الي اللقاء في رمضان القادم... بقلم عماد الفالوجي.

ها نحن نودع شهر رمضان المبارك , ونحمد الله أن أعاننا على صيامه وقيامه , شهر رمضان من الشهور التي باركها الله وأعطاه خاصية لا يماثله فيها أحد من الشهور وهي خاصية فريضة الصوم , وفيه يتوحد المسلمون فى كافة مشارق الأرض ومغاربها بهذه العبادة التى هي رابط مباشر بين العبد وربه , والأصل أن يكون فيها المسلم فى أرقى حالات الإيمان والإخلاص وصدق التوجه الى الله لنيل رضاه , لأن الهدف الأسمى لهذه الفريضة هي الوصول الى تقوى الله – سبحانه وتعالى - , وفيه يستشعر المسلمون عظمة دينهم وقدرته على التحكم حتى فى مشاعر المسلم وتصرفاته بدون رقيب أو حسيب بشري بل ينمو خلال هذه الفريضة الرقابة الداخلية للإنسان فلا يستطيع الاختباء منها لتناول شربة ماء بالرغم من عطشه الشديد والماء بين يديه , وما يمنعه إلا استشعاره برقابة الله عليه وخوفه منه , وللصيام معان وفوائد روحية يصعب تعدادها ولكن هل استفادت منها المجتمعات الإسلامية , وهل حال المسلمون بعد رمضان سيكون أفضل حالا ؟ وهل كان حال المسلمون خلال رمضان كما أراده الله أن يكون ؟ .هل اتقى قادة المسلمون ربهم أثناء صيامهم وعملوا لآخرتهم وزهدوا فى طلب دنياهم ؟ هل سمت نفوس القيادات الإسلامية بقدر سمو ومكانة الصوم عند الله – سبحانه وتعالى - ؟ هل ترك المسلمون قول الزور والعمل به ؟ هل توقفت شلالات الدماء بين المسلمين خلال الشهر المبارك ؟ هل تحققت وحدة المسلمين على أرض الواقع كما وحدتهم فريضة الصوم ؟ هل ترك الصائمون عادة الكذب والخداع والنفاق خلال حواراتهم وأحاديثهم عن مستقبل هذه الأمة ؟ أم أن شهر رمضان سيغادرنا وكأنه لم يكن عندنا , ولم نفعل فيه سوى امتناعنا عن الأكل والشراب واكتفينا بصلاة التراويح والتنافس فى عدد المرات التى نختم فيها القرآن الكريم , والإدعاء بالخشوع فى الصلاة من خلال طأطأة الرأس والوجه والتظاهر بالتواضع والبكاء وغيرها من الشكليات التى نراها لدى البعض ثم سرعان ما تزول فور الانتهاء من أداء طقوسها لتحل محلها قسوة القلب وجلافة اللسان والتكبر على عباد الله .

هل هكذا يجب أن يكون هذا الشهر الفضيل ؟ بالتأكيد ليس كذلك , ولو صدقنا النية والعزم مع الله لبدل الله حالنا الى أحسن حال , ولو صدقت النوايا لكان هذا الشهر هو المحطة المناسبة التى يمكن أن يكون فيها اللقاء لتجاوز كل إشكالياتنا ولو كان هناك الصدق فى التوجه الى الله لبارك لنا فى أعمالنا ولهدانا سواء السبيل , ولكن أن يغادرنا هذا الشهر المبارك ونحن على ذات الحال من الفرقة والانقسام وانعدام  الثقة بيننا والدعاء بأن يبلغنا الله رمضان القادم ,, فهذا يعني أننا لن نفعل أي شيء لتغيير حالنا بالتوجه الصادق الى الله بالتزام أمره بتحقيق الوحدة بين عباده الصائمين الموحدين إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله أن يكونوا صفا كأنهم بنيان مرصوص , هكذا يحب الله عباده أن يكونوا على هذه الشاكلة ولكن إذا أصابهم داء الأمم الكافرة السابقة من الفرقة والاختلاف فقد خرجوا عن السياق الإيماني وسيصيبهم ما أصاب الذين من قبلهم وهذه سنة الله فى خلقه , ولا تمييز لأمة دون غيرها فى سنن الله فى الحكم بين الخلائق .

