ليس من باب التقليل من أهمية الانجاز، ولا من شأن أي طرف عمل على مدار نحو خمسة أعوام لانجاز صفقة شاليط بين حركة حماس وحكومة إسرائيل (الثلاثاء الماضي). هي محاولة لقراءة المشهد السائد في منطقة الشرق الأوسط، بتداخلاته وتعقيداته، التي غالبا لا تخضع لأي منطق، ولا يصلح معها أي أداة قياس، حيث تلتقي مصالح الأعداء وتتنافر مصالح الأصدقاء، حتى وإن تباينت الدوافع واختلفت الخنادق.
لا شك أن لكل من إسرائيل وحماس أسبابها التي دفعتها - مرغمة على الأغلب - الى الموافقة على الصفقة. فالقراءة الأولية تفصح عن أن الجانبين قدما تنازلات مؤلمة، بعدما كانت المسألة حتى الأمس القريب في عداد المستحيل بالنسبة للطرفين. فالصفقة تخلو من أسماء هي في الحقيقة رموز للنضال الفلسطيني، من وزن مروان البرغوثي وأحمد سعدات، وكبار قادة الذراع العسكرية لحماس «عز الدين القسام» من طراز عبد الله البرغوثي وحسن سلامة وإبراهيم حامد وإبراهيم أبو النجا، الذين صنعوا مجد الحركة الإسلامية، ورفعوها الى حيث هي الآن ، بالإضافة الى موافقتها على إبعاد العشرات من أسرى الضفة الغربية الى غزة والى دول خارج الأراضي الفلسطينية. كانت حركة حماس التي كانت تريد أن تنجز صفقة تميزها عما سبقها من صفقات أنجزتها فصائل فلسطينية في مراحل مختلفة من تاريخ الصراع، كانت تعتبر مثل هذا التنازل بمنزلة تحطيم لجميع الآمال بجني المكاسب التي بنتها على انجاز هذه الصفقة. كما أن موافقة إسرائيل على الإفراج عن بعض من تصفهم بأن «أياديهم ملطخة بالدم» والموافقة على شمول الصفقة أسماء أسرى من فلسطينيي الـ «48» والقدس، وسوريي الجولان المحتل يعتبر تنازلاً لا يقل أهمية بدلالاته وحساسياته بالنسبة لحكومة نتانياهو وللرأي العام الإسرائيلي عموماً.
أسباب حماس
في طليعة الأسباب التي أنضجت الصفقة أن حماس، ومنذ سيطرتها على القطاع، تعمل على تثبيت سلطتها لمواصلة ما كانت تسميه «مقاومة» التي استحالت توليها زمام سلطة غزة كما ردد قادتها مراراً الى أعمال تضر بـ «المصلحة الوطنية» وبعضهم نعت مطلقي الصواريخ من الفصائل الأخرى بالخونة والجواسيس فيما تكفلت أجهزة امن حكومتها بمطاردة هؤلاء واعتقالهم.
مع هذه السياسة/ الخيار الذي اختطفته حماس لنفسها أصبحت تعاني مما يشبه البطالة السياسية، فالتدقيق في مواقفها بعد أن اختفت من ثناياها الجمل الطنانة الرنانة عن المقاومة، صارت استعارة ونسخة مكررة عن مواقف خصمها اللدود حركة فتح، ولعل عودة ولو سريعة الى بيانات حركة حماس وحكومتها في تعقيبها على إطلاق الصواريخ مثلاً ناهيك عن قبول الدولة الفلسطينية بحدود عام 67 يجعل المرء يتساءل: كم مرة على قيادات الشعب الفلسطيني أن يكتشفوا العجلة ؟
وليس بخافٍ على أحد، أن حماس ظهرت في الآونة الأخيرة في موقع ليس لديها ما تقوله، ناهيك عما تفعله، سوى تشديد قبضتها على القطاع المنكوب، وابتداع القوانين المثيرة للاستغراب، ولا تنتمي لعالم القرن 21، وكان آخرها ضرورة حصول الأجانب خصوصاً العاملين في منظمات الإغاثة والصحافيين على إذن دخول وموافقة مسبقة. وقد ضاعف من عزلتها هذه موقفها المخالف للرغبة الشعبية العارمة التي واكبت ودعمت مواقف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في أخذه بما يسمى بـ «خيار الأمم المتحدة» وطلبه من مجلس الأمن الدولي العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة.
