التقشف ليس الحل الوحيد لأزمة السلطة المالية

أثارت تصريحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن الأزمة المالية التي تمر بها السلطة الفلسطينية، والتوجه للتقشف المالي خلال الشهر المقبل، موجة من التخوف من استمرار هذه الأزمة وتعقد أكبر في الوضع المالي للسلطة.

 

وكانت حكومة سلام فياض صرفت نصف راتب للموظفين بسبب أزمة مالية، من المتوقع أن تتفاقم الشهر المقبل وقد لا تستطيع السلطة بسببها سداد الرواتب بالكامل، بحسب تصريحات الرئيس الذي وصف الأزمة المالية " بالحقيقة".

 

هذا التوجه بالتقشف المالي للسلطة، لم يكن من ضمن الخيارات الجديدة لمواجهة الأزمة المالية التي تمر بها السلطة الفلسطينية، بل ضمن جملة توصيات لاقتصاديين فلسطينيين منذ سنوات، ومن بينهم أستاذ الاقتصاد والمستشار الاقتصادي نصر عبد الكريم.

 

وقال عبد الكريم في حديث  لـه"التقشف ضرورة منذ زمن وليس مرتبط بأزمة دفع الرواتب، وهذا التقشف يجب أن يكون مدروسا وأن لا نبقي الوضع المالي للسلطة مرتهنًا بعوامل خارجية، فالدول تلجأ للتقشف المالي حتى في بحبوحة العيش".

 

وشدد عبد الكريم على أن التقشف المالي في الحالة الفلسطينية ضرورة أخلاقية ووطنية اقتصادية، "يجب عدم ربط قضية الرواتب بالتقشف المالي، وكأن هدر المال العام مسموح به في حال كانت هناك أموال لسد احتياجات الرواتب، بل هي ضرورة ملحة في وضع متأزم أو مريح مالي".

 

وقدر الخبير الاقتصادي الأموال "المهدورة" ب 300-400مليون دولار سنويا، مضيفًا "تقديري إذا تمت دراسة كل بنود نفقات السلطة وإخضاعها للمراجعة دون المس بحقوق الفئات المختلفة بالمجتمع، قد تقودنا هذه الخطة لتوفير 300-400 مليون سنويا".

 

الأزمة والمصالحة

هذه الأموال يمكن أن تسد قسمًا كبيرًا من الرواتب- كما يقول عبد الكريم- إلى جانب أن هذه المراجعة من شأنها  تعزيز الثقة بالإدارة المالية للسلطة والمواطنة وتقليص الفجوات بين فئات الموظفين المختلفة.

 

كما رفض ربط سياسية التقشف المالي بالرواتب، وعدَّ أنه من الخطأ ربط الأزمة المالية بقضية المصالحة والضغوط الممارسة على السلطة.

 

وقال: "للأسف هناك من يحاول الترويج أن توقف الأموال المانحين بسبب المصالحة، وهذا كلام غير دقيق على الإطلاق، فالأزمة المالية بدأت في العام 2010، حيث تراكم على السلطة 550 مليون دولار".

 

وأشار عبد الكريم إلى أن رئيس الوزراء سلام فياض أدار الأزمة ولم يحلها مع نهاية العام 2010، إلى جانب أن السلطة لم تستلم مساعدات كافية منذ بداية العام الحالي 2011، و ذلك كله قبل الحديث عن المصالحة.

 

وعدَّ عبد الكريم أن ربط الأزمة المالية بالمصالحة خطير جدا ويخدم مصالح فئات ممن لا يريدون المصالحة، فالدول المانحة التي هددت بقطع المساعدات لم تنفذ حتى الآن تهديداتها.

 

وعن المنح العربية لسد أزمة الرواتب، قال عبد الكريم: "للأسف العرب إلى الآن ليسوا جديين بقضية المصالحة، فالأصل أن يحتضنوا المصالحة سياسيا و اقتصاديا لإتمامها".

 

وحول خطه إعلان الدولة التي كانت حكومة سلام فياض أعلنتها، رغم إدراكها لوجود هذه الأزمة، قال عبد الكريم إن "الحكومة راهنت على قضية الجاهزية ونوايا الدول الأوروبية والمانحة اتجاه المشروع الوطني الذي يؤدي في نهاية المطاف لإنجاز الدولة، إلى جانب ربط خاطئ تماما بين الجاهزية الاقتصادية والمالية والإدارية والاستدانة وربطها بحق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته".

 

فالشعب الفلسطيني، كما يقول عبد الكريم، يستحق دولته لنضالاته ومعاناته وعذاباته مثل باقي الشعوب، وكان من الخطأ إخضاع هذا الموضوع للنقاش العلني على الإطلاق، وهو ما وصفه بالخطأ " السياسي القاتل". 

 

التقشف ليس وحده الحل

من جهته رأى أستاذ الاقتصاد والخبير في الحلول الاقتصادية باسم مكحول أن التقشف ليس وحده الحل للأزمة التي تعانيها السلطة، بل وقف هيمنة الحكومة على القطاع الاقتصادي الذي تحولت بفعل تحكمها بالمساعدات الخارجية إلى محركه الأساسي.

 

وقال مكحول إن هذا التحكم قد يكون مقبولا مؤقتا ولكن على المدى البعيد لن يحقق الاقتصاد الفلسطيني أي شكل من الاقتصاد المستدام لارتباطه بشكل كبير بالمساعدات الخارجية وبحوالات الضريبة المضافة (المقاصة) التي تجبيها "إسرائيل" لصالح السلطة الفلسطينية وتصل شهريا إلى أكثر من 100 مليون دولار.

 

ويقترح مكحول أن يعيد الجانب الفلسطيني النظر جديا في طبيعة توظيف المساعدات الخارجية والاعتماد عليها، رغم استبعاده أن تكون السلطة قادرة على التخلي عن المساعدات الخارجية في ظل محدودية الموارد الداخلية.

 

وقال مكحول إن الحلول للأزمة المالية الحالية لا تبدو متاحة بصورة سريعة، لكن "يجب على السلطة أن توفر الضغوطات على إسرائيل لتحييد عوائد المقاصة التي باتت تستخدم كنوع من العقوبة ضد الفلسطينيين رغم أن ذلك يتناقض مع الاتفاقيات الدولية والفلسطينية -الإسرائيلية أيضا".