علامات على الطريق - التوافق الوطني بين مفهوم الفيتو والمبادرة الايجابية!

في علاقاتنا الداخلية الفلسطينية هناك الكثير من نقاط الخلل, ولذلك فإن موضوعات الخلاف السياسية التي تحدث بين شركاء الوطن في كثير من تجارب العالم, ويتم الوصول إلى حلول لها, نجدها تصل في ساحتنا الفلسطينية إلى حد الاستعصاء واليأس والفشل المتراكم.
وأكبر نموذج لذلك هو نموذج الانقسام الذي بدأ بالانشطار إلى برنامجين الذي ابتلينا به مع بداية الانتفاضة الأولى في نهاية عام 1987, برنامج وطني تمحور حوله إجماع كبير, وهو البرنامج المرحلي الذي يدعو إلى انبثاق الكيان الفلسطيني « الدولة» في حدود الرابع من حزيران عام 1967 بعاصمتها القدس الشريف, القدس الشرقية, مع حل عادل وممكن ومتفق عليه لقضية اللاجئين على أساس القرار 194 .
هذا المشروع تبلور بشكل ناضج منذ العام 1974 فيما عرف باسم برنامج النقاط العشر الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني «البرلمان الأم» ثم تطور بعد ذلك في محطات عديدة أبرزها إعلان الاستقلال الفلسطيني في دورة المجلس الوطني في الجزائر عام 1988, ثم اتفاق إعلان المبادئ « أوسلو « الذي تم التوقيع عليه في أيلول عام 1993 بين حكومة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية, وصولا إلى قيام السلطة الوطنية في العام 1994 بقرار من المجلس المركزي, وصولا إلى طلب عضوية كاملة لفلسطين في الأمم المتحدة, الذي تقدم به الرئيس أبو مازن في الثالث والعشرين من أيلول الماضي.
أما المشروع الثاني : فقد بدأ في السبعينيات بهواجس قومية لا تؤمن بالمرحلية, وترى أن فلسطين هي جزء من الأمة العربية, وأن الفلسطينيين ليس من حقهم الانفراد بقرارهم، ثم جاءت مرحلة المشروع الإسلامي الذي يرى أن فلسطين وقف إسلامي, ولا يحق لأهلها وشعبها الفلسطيني أن ينفردوا بتقرير مصيرهم وهو المشروع الذي ظهر بشكل عملي ومؤثر في نهاية العام 1987 مع الإعلان عن قيام حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في فلسطين.
في محاولات رأب الصدع بين هذين المشروعين وعبر حوارات ولقاءات استغرقت عقودا طويلة, كنا نلجأ في معظم الأحيان إلى ما يسمى بالتوافق, وسياسات الحد الأدنى في العلاقات الفلسطينية, ولكن هذا التوافق سرعان ما كان ينهار بشكل دراماتيكي مسببا المزيد من الآلام والخسائر الوطنية, بسبب أن هذا التوافق نفسه لا ينطلق من معايير موحدة, بل المعايير والمقاييس والمصطلحات مختلف عليها إلى حد التناقض.
فمثلا: فشل هذا التوافق في ردم الهوة بين الأطراف خلال فترة الانتفاضة الأولى, مع أن الانتفاضة في حد ذاتها كانت حدثا خارقا وغير مسبوق! فقد كانت هناك قيادتان متنازعتان علنا حتى وهما تواجهان الاحتلال الإسرائيلي بعنفه الذي وصل إلى حد تكسير العظام! القيادة الموحدة للانتفاضة والقيادة الإسلامية للانتفاضة, كل واحدة لديها برنامج فعاليات مختلف, ولديها مرجعيات ومقاييس ومنطلقات مختلفة, ولديها تحالفات إقليمية ودولية مختلفة، وهذا الفشل في التوافق سرعان ما انعكس على الانتفاضة الأولى خاصة في مراحلها الأخيرة التي سببت لشعبنا آلاما واحباطات كبيرة بدل استثمارها بحد أقصى لصالح الأجندة الوطنية! وبغض النظر عن مؤتمر مدريد الذي جاء كثمرة من ثمرات الانتفاضة الأولى, وكيف أنه انتهى دون التوصل إلى نتيجة, فقد نجح في فتح الباب أمام المطالب الفلسطينية لكي يتم التعاطي معها على المستوى الدولي, وأعطى للانتفاضة الأولى هذا الانجاز, بينما هي كانت مهددة بالتراجع إلى صورة سلبية.