مع خطاب الرئيس عباس وما حمله من تداعيات إيجابية على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، وقعت حماس في هاوية العزلة وبدت بموقفها المناوئ للرئيس الفلسطيني وخطابه وخياره تغرد خارج السرب الفلسطيني، وأغلب الظن أن قيادة حماس التي كانت تفرك يديها وهي تشاهد ممثلي العالم يصفقون واقفين لعباس في الجمعية العامة، وساحات مدن الضفة الغربية ملأت بصوره وهتفت باسمه استشعرت المخاطر التي تداهمها، وباتت بأمس الحاجة الى أي مكسب أو نصر يعيد التوازن بينها من جهة وبين فتح وعباس من جهة أخرى، بل يعيدها الى صدارة المشهد الفلسطيني بعد أن تراجعت لتحتل خلفيته.
الفضل لعباس
عند هذا الحد يصير الاستنتاج واجباً أن صفقة شاليط ما كان لها أن تبصر النور وتصبح ممكنة من دون خيار عباس وخطابه، أي أن للرئيس الفلسطيني يعود بعض الفضل إن لم يكن جله لانجاز صفقة شاليط.
وإذا أضيف الى ما سبق انتفاضة سوريا وتصدع نظام بشار الأسد، حيث تقيم قيادة حماس، والتباس مصير العلاقة التي ربطت بين النظام والحركة في إطار ما كان يسمى بحلف «المقاومة والممانعة» بالإضافة الى تقنين تدفق الأموال الإيرانية على الحركة بسبب ما يقال ويشاع عن عدم رضا طهران من تلكؤ موقف حماس في دعم النظام السوري من جهة، ووقف المقاومة من جهة أخرى، ما يجيز القول دون حذر أو مبالغة أن عالم حماس القديم الذي استقرت عليه علاقاتها وتحالفاتها الإقليمية خلال السنوات القليلة الماضية آخذ بالتفكك والانهيار، مقابل وقوفها في منطقة رمادية في حالة انتظار عما ستسفر عنه الانتخابات الرئاسية والتشريعية المصرية وبخاصة ما ستحصل عليه جماعة الإخوان المسلمين هناك.
إهداء الى المجلس العسكري
الى ما سلف، فإن مخاوف حماس أن تجد نفسها في المرحلة الانتقالية بلا سند، خاصة إذا ما تداعى نظام الأسد ولم يتضح الوضع المصري قريباً، دفعتها لإهداء ورقة صفقة شاليط الى المجلس العسكري. ذاك أن جميع المعطيات تشير الى أن رئيس المخابرات المصرية اللواء مراد موافي ورث سلفه اللواء عمر سليمان في هذا الملف ولعب دوراً متميزاً في الوساطة بين مفاوضي حماس وإسرائيل ونجح حيث فشل سلفه في انتزاع التنازلات من الطرفين لانجاز الصفقة. لكن هذه الهدية ليست مجانية، فمقابلها - على ما قالت مصادر متعددة ومتطابقة - طلب لحوح وعاجل تقدمت به الحركة لنقل مقر قيادتها من دمشق الى القاهرة.
حسابات إسرائيل
بالطبع لإسرائيل أيضا حساباتها ومنطلقاتها التي أدت الى انجاز الصفقة. وبحسب كبار الكتاب والمحللين الإسرائيليين فان ثمة سببين أساسيين يقفان خلف ما أبداه نتانياهو من مرونة: الأول، إتمام الصفقة لتسهيل المواجهة مع القضية الكبرى وهي الخطر الإيراني والمواجهة العسكرية الأكيدة في قضية ملفها النووي.
الثاني، التقاء هوى إسرائيل مع هوى حماس للمرة الثانية خلال أقل من شهر. وكان الطرفان اجتمعا على رفض خيار الذهاب الى الأمم المتحدة، وقررا جعل عباس يدفع ثمن ذهابه الى نيويورك. وعليه فقد أرادت إسرائيل أن توجه لعباس صفعة قوية، ومعاقبته بتقوية خصمه السياسي: حماس.