الأسلحة من المحطة
المركزية إلي الفندق وقاموا بتجهيز الأسلحة في الحقائب بالإضافة إلي بعض
المعلبات الغذائية.
وقام أبو محمد بإعادة التفاصيل مرة أخري والتقيد بمهام كل منهما في
الجانب السياسي والعسكري وعدم تدخل أي منهما في صلاحيات الآخر كما شدد
علي تعليمات أبو إياد بالتمسك بالمطالب الواردة في البيان الذي سوف يعلن
بتوقيع ( منظمة أيلول الأسود الدولية) ،وفي حالة أي طارئ أو عرض غير وارد
في المخطط من جانب الألمان قام أبو محمد بإعطاء ( مصالحة) رقم هاتف عليه
أن يتصل به في حالة الضرورة القصوى، وعليه أن يقول( أنا من مينشن، وبدي
طلال!). وقام بتسليمهما الحقائب الخاصة بالفدائيين الآخرين كل في فندقه
علي أن يعودوا جميعا في التاسعة مساء في المطعم الخاص يبقي مفتوحا حتى
الصباح ) بمحطة القطارات المركزية ، بعد أن يدفعوا لإيجار الغرف ،ومحو أي
أثر يدل عليهم!، وفي الموعد المحدد حضر الفدائيين جميعا وهناك أطلع أبو
محمد العمري الفدائيين الستة بالعملية وأكد عليهم الالتزام بتعليمات
(شي)، كما أكد علي مصالحة تعليمات أبو إياد بخصوص المطالب الفلسطينية
بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين ، كذلك الظهور بأننا لسنا مجرمين، وإنما
طلاب حرية، عدم إراقة الدماء إلا في حالة الدفاع عن النفس ، وكذلك
المعاملة الطيبة للأسري طالما التزموا الهدوء. وقام بتوديعهم جميعا
للالتحاق بطائرته إلي تونس حيث يبقي هناك لاستقبال أي طارئ من مصالحة
وتحديدا إلي منزل صديقه السفير الأردني السابق ( فرحان الشبيلات) وهو ما
لم يكن يعرفه مصالحة ولا أبو داوود، حيث أن هذا الرجل كان له ابن يدعي (
طلال )، وكان يقيم في تونس بعد إقالته بسبب تعاطفه مع الثورة الفلسطينية ،
ولم يكن يعلم شيئا عن تدبير صديقه أبو محمد العمري لعملية ميونخ ،ولاعن
انتحاله لأسم أبنه (كأسم حركي له) أما الشباب فقد تركهم في عهدة أبو
داوود لإيصالهم إلي القرية ،ومن ثم مغادرة الأراضي الألمانية فورا
في تمام الساعة الثانية والنصف غادر الجميع المطعم بعد أن قام أبو داوود
بجمع جوازات السفر من الفدائيين، وأي شيء يدل علي الجهة التي أتوا منها
ثم صعدوا التاكسيات باتجاه النقطة المحددة عند السياج الحديدي والذي يبعد
خمسون مترا فقط عن مقر البعثة الإسرائيلية بعد تجاوزه! وتم إدخال الفريق
كما هو متفق بمعاونة فريق أمريكي كان عائدا هو الأخر متأخرا، وقاموا بنقل
الحقائب المليئة بالأسلحة دون علم منهم أنهم يساعدون الفدائيين في إيصال
مشروعهم إلي غايته
فاجأ الفدائيون البعثة أثناء نومهم وحاول أحد المصارعين اليهود عرقلة
الفدائيين وتخليص سلاح أحدهم، وهو موشيه واينبرگ. فما كان من المقاتلين
إلا أن أردوه قتيلا دفاعا عن النفس كما في التعليمات فلم يكن في مخططهم
أبدا قتل أحد، وإنما اخراج زملائهم الأسري من السجون الإسرائيلية حسب
البيان الذي سلموه للسلطات الألماني
وعند الظهر تقريبا قام مدير مكتب الجامعة العربية ( محمد الخطيب) بنقل
عرض ألماني إلي الفدائيين ينص علي مبادلة الرهائن الإسرائيليين بمتطوعين
ألمان يقتادهم الفدائيين إلي دولة عربية، وبعد شهرين أو ثلاثة أشهر تقوم
إسرائيل بإطلاق سراح خمسين أسيرا سرا بعد أن تتولي عدة دول عظمى ضمان
احترام الدولة الإسرائيلية لتعهداتها ،وقرر مصالحة وهو المناضل المنضبط
مشاورة أبو محمد العمري (طلال) علي رقم الهاتف في تونس، ولسوء حظ الجميع
لم يصل أبو محمد في موعده فقد احتجزته السلطات التونسية بدعوي عدم حصوله
علي تأشيرة مسبقة، وهو ما لم يكن معمولا به في دخول قيادة فتح إلي تونس
والي أن انتهت المشكلة ووصول أبو محمد إلي منزل صديقه (شبيلات) متأخرا
جدا كان مصالحة قد استنفذ محاولاته في الاتصال به خاصة بعد الالتباس الذي