صيغة التوافق التي كنا نلجأ إليها, وما زلنا حتى الآن بما في ذلك صيغة الورقة المصرية والتفاهمات التي جرت حولها, تكشف عن الخلل الفادح والتناقض في فهمنا للتوافق, وبعض الأحيان يفسر التوافق على أنه حق رفض أو حق الفيتو, مهما كان نوع القضية التي جرى التوافق عليها, مثل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية من شخصيات تكنوقراطية مستقلة! التي لو تم تشكيلها لانتقلنا من عنوان الانقسام إلى عنوان المصالحة !!! ولكن الذي جرى أنه حين طرحت الأسماء المرشحة لرئاسة هذه الحكومة, عدنا مباشرة إلى نقطة الصفر, إلى المحاصصة الفجة المكشوفة, دون أدنى اعتبار لتوفير عناصر نجاح الحكومة التي نريد تشكيلها, ونريد للعالم أن يقلبها ويعترف بها ويتعامل معها, مع أننا جميعا لدينا خبرة قاسية جربناها في حكومة الوحدة الوطنية على إثر اتفاق مكة, قبيل وقوع الانقسام بأيام قليلة.
وفي أحيان أخرى: يفهم التوافق على أنه الحق في ممارسة الانتقائية, فما يناسبني أقبله فصائليا وما لا يناسبني أرفضه, دون النظر إلى السياق كوحدة واحدة !.
فمثلا: حين طرح موضوع الإطار القيادي الذي يؤمن القرار لحين الوصول إلى الانتخابات بما فيها الانتخابات المتعلقة بإصلاح أو إعادة صياغة منظمة التحرير الفلسطينية, ودخول من لم يدخلوا في إطاراتها, طرح مفهوم اللجنة القيادية العليا, وهو في حقيقة الأمر لا يختلف كثيرا عن مصطلح « القيادة الفلسطينية « الذي تلتئم تحته اجتماعات تضم اللجنة التنفيذية وبعض الشخصيات الوطنية المستقلة والفصائل التي ليست عضوة في اللجنة التنفيذية, وقد ظهر الالتباس في تحديد مفهوم اللجنة القيادية العليا من زاويتين, فقد فهم البعض أنها هي الإطار الشرعي الذي يجب ما قبلها من إطارات شرعية ! كما فهم البعض أن اجتماع هذه اللجنة القيادية يمكن أن يتم خارج سياقه, أي خارج سياق المصالحة الفلسطينية بكل البنود والجداول الزمنية والتنفيذية التي حددتها الورقة المصرية! أي انتقاء عنوان واحد من بين عناوين متعددة يربطها سياق كامل.
هذا الخلط في المفاهيم, والتناقض في فهم معناها, والاختلاف الحاد في الالتزام بسياقها ومقاصدها الأصلية, هو الذي يجعلنا فلسطينيا نتصرف على أساس أن أي توافق يعني الفيتو, يعني حق الرفض, يعني حق التعطيل, ولهذا السبب تعود جهود المصالحة دائما إلى نقطة الصفر, ويظهر الانقسام الذي نتحدث جميعا عن رداءته كما لو أنه قدر لا راد له!
ربما يعطينا استحقاق أيلول, وتداعياته الكبرى التي رأينا بعضها, وهي ما زالت مستمرة, فرصة حقيقية لأن نرى أنفسنا في مرآة أخرى غير مرآة الانقسام, ذلك أن الحضور الوطني الفلسطيني يتطلب مشاركة كل الأطراف الفلسطينية, وتأكيد جدارتها, هذا الحضور لا يمكن أن يتم من خلال الفهم السلبي والمجتزأ والمتناقض لمعنى التوافق, فالتوافق معناه أولا الرغبة المسبقة في الصعود إلى الحل, وتذليل الصعاب, وانتزاع المبادرات, وليس الاختباء وراء حق الرفض, لأن التعسف في استخدام حق الرفض بالإضافة إلى إلحاقه الأذى المؤكد بالمشروع الوطني, فإنه يدمر كل المفردات التي تحمل عبء هذا المشروع الوطني.