إن سقطت كوفية أبو عمار .. سقطت الكرامة العربية

عند الحديث عن حياة عرفات لا يمكن إغفاله..وعند إحياء ذكرى الرئيس الشهيد لابد أن يكون أول الحاضرين..صديق عرفات الصدوق الذي كان حاضرا دوما عندما غاب الاخرون..و كان الوفي حينما أخلف الجميع..رفيق درب عرفات الذي وقف في قلب الكنيست الاسرائيلي وقالها بملء الفم "أنتم جميعا لا تساوون حذاء عرفات! سمعتم ؟ لا تساوون حذاءه..!"..
د.أحمد الطيبي في حوار من القلب تحدث عن الرئيس الراحل ابوعمار كأنما لم يتحدث عنه من قبل..


- ماذا يقول الدكتور أحمد الطيبي في الذكرى السابعة لاستشهاد الرئيس أبوعمار؟

تمر الذكرى السابعة وطيف ابو عمار لا يفارقنا.. انها ذكرى رحيل الرمز الذي لا يرحل..بإرثه الوطني والنضالي..برمزيته وعظمته، ببساطته وتواضعه بهذا التدفق الكبير لكاريزما نادرة الوجود..انه القائد الذي اشعل بشعبه نار مؤججة تاريخا ونضالا.
ان ابو عمار رواية وحكاية..رواية الشعب الفلسطيني وحكايته التى ما انفكت تعيش في قلوب كل الشرفاء والاحرار في العالم..في كل واحد منا شيئ من ياسر عرفات وعرفات فيه من فلسطين كل فلسطين.

- ماذا تتذكر الآن من رحلتك الطويلة مع الرئيس الراحل أبوعمار؟

اذكر الشاردة والقصة، اذكر الحدوته والنضال واذكر السراء والضراء..واذكر العزة والشموخ والابوية للجميع..اذكر اللقاء الاول في تونس عام 1984 ..كان اللقاء كالعادة في ساعات الليل المتأخرة، لقد تعودت وانا شاب في مقتبل العمر ان اقرأ واتابع ياسر عرفات الاسطورة بهالته ورمزيته فاذا بي امام هذا الزعيم الرمز لوحدنا..يستقبلني بحرارة ثم ينحني ليلتقط ساندويشا مغطى بالنايلون من تحت كنبة قديمة يجلس عليها ويقسمها نصفين مقدما نصفها لي قائلا: " اسمح لي يا احمد فلم اتعشى حتى الان!"..هذا التواضع وهذه البساطة في اللقاء الاول تأسرك وتزيد من عظمة الرمز..ثم تطورت العلاقة لتصبح قريبة ودافئة وكان دائما يشعرني انه الاب الحنون .نعم كنت قريبا منه وكان قريبا مني وشعرت دوما بالفخر انه شرفني بذلك..الحقيقة انه كان يشعر الجميع بانهم ابناؤه ..لقد شرفني بانه اختارني لاكون مستشاره الخاص وكنت سعيدا انه اختارني ناطقا بإسم الوفد الفلسطيني في قمة واي ريفر في الولايات المتحدة .انها ثقة غالية لن انساها.

- من أصعب المحطات التي عايشها الرئيس الراحل الحصار في المقاطعة..كيف عايشت هذه المرحلة؟