وقع بين مصالحة وابن السفير الأردني (طلال) الذي يجهل تماما كامل الشيفرة
المتفق عليها كوسيلة تشاور
لم يكن أمام مصالحة إلا رفض العرض حيث توجه مصالحة عند الرابعة والنصف
إلي مفاوضيه الألمان ( وزير داخلية بافاريا - [ برونو مارك]، و شيربن
گينشر- مسئول أمني ) طالبا ثلاثة مروحيات لتلهم إلي مطار ( فورشتنفيلد
بروك - العسكري ) والمغادرة علي متن طائرة إلي القاهرة. وافق الألمان علي
العرض بعد مشاورة (تسفي زمير- رئيس الموساد ) ، في الخطة التي وضعوها
للقضاء علي الفدائيين وتحرير الرهائن في المطار ! ،وعند وصول الفدائيين
للمطار أطلق قناصة ألمان النار علي شي ومصالحة أثناء عودتهما من فحص
الطائرة التي ستقلهما إلي القاهرة حيث استشهدا علي الفور بينما بادر
الفدائيين الآخرين (الستة) حيث تواجد كل اثنين في مروحية مع ثلاث رهائن
وانتهت المعركة باستشهاد ثلاثة فدائيين ،ونجاة ثلاثة آخرين ، وقتل جميع
الرهائن علي الفور
يبقي القول أن النهاية المأساوية لهذه العملية لم تمنع من بلوغ الأهداف
إلي غايتها فقد اطلع الرأي العام العالمي علي المأساة الفلسطينية بفضل
الزخم الإعلامي للألعاب الأوليمبية كما فرض الشعب الفلسطيني حضوره علي
هذا التجمع الدولي الذي كان يسعى لاستبعاده
وصية ابطال عملية ميونخ
إلى إخوتنا رفاق الدرب الطويل، لم نكن نحب أن نكتب وصية لأننا نريد
الحياة، لا لأننا نحب الحياة... وخاصة حياتنا نحن الشعب شعب فلسطين...
الحياة القاسية المريرة. ولكن لأننا نحب أن تستمر حياتنا من أجل أن يستمر
نضالنا. والليلة 4 أيلول 72 الساعة العاشرة مساءً ولم يبق على تحركنا سوى
ساعات... طرح أحد الإخوة سؤالاً، لماذا لا نكتب كلمةً إلى رفاقنا، وإلى
أهلنا، وإلى أمتنا وإلى الرأي العام العالمي الذي لا يساوي عندنا
شيئاً... وبدأنا نتناقش ولكن لنكتب حصيلة هذا النقاش ويكون وصيتنا
الجماعية ولتكن أسلوباً جديداً فنحن نشترك في عملية واحدة وقد نموت دفعةً
واحدة، وقد تنجح عمليتنا وينتصر شعبنا كله، فلتكن الوصية جماعية رمزاً
للتعاون الخالد ورمزاً للجماعية في التفكير والتخطيط والتنفيذ. وسأل قائد
العملية نائبه المسؤول عن مفاوضة الألمان... كم لغة تجيد؟ فأجابه إن كنت
تعني اللغة التي يعرفها أعاؤنا فهي لغتنا التي آمنا بها لغة القوة
والتحدي والإصرار على الهدف، لغة السلام الحقيقي الذي لا يتجرزأ في
فلسطين ـ في فيتنام ـ في كمبوديا ـ في لاوس وفي أميركا اللاتينية،
وأفريقيا وفي كل يقعة من الأرض عليها مضطهدون يقاتلون من أجل الحرية
والعدالة.
وسأل أحدنا ماذا تتوقعون رد الفعل على عمليتنا. أجاب آخر يتوقف ذلك على
تصرفنا وثباتنا ونجتحنا في إبراز صوتنا الإنساني، فنحن لسنا قتلة ولا
قطاع طرق. نحن مضطهدون لا نملك أرضاً ولا نملك وطناً، ليس لنا هوية ولا
جواز سفر، ليس لنا ما نخاف عليه. وليس لدينا ما نخاف منه، لقد صمتنا
كلاجئين أكثر من ثمانية عشر عاماً، ونحن نتسول الرحمة والشفقة والعطف. كل
ما أعطونا إياه إغاثة المستضعفين وإغاثة الشتاء والصيف. أما الأرض وأما
الوطن فهي لعدونا يمرح ويسرح إلى أن حملنا البندقية وشعرنا بإنسانيتنا
فتآمروا علينا. ماذا تتوقع من هؤلاء الأعداء، سيكون رد فعلهم عنيفاً
ضدنا، سيقولون إرهابيون فاشيون قتلة مجرمون إلى آخر هذه الصفات التي لا
ستحقها غيرهم.
وسأل أحدنا: وهل تستجيب دولة الإحتلال الصهيوني إلى مطالبنا، فرد آخر لا
أدري، ولكننا سنجبرها هذه المرة على أن تعرف أننا جادون، وأننا سننفذ
خطتنا كاملة. وإن أكبر ضمان لنجاح خطتنا أننا بعنا حياتنا منذ اللحظة
التي دخلنا بها صفوف الثورة، ومن باع حياته من أجل هدفه، لا بد أن ينجح
ولا بد أن ينتصر.
وقال أحدنا: وعلاقتنا بألمانيا كعرب، ماذا سيكون مصيرها؟ فضحك قائد
العملية وهو يقول: إن ألمانيا تمد الكيان الصهيوني بشرايين الحياة فهي
تدفع ثمن أخطائها على حساب أخطاء أخرى في حق شعبنا، هل أعدد لكم الأموال
التي دفعتها ألمانيا لعدونا فيطول الحساب؟ ومع ذلك نحن لسنا ضد الشعب
الألماني الذي نعرف تطلعه إلى وحدته وتطلعه إلى التخلص من الاستعمار
والامبريالية المتحكمة في بلادنا. ونحن لسنا ضد أي شعب في العالم ولكننا
في نفس الوقت نسأل وذلك من حقنا... لماذا يحتل الوفد الصهيوني مكاناص في
هذه الدورة؟ لماذا يرفع علم الاحتلال القائم على الإرهاب والتعسف جنباً
إلى جنب مع كل اعلام دول العالم وعلمنا غائب عن الدورة؟ والعالم كله يلهو
ويتفرج ونحن نعاني ونعاني ونقاتل على أكثر من جبهة، ولا من أذن تصغي
لشكوانا وأنين شعبنا، ويا ليت الأمر يتعلق بعدونا وأنصار عدونا لكن
الضربة التي تأتي ممن يدعي العروبة والوطنية والحرص على الشعب والوطن. هي
التي تؤذي وتؤلم.
هل نسيتم يا شباب أننا نعمل تحت اسم "أيلول الأسود"؟ هل نسيتم أيلول
حسين؟ ولكن الدرب طويل وشاق ـ ولا بد أن ننتقم ولا بد أن تصل الراية من
جيل إلى جيل حتى تتحرر الأرض ويتطهر الوطن من العملاء والمأجورين.. وهنا
دخل أحد الإخوة واقترح أن نكتب وصية بنقاط محددة بعد تسجيل هذا النقاش
وإرساله بالطرق السرية الليلة 4 أيلول الساعة الةاحدة ليلاً إلى قيادتنا
السرية. وكان أن سجل أحد الإخوة هذه النقاط التي وقعنا عليها جميعاً.
نحن ثوار عملية "كفر برعم واقرت" في ميونيخ نعاهد شعبنا أن لا نتخاذل أو
نتهاون في تأدية المهمة التي كلفنا بها وإن لأرواحنا ستكون رخيصة في سبيل
حرية أسرانا في سجون الاحتلال ونحن لا نقصد من وراء عملنا قتل أبرياء
ونحن نقاتل من أجل العدالة ونكافح ضد الظلم ولكننا من أجل المضطهدين
سنفعل كل شيء.
1. نحن لا نبتغي من عملنا الثوري تدمير العالم ولا تعكير السلام، بقدر ما
نقصد أن يفهم العالم ويتفهم حقيقة الدور البشع الذي يمثله الاحتلال
الصهيوني على بلادنا وحقيقة المأساة التي يعيشها شعبنا.
2. إننا نناشد كل أحرار العالم وشرفائه أن يتفهموا أسلوبنا الثوري الذي
نرمي من ورائه ضرب كل المصالح الاستعمارية والامبريالية في العالم والذي
يرمي إلى فضح العلاقات الامبريالية الصهيونية علناً، وحتى تعرف أمتنا
العربية والجماهير الثورية في العالم من هي إسرائيل ومن هم ناصروها.
3. نحن جزء لا يتجزأ من حركة الثورة الفلسطينية المسلحة، التي هي جزء من
حركة التحرر العربي، وبالتالي فإننا نوصي إلا تلقى البنادق الفلسطينية
مهما كان التآمر ومهما كان التعسف ومهما كانت صعوبة الطريق. كما نوصي
الأمة العربية أن تحرك بنادقها ويتحرك رجالها، فليس بغير القتال والقتال
وحده، وليس بغير الموت والموت وحده، وليس بغير الدماء والدماء وحدها،
يتحرر الوطن وتتحرر الأرض.
4. إن العالم لا يحترم إلا الأقوياء ونحن لن نكون أقوياء بالكلام
والإعلان والإعلام، ولن نكون أقوياء إلا حين نضع الموت موضع الحياة ونجعل
شرف الالتزام يرتقي إلى شرف الممارسة وبالتالي نعطي لشعاراتنا مضموناً
نضالياً عملياً يجعل أعداءنا يشكون في مقدرتهم على مواجهتنا ونجعلهم
نهاية الأمر يؤمنون أن لا مناص لهم إلا التسليم بمطالبنا العادلة.
5. نحن نعتذر لشباب العالم الرياضي الذي اشترك في الدورة الأولمبية إن
كنا قد أسأنا إلى مشاعره بعمليتنا، ولكن
