تبدأ الحكاية كما يقول اياد في مارس 1988 عندما قام وزميل له بمهاجمة موقع عسكري في منطقة "كرم ابو سالم" جنوب قطاع غزة واصيب الاثنان حينها بجراح ونقلا الى مراكز التحقيق في داخل سجون الاحتلال.
بعد فترة قصيرة يصدر الحكم على الفتى بالسجن 30 عاما دون مراعاة لطفولته لتبدا مرحلة القتل والموت البطئ لاحلام عابرة قد تكون مرت في مخيلته عندما قرر العبور من مخيم "كندا" على الجانب المصري من رفح الى فلسطين في ذلك اليوم المشهود.
لا يرغب "اياد" في تمييز نفسه باحاديث عن معاناة الاسر وقسوة السجان ولكنه يستذكر زملاء القبور "العزل" حسن سلامة ويحيي السنوار وغيرهم من الذين يعتبرهم انهم عاشوا في ما اسماه "قبر داخل قبر".
السنوات الثلاث الاخيرة من سجنه "كانت الاكثر دموية وقسوة في حياته" كما يصفها ..انها المرة الاولى التي يرى بها وجوها غير وجوه ساجنيه وقاتليه خلال السنوات الثلاث الاخيرة والتي يؤكد زملاء لها انها كانت خمس سنوات "قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما او بعض يوم" .ولكنها حكاية الفلسطيني عندما " ينتفي الزمان والمكان لا يمكنك الا ان تعيش في احساس الزمن وقد يكون وهميا وقد يكون حقيقيا".
"اياد" كما يصفه احد مسؤولي السجون الاسرائيلية كان عنيدا ولديه استعداد كبير للانتقام من اي سجان اسرائيلي وقد نفذ تهديده بمهاجمة احدهم واصابته اصابات متوسطة ما استدعى محكمة الاحتلال لان تضيف له سبع سنوات جديدة ليصبح الحكم الجديد 37 عاما.
من تلك اللحظة الدامية بدات رحلة الانتقام الكبرى لمصلحة السجون الاسرائيلية ضد من قام بكسر انف احد ضباط وحدة "نخشون" سيئة الصيت والسمعة. يتفننون في تقييده بالسلاسل في اوضاع مختلفة ..عقوبات لا تنتهي والام متواصلة وقهر غير مسبوق وضرب واعتداءات شبه يومية وبالذات على راسه .حاول "اياد" الالتحاق بالجامعة العبرية خلال فترة سجنه كبقية زملائه وانهى احد "الكورسات" الا ان ادارة السجن قررت منعه من ذلك ايضا.
في الثلاث سنوات الاخيرة او الخمس كما يؤكد "اصحاب السجن " كان "اياد" يكتب فصولها بدمه وقهره ولكنه يرفض الحديث عنها مجددا املا ان يضعها الله في ميزان حسناته ومستذكرا من كانوا معه من صناع المجد الفلسطيني القادم.
التفاصيل اليومية للمعاناة تحتاج الى اكثر من كتاب ورواية للحزن المتفجر من عيونه ونظراته الحادة ولكن يوميات التحرير الاخيرة تحتاج فعلا الى التنويه لها .
يقول "اياد" انه لم يعرف بصفقة الاسرى بسبب العقوبات التي فرضتها عليه ادارة السجون وسحب الراديو ووسائل الاتصال والملابس والاغراض الشخصية منه الا قبل عدة ايام عندما سمع طفلة تتحدث في احدى وسائل الاعلام عن قريب لها من عائلة "ابو حسنه" سيتم اطلاق سراحه قريبا ضمن صفقة الاسرى.
ويضيف اياد "قبل يومين" اخذوني مقيدا حافيا بملابس رثة من العزل ووضعوني في زنزانة اخرى لا استيطيع ان احدد مكانها وبدات الحرب النفسية مجددا "لم اكن اعرف اي شئ ولماذ اتوا بي الى هذه الزنزانة؟"بدأوا يمارسون ضغوطا هائلة ..يتحدثن تارة عن الافراج عني وكيف اشعر وتارة يخبرونني بان هناك حكم جديد سيضاف الى فترة سجني".
ويقول "في الثلاثة ايام لاخيرة منعوني تماما من الخروج الى الحمام" فيما كان العقاب الغير معقول والمذهل هو عدم حلاقة شعره لمدة 3 سنوات متواصلة.
"اياد" ابن الـ 38 عاما الان طليق بجسده اليوم ولكن عقله وروحه لا زالت متعلقة برفاق القبور "العزل" الذين ما فتأ يستذكرهم في كل لحظة فهم حاضرون في المكان والزمان تماما.