كانت هذه اصعب المحطات واقساها في مسيرة ياسر عرفات فقد تكالبت عليه قوى عظمى ووضعت اسرائيل كل طاقاتها لانهاء اسطورة عرفات كما كان يتبجح ارئيل شارون. لا يوجد زعيم حوصر وعاش مثل هذا الحصار كما كان الحال مع عرفات..كان حصارا بشعا ولا انسانيا.صمد فيه عرفات ورفاقه الذين بقوا معه امام الضغط والتهديد والقصف والتجويع والترهيب.ولكنه لم يكن حصارا اسرائيليا فحسب بل كان حصارا عربيا ايضا! هل تعلم ان خلال حصار عرفات قاطعه العرب ايضا ولم يتصل به "زملاؤه" الزعماء ؟ لقد كان هذا مؤلما وكلما ذكر ذلك كنا نرى الالم والحسرة في عيون ابو عمار دون أن يتكلم..ويحضرني ما حدث خلال القمة العربية التي جرت في بيروت عام 2002-3-28 خلال الحصار وباءت كل المحاولات للسماح لابو عمار بالخروج من المقاطعة ومغادرة رام الله للمشاركة في هذه القمة بالفشل.فكان التفاهم على ان يلقي عرفات كلمته من داخل المقاطعه عبر فضائية الجزيرة الى الزعماء المجتمعين خلال الجلسة الاولى الافتتاحية.واعتبرنا ذلك نوعا من التضامن والتعاطف منهم مع ابو عمار المحاصر ومع الشعب الفلسطيني..كنت انذاك الى جانبه في المقاطعة وكان هو جاهزا لالقاء الكلمة وبعد ان انهى الرئيس اللبناني اميل لحود كلمته لرئيس القمة توقعنا ان ينقل الكلمة لابو عمار في رام الله فنقلها الى زعيم اخر ثم الى زعيم بعده والى اخر وقفز عن ابو عمار واعلن نهاية الجلسة دون اعطاء الكلمة لابو عمار فانسحب الوفد الفلسطيني من القاعة..وكنت انظر مليا الى تعابير وجه ابو عمار الذي كان غاضبا وشعر بالغدر ونبس بتعبير قاس ضد بعض هؤلاء الزعماء الذين كان واضحا انهم قرروا منعه من مخاطبة القمة فقلنا له فورا : يا ابو عمار القي كلمتك ببث حي بالجزيرة من فوق رؤوس هؤلاء ولا تأبه لهم! فامسك بكوفيته وزبطها كعادته وقال : خلينا نبدأ..! وهكذا وصلت كلمته الى العالم رغما عن اولئك الذين تواطئوا ضده من الزعماء العرب وبئس هكذا سلوك..وكان خطابه رائعا ومميزا..

اذكر انه وعندما حاولنا دخول المقاطعة بعد رفع الحصار جزئيا انني وعزام الاحمد الذي كان انذاك وزيرا للاشغال العامة كنا اول من وصل واستعمل عزام الجرافات لازالة الساتر الترابية حول المقاطعة ووصلنا لنعانقه فإذ به يحاول هو ان يرفع من معنوياتنا وليس العكس مرددا : " يا جبل ما يهزك ريح..!" فأمسكت بكوفيته وقلت له : يا ابا عمار هذه الكوفية هي رمز كرامة العرب وان سقطت ستسقط كرامة العرب!"..فانفرجت اساريره وقال: "الحياة يا احمد وقفة عز.. الحياة وقفة عز..!"..

من المعروف أن الدكتور أحمد الطيبي أقنع الرئيس الراحل أبوعمار بالخروج للشمس بعد حصار طويل في المقاطعة..اروي لنا ما حصل؟

في احد الايام المشمسة وصلت المقاطعة فإذا بأحد الاخوة المرافقين يهمس باذني :" الدنيا مشمسة يا ريت تقنعه ينزل يشمس نفسه لانه لم يخرج منذ فترة طويلة"..وهكذا فعلت فعلا ونزلنا برفقته لساحة المقاطعة عند مدخل القاعة السفلى وجلس يتشمس وقد رفع بنطاله قليلا وعرض رجليه للشمس وهو مرتاح كالطفل الصغير ..لقد كان مشهدا انسانيا معبرا عن الحصار اللانساني الذي تعرض له..

- بعد مضي 7 أعوام على رحيل أبوعمار.. برأيك لماذا التسويف المستمر في الإعلان عن نتائج التحقيق حول استشهاد الرئيس أبوعمار رغم أن الرأي العام الفلسطيني والعربي وحتى الدولي مقتنع بأن اسرائيل هي من قامت بتسميم أبوعمار؟

هناك اسئلة كثيرة ما زالت بلا اجابة وانا طبيب اعتمد الفحوصات ونتائجها والتحاليل. التدهور في حالة ابو عمار كان سريعا وهبوط عدد كريات التخثر كان السبب في النزيف الحاد الذي ادى الى الوفاة.. ولكن ما سبب الهبوط بهذه الكريات هو السؤال الذي لم تتضح الاجابه عليه في المستشفى الفرنسي وفي تقرير الوفاة..لا اعتقد ان هناك تسويفا بل عدم معرفة دقيقة وعلمية لما جرى.


- ماذا تذكر من مواقف مؤثرة بينك وبين الرئيس الراحل خصوصا أنه من المعروف أنك كنت أقرب الأصدقاء للرئيس؟


ابو عمار كله حكايات واحداث تلتصق بالذهن والقلب والعقل..بالإضافة لـ"حادثة الساندويش" الذي ذكرت لك إياها في اول لقاء بيني وبين الرئيس ابوعمار، اذكر ايضا انني كنت معه في اول ايام العيد في المنتدى في غزة وبدأ يقص علينا قصة امرأة فلسطينية من غزة اضطرت نظرا للحصار والعوزة ان تبحث عن طعام في النفايات وبدأ يبكي قائلا: "ما هذا ؟! ما هذه القسوة واللانسانية؟ قلبي يتقطع لهذه المرأة.. يريدون اذلاننا ولن نركع!".. بالنسبة لي كان ذلك مشهدا بالغ التأثير ..لن انساه..

و اذكر عندما رافقته الى جنوب افريقيا وطلبت منه ان اضم للرحلة صديقا لي هو "ركن اسدي" من دير الاسد الذي يتمتع بصوت غنائي جبلي مميز.. وخلال الرحلة طلبت من ركن ان ينشد موالا وطنيا وهكذا فعل..وكان صوته اعلى من صوت الطائرة ..وكنت اجلس بجوار ابو عمار بالمقدمة فنظر الي مبتسما ومتسائلا:"مين دة؟" فقلت له : تعال معي.. وفعلا انتقل ابو عمار الى جوار ركن في الخلف وطلب منه ان يكرر اغانيه الوطنية وسط سعادة كبيرة من ابو عمار الذي قال لجمال الصوراني:" يا ابو عمر ده ركن كان يغني ياسر عرفات في الجامعة رغما عنهم..!" وبقي جالسا هناك لساعات ثم افترش مقعدين وغطاه الشباب ونام حتى وصلنا..

و لا يمكنني ان انسى تلك اللحظات الحرجة عندما رافقت ابو عمار لواشنطن في 1993 واذا بالاخ حكم بلعاوي يوقظني الساعة الخامسة والنصف صباحا قائلا:" ابو عمار بيستناك .اذهب فورا"!

فذهبت واذا بابو عمار يقول لي: ان الاسرائيليين يرفضون وضع اسم منظمة التحرير الفلسطينية في الاتفاق من اجل التوقيع وانا لن اشارك في الحفل في البيت الابيض بلا منظمة التحرير في الاتفاق وارجو ان تتصل بشمعون بيرس وتبلغه ذلك..اتصلت بالسفير الاسرائيلي انذاك في واشنطن ايتمار رابينوفتش وابلغته بذلك فقال لي انه سوف يبلغ وزير الخارجية بيرس بذلك فور هبوطه.. وفعلا اتصل بي بيرس ليسألني عن فحوى الموضوع طالبا الاجتماع فذهبت للاجتماع وابلغته بان ابو عمار لن يشارك في حفل التوقيع ولن يصل الى البيت الابيض بسبب تغييب م.ت.ف عن الاتفاق والاكتفاء باصطلاح "الوفد الاردني الفلسطيني" ..

فبدأ بيرس كعادته تقديم النصائح والعظات قائلا: انتم الفلسطينيون سوف تضيعوا الفرصة مرة اخرى! فقلت له: لقد تم اعتراف متبادل فلماذا هذا الرفض منكم؟ المشكلة عندكم!..وانصحكم عدم امتحان ابو عمار فهو جدي للغاية! فقال لي بيرس : سافحص الموضوع مع رئيس الوزراء رابين..ثم عقدنا جلسة اخرى مع بيرس وطاقمه فحاول التسويف قائلا: انت تعرف أن الكنيست صوتت على هذا النص ولا يمكن تغييره.. فاجبته فورا:" هل نسيت من انا؟؟ انتم لم تصوتوا عليه والتصويت بعد اسبوعين من اليوم وانا اتابع كل شيئ!" فقال لي مبتسما :" الان عرفت لماذا اختارك مستشارا..!" وابلغني في اجتماع ثالث الموافقة على اصطلاح "فريق منظمة التحرير الفلسطينية" فاتصلت بابو عمار وكان ذلك 45 دقيقه قبل افتتاح الحفل في البيت الابيض فارتاح ابو عمار وتحرك فورا الى البيت الابيض..وكان كل ذلك وسط قلق ودهشة البيت الابيض من ابو عمار..

هذا هو ابو عمار رجل الازمات الذي يعيش فيها وخلالها كما يعيش السمك في الماء..يتألق في الازمات وتنفرج اساريره فيها..

انه ياسر عرفات .. الريح التي حركت الجبل..انه الختيار الشاب ابدا.. اب الامة..الذي لم يبحث في حياته عن قصر له في فلسطين ولكنه الان ينتظر قبرا له في القدس..درة التاج وهكذا حتما سيكون..