يوميات معركة مخيم جنين

خاص /// الإعلام العسكرى ،،،

نسرد هنا يوميات المقاومة الفلسطينية في معركة مخيم جنين والتى قادتها كتائب شهداء الأقصى وأبناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية حيث دار غرفة العمليات المشتركة للمعركة الشهيد القائد الجرال " يوسف ريحان قبها " أبو جندل " من يومها ما قبل الأول (الإثنين، الموافق 1/4/2002، وحتى اليوم التالي لانتهائها (الجمعة، الموافق 12/4/2002).
وتُسرد هذه اليوميات على لسان كاتبها  “في رسالة  ماجستير” الاخ النائب /
 جمال حويل بوصفه احد قادة غرفة العمليات المشتركة واحد مؤسسي كتائب شهداء الاقصى ومشاركاً في المعركة منذ وضع الخطة وتشكيل غرفة العلميات وحتى اليوم الحادي العشر الذي تمت فيه مفاوضات إنهاء المعركة وتسليم من تبقى من المقاومين.
وتتناول هذه اليوميات، على نحو تفصيلي، اليوم الأول الذي هو ما قبل ساعة الصفر والذي ترصد فيه هواجس المخيم وهواجس الاحتلال قبل بدء المواجهة؛ واليوم الثاني الذي تسرد فيه كيف أكملت قوات الاحتلال الصهيونية حصارها، وكيف استكملت المقاومة في جنين إعدادها وعزيمتها؛ ثم تواصل المذكرات سرد قصص الشهادة والفداء السوريالية في اليوم الثالث؛ والتي تستمر لليوم الرابع حيث يحقق المقاومون رهان الرئيس ياسر عرفات بصمودهم وإيقاعهم لخسائر مؤلمة في صفوف العدو؛ إلى اليوم الخامس الذي تتحقق فيه مزيداً من الإنجازات العسكرية عبر كمين في حارة الطوالبة؛ وفي نهاية هذا اليوم وبدء اليوم السادس تستمر المقاومة، وجثث شهداء تدفن على دفعات، ويلقىالاحتلال قنابله (شبه) الفراغية؛ ليأتي في اليوم السابع كمين رفع المعنويات في مواجهة حارة أبو جواد؛ وكأنه تحضير لليوم الثامن الانتقالي (عبر مزيد من الشهداء)؛ نحو اليوم التاسع، يوم كمين الـ 13 المبارك/”القاتل الذي سقط فيه 13 جندياً إصهيوني، أسهم سقوطهم في زيادة تكالب القوات الصهيوينة لإنهاء المعركة، وعدم دفع المزيد من الخسائر… نحو اليوم العاشر وشهيده “الفعلي” مع وقف التنفيذ؛ إلى اليوم الحادي عشر، يوم الحصار الأخير ومُرِّ الخيارات بالتفاوض لإنهاء العمليات العسكرية وتسليم من تبقى من المقاومين. وأخيراً، يوم ما بعد الانتهاء الفعلي للمعركة، اليوم الثاني عشر، الذي قضى فيه شهيداً أبو جندل، “المايسترو” و”رئيس غرفة العمليات،” الذي كان أول القتلى وآخر من يموت.

اليوم الاول ...
بتأمل اللحظة الفاصلة بين تقدُّم قوات الاحتلال من المحاور الأربعة ولحظة البدء الفعلية للمعركة، يتبين أنه سبق اجتياح مخيم جنين وإعادة احتلاله حرب إعلامية ونفسية، من قبل دولة الاحتلال، تُضخِّم من خطر المقاومة في جنين، باعتبارها “عش الدبابير” و”وكر الإرهابيين” و”منبع الإرهابيين (الاستشهاديين)”، وضرورة القضاء عليها حتى تقنع الجماهير الصهيونية بأن جيشها الصهيوني يخوض “حرب الحفاظ على البيت” كما سماها قادة الاحتلال العسكريون وإعلامهم الحربي. لقد ادعوا بأنهم يخوضون حرباً ضد الإرهاب ضمن الخطة العالمية للحرب على الإرهاب والتي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث أيلول 2001، وظهور ما يعرف بـ “عقيدة بوش” أو Bush Doctrine الذي قسم العالم إلى قسمين: واحد مع الإرهاب (وهو كل من لم يسر في ركاب الأجندة الأمريكية