نودع شهر رمضان وحالنا لا يرضي الله ورسوله والمؤمنين , لازال الضعف الذاتي يسيطر علينا ولازالت قوى الكفر تتحكم فى مقدراتنا , ولازال التشتت والاختلاف متغلغل فى نفوسنا , بل ونحن اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من المعاناة وانهيار المنظومة العربية والإسلامية , والمراقب لحال الأمة يرى الانقسام بين أبناء الشعب الفلسطيني يتعزز وحال الأمة العربية يتمزق , واحتلال من نوع جديد يجتاح المنطقة , احتلال جديد فى ليبيا وتمزق فى اليمن ودم يسيل فى سوريا وحالة من الضياع فى مصر والعراق وضياع أرض فى السودان , وازدياد فى أطماع الدول الاستعمارية فى خيرات المسلمين وتسلل قوات الناتو بطلب عربي لتجثم فوق أرضنا ولتسيطر على منابع النفط في بلادنا , ولم يعد خطاب يوحدنا ولم نعد ندرك حقيقة ما يدور خلفنا , نسعى للتغيير والإصلاح دون رؤية أو خطة , نهتف يسقط هذا النظام لنستبدله بنظام أكثر سوءا أو فوضى نظام , نرفض الاحتلال ولا نعرف معنى الاستقلال , ونستبدل احتلالا باحتلال جديد ولكن بمسمى جديد وبشكل يمكن تسويقه وقبوله .

نودع شهر رمضان ونحن لا ندري هل نريد تهدئة مع الاحتلال أم مقاومة , تصعيد أم تسخين أم تبريد أم جمود , ولا ندري هل حققنا أهدافنا الوطنية أم لازلنا فى طور التحرير ؟ هل نجحنا فى بناء الكيان الفلسطيني أم أضعناه ؟ هل لازلنا نملك مشروعا وقضية واضحة المعالم أم أضعناها عبر عدد لا حصر لها من المشاريع الفاشلة أو بخلافاتنا حول سياساتنا المتناقضة ما بين الفعل السياسي والفعل المقاوم , بين من يؤمن بخيار المفاوضات فقط وبين من لا يؤمن بها وكل فريق يريد فرض رؤيته على الساحة الفلسطيني ولا يرى غيرها , هل سيكون لنا دولة فى سبتمبر أم هي زوبعة فى فنجان , هل سنتحمل العقوبات الأمريكية علينا والتي ستتبعها عقوبات عربية أم ستحكمنا إمكانياتنا المتواضعة فى ظل واقع عربي يتهاوى أو يعيش حالة من الفوضى العارمة ؟

هموم كثيرة وكبيرة تحتاج الى عقول واعية كبيرة لا تقف عند صغائر الأمور ولا تهلك ذاتها فى معارك وهمية وضيعة , هموم تحتاج الى قادة كبار يقفزون عن كل الحدود والشكليات الصغيرة , هموم تحتاج رجال مخلصون لا يعرفون الأحقاد الذاتية أو الفصائلية , رجال لا تبهرهم الشكليات والوعود الفارغة ولا يربطون مستقبل شعبهم بمتغيرات خارجية لعلها تكون لهم عونا , رجال لا يربطون مصلحة شعبهم بمشاريع فى علم الغيب قد تنجح وقد تفشل , رجال يقدمون مصلحة شعبهم الداخلية عن كل موقف أو إنجاز خارجي , لا معنى أن تكسب العالم وتخسر ذاتك وشعبك , رجال يؤمنون أن أي إنجاز يجب أن يبدأ من الداخل لأن كل إنجاز ينبع من الداخل يصمد ويتعزز , وكل إنجاز ينبع من الخارج دون دعم داخلي سينهار بأسرع مما يتوقع أصحابه , ولكن أين هؤلاء الرجال وأين هؤلاء القادة , فإني أبحث عنهم وأكاد لا أراهم .

وإلى اللقاء فى رمضان القادم .