تحسب إسرائيل أنها وجدت في تصعيدها الوحشي المتفاقم في هذه الأيام، لوسائل وأدوات قمعها المنهجي لأسرانا الصامدين داخل زنازين سجونها وأقبية معتقلاتها المعتمة، إلى جانب المزيد المتواصل من تصعيدها الاستيطاني، فرصتها العدوانية في تشويش إستراتيجية حراكنا الشعبي السلمي ضد الاحتلال والاستيطان بمختلف أشكاله، وفي إرباك بوصلة دبلوماسيتنا الساعية إلى تحقيق الاعتراف الدولي بالعضوية الكاملة لدولتنا في الأمم المتحدة. ودفعنا بالتالي، وفق خطتها العسكرية التقليدية، إلى العنف وإلى المقاومة المسلحة التي توفر لها المساحات الأوسع في الضرب والقتل والتدمير.
وعلى الرغم من أن قضية الاستيطان تأتي على رأس جميع القضايا التي تشكل عناصر صراعنا مع إسرائيل، طالما أن الأرض هي المحور الأساس لهذا الصراع، وأنها على ذلك، معنى وجودنا كله، فإن قضية الأسرى تتربع في المقابل، في العمق الدافئ والحميم من وجدان كل مواطن، بما يلهب المشاعر من أجل الحقوق الإنسانية والسياسية لأكثر من ستة آلاف أسير، بعضهم يقترب من تجاوز العقد الثالث من سنوات أسره واعتقاله.
ولأن إسرائيل على دراية كافية للأهمية السيكولوجية العالية التي يقوم عليها هذا العمق في مجتمعنا الفلسطيني بجميع شرائحه ومستوياته، فإنها تمارس في هذه الأيام على وجه التحديد، أبشع أشكال القمع للأسرى، ما يعني تلقائياً وعلى الفور، القمع لمجتمعنا كله. أي إن ما ترتكبه من جرائم بحق أسرانا، يستهدف في آن، تثبيط الهبة الاستنهاضية التي تمثلت في وحدة شعبنا بأكمله وراء حقه في الدولة المستقلة وعاصمتها القدس.
يتأسس رهان إسرائيل في هذا السياق، على محاولتها كسر هذه الهبة الشعبية الشاملة، من خلال محاولتها أولاً، كسر إرادة الأسرى، باعتبار أن هذه الإرادة بالذات، هي الضمير الحي لشعبنا، فإذا تم لها تطويعها، أو عزل مقوماتها عن الفعل والتأثير، تسنى لها ثانياً، أن تطوعنا جميعاً.
إلى ذلك، فإن معركة الأسرى الآن، في مواجهة جهنم القمع الإسرائيلي المتفاقم بما لا سابق له على مدار كل السنوات الماضية، هي بالضبط معركتنا كلنا من أجل الوقوف الصلب إلى جانب صمود الأسرى، والذي هو في ذاته، صمودنا الجمعي القوي على هذه الأرض، بهدي من بوصلتنا على طريق حراكنا الشعبي السلمي.
وإذا كان القمع الإسرائيلي، كما قلنا، وكما هو فعلاً، يتجاوز في عديد أشكاله الحالية، كل ما سبق له منذ العام 1967، فإن من الواجب الوطني الذي يُلزم كل واحد دون استثناء، أن نتجاوز في معاني ووسائل دعمنا لقضية الأسرى، في المرحلة الراهنة، كل ما سبق لنا من مثل هذه المعاني والوسائل في الماضي.
لا تكفي خيم الاعتصام، هنا وهناك. ولا تكفي المهرجانات الخطابية. ولا تكفي المسيرات والتظاهرات. ولا يكفي الإعلام التقليدي.
المطلوب الآن، رفع قضية الأسرى إلى المستوى السياسي اللائق بها، لتكون إلى جانب بقية القضايا الأساسية التي تشكل القواعد المتينة والراسخة لقضيتنا الفلسطينية كلها.
والمطلوب الآن، أن نعبر بقضية الأسرى تحديداً، إلى الصميم من حراك ربيعنا الفلسطيني، لتكون بالتالي، ملء الصميم من الربيع العربي بشكل عام.
والمطلوب الآن، أن نخرج بقضية الأسرى، من إطار طابعها المناسباتي الذي نتحرك به حيناً، ثم نفتر ونخفت، حتى كأننا ننساه، إلى إطار العمل اليومي الدؤوب والمنجز على أسس علمية وميدانية وفق خطط وبرامج متطورة.
تختلف معركة الأسرى في هذه المرحلة المفصلية، عن كل المعارك السابقة، على الرغم من الأهمية الكبيرة، لكل معركة منها، وما تحقق من خلالها من إنجازات. وبسبب هذا الاختلاف السياسي على الأخص، فإن النجاح فيها ضروري إلى حد مصيري، ذلك أن أي ظل قد يلوح بهذا الشكل أو ذاك، لإمكانات فشلها، سوف يعني مؤشراً أولياً لفشل ربيعنا كله.
