منذ نكبة فلسطين عام 1948، اتبع المقاومون الفلسطينيون والعرب أساليب
متعددة لتحرير أسراهم الذين وقعوا في قبضة الاحتلال الإسرائيلي، فكانت
صفقات التبادل أسلوباً رائجاً لمع بريقه في سنوات، وخفت في سنوات أخرى. حيث
وصل عدد صفقات تبادل الأسرى بين العرب وإسرائيل، إلى أكثر من ثلاثين صفقة،
أبرز من نفذها، مصر ولبنان وسوريا وبعض فصائل المقاومة الفلسطينية.
إذاعة الإيمان في حلقة هذا الأسبوع من برنامج "مشاعل الحرية" سلطت الضوء
على أبرز هذه الصفقات للاستفادة منها في سبيل إنجاح صفقة الجندي الإسرائيلي
الاسير جلعاد شاليط.
وخلال اللقاء استعرض عبد الناصر فروانة، مدير دائرة الاحصاء فى وزارة
الأسرى والمحررين بالسلطة الفلسطينية، أبرز صفقات التبادل، مبيناً أن "أسر
الجنود" هي ثقافة مترسخة منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية، وهي قائمة عند
الحكومات العربية منذ عام 1949، فالكل عمل على تحرير أسراه بطرق مختلفة بعد
أن فشلت المفاوضات في ذلك.
فلسطينياً، بدأت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1968 إنجاز الصفقات، حين
تمكنت من خطف طائرة إسرائيلية وإجبارها على الهبوط في الجزائر ومن ثم جرت
عملية التبادل برعاية منظمة الصليب الأحمر الدولية، أفرج بموجبها عن 37
أسير، وتمت هذه العملية وفقاً للشروط الفلسطينية.
أما في أوائل السبعينات، أنجزت حركة فتح صفقة مختلفة، بنظام أسير مقابل
أسير، أطلق خلالها سراح محمود بكر حجازي، أول أسير في الثورة الفلسطينية.
ويرى فروانة أننا إذا نظرنا للصفقة من الناحية العملية فهي غير رابحة لأنها
لم تحرر سوى شخص واحد، بينما من الناحية الرمزية فهي رابحة جداً لاسيما
أنها حررت أول أسير في الثورة الفلسطينية، الذي حُكم عليه بالإعدام.
عام 1979 جرت عملية تبادل "الليطاني" أو "النورس" بين كيان الاحتلال
والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين -القيادة العامة، وما ميز تلك الفترة، أن
محاولات خطف الجنود كانت تعزز الأمل دائماً عند الأسرى أن حريتهم ستأتي في
أي لحظة، لكن فيما بعد تغيرت الأمور. فالآن يقبع في سجون الاحتلال أكثر من
800 فلسطيني من ذوي الأحكام العالية والمؤبدات، وقلة عدد الصفقات لن تسمح
لآسري "شاليط" الإفراج عن كل المحكومين بالمؤبدات وكل المرضى وقيادات العمل
الثوري وغيرهم، لأن العدد المسموح به هو 450 أسير فقط.
ويتابع فروانة رصده لأبرز صفقات التبادل، ففي 23 نوفمبر 1983 جرت عملية
جديدة قادتها حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، حيث أطلقت دولة
الاحتلال سراح جميع معتقلي معتقل أنصار في الجنوب اللبناني وعددهم (4700)
معتقل فلسطيني ولبناني، و( 65) أسيراً من السجون الإسرائيلية مقابل إطلاق
سراح ستة جنود إسرائيليين، وتعد هذه العملية هي الأكبر من حيث العدد،
معظمهم اعتقلوا أثناء اجتياح جنوب لبنان.
وكانت أبرز عمليات التبادل عام 1985 أنجزتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-
القيادة العامة، أطلق الاحتلال بموجبها (1155) أسيراً، مقابل ثلاثة جنود
إسرائيليين. وتعتبر هذه الصفقة هي الأكثر تميزاً لأنها جرت وفقا للشروط
الفلسطينية حررت أسرى فلسطينيين من الضفة والقدس وأسرى عرب وأسير ياباني
صمم الفلسطينيون على تحريره رغم تعنت الاحتلال في البداية.
عام 1997 جرت اتفاقية تبادل بين حكومة الاحتلال والحكومة الأردنية، التي
أطلقت سراح عملاء الموساد الذين حاولوا اغتيال خالد مشعل رئيس المكتب
السياسي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، بينما أفرجت حكومة الاحتلال عن
الشيخ أحمد ياسين مؤسس الحركة.
في فترة 2004-2008، شهد التاريخ على صفقات مميزة لحزب الله اللبناني مع
إسرائيل، في وقت خفت فيه ضوء صفقات التبادل، فقد استطاع حزب الله إغلاق ملف
المعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، يساعده في ذلك عدم سيطرة
إسرائيل على المناطق التي ينشط بها. فصفقة 2004 أفرجت عن كل الأسرى
اللبنانيين و436 فلسطيني، إلا أن إسرائيل رفضت الإفراج عن أقدم أسير عربي
في سجونها "سمير القنطار" آنذاك، قبل أن يتم الإفراج عنه في صفقة أخرى عام
2008، أفرج خلالها أيضاً عن ثلاثة أسرى لبنانيين آخرين، وإعادة رفات نحو
200 جثة لمقاتلين فلسطينيين ولبنانيين لدفنها بالطريقة الإسلامية، مقابل
جثتين إسرائيليتين.
ويرى فروانة أن "حماس" ناجحة في إخفاء "شاليط" حتى الآن رغم الحرب على غزة
مطلع 2009، والاجتياحات المتكررة، وإصرار حركات المقاومة على فرض شروطها،
وهو الأمر الذي يجب أن نستفيده من الصفقات السابقة، خاصة أن آخر صفقة
فلسطينية كانت منذ 26 عاماً.
المحررة عائشة عودة أمضت في الاعتقال عشر سنوات ونصف، إحدى المفرج عنهم في
صفقة النورس عام 79، قالت " إن الصفقة كانت مفاجئة لهم من حيث التوقيت، إلا
أنهم كانوا يتوقعون التحرر بهذه الطريقة، لأن عمليات التبادل كانت شائعة
في ذلك الوقت، ففي 1978 حين تم اجتياح لبنان أسرت القيادة العامة جندي
إسرائيلي، وبموجب مبادلته تحرر اسرى فلسطينيين. وترى عودة أن صفقة "شاليط"
يجب أن تحرر أكبر عدد من الأسرى ولا يجوز تأجيلها لأن الانتظار أصعب شيء
على الأسرى، وأن أي تنظيم سياسي يريد أن ينفذ صفقة، يجب عليه أن يضع مصلحة
الأسرى أولى أولوياته قبل مصالحه السياسية والشخصية.
بدوره، يرى المحرر منير منصور أن صفقة التبادل عام 85 ، كانت الأكثر
تميزاً، لأنها حررت معتقلين من سكان الأراضي المحتلة عام 48 (إسرائيل
الآن)، حيث بلغ عددهم حينها 41 أسيراً. واليوم يتجدد الخوف الإسرائيلي من
تنفيذ صفقة جديدة بشروط فلسطينية لذلك يلجئون إلى سياسة إبعاد المفرج عنهم
من الوطن، وهو شيء مرفوض تماماً.
وتكمن الإشكالية في الأسرى من الداخل المحتل عام 48 (عددهم 27)، هو أنهم
يحملون هويات إسرائيلية تمنع الفلسطينيين من التحدث باسمهم، إلا أنهم داخل
السجن يعاملون كالفلسطينيين في القسوة وليس كالمعتقلين الإسرائيليين الذي
يقبعون في ظروف مريحة جداً.
ورأى المشاركون في اللقاء، أن فكرة إطلاق سراح إسرائيلي واحد مقابل ألف
فلسطيني ليست فكرة مهينة كما يظن البعض، لكن الظروف تفرض على الفلسطينيين
أن تعتقل إسرائيل عشرات منهم كل يوم بحكم أنها القوة المحتلة، بينما يأسر
الفلسطينيون أعداد قليلة جداً، وفي النهاية يبقى الهدف من أي صفقة هو تحرير
أكبر عدد ممكن من الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
يذكر أن برنامج "مشاعل الحرية" يبث عبر أثير إذاعة الإيمان من غزة على التردد 96.2 أف أم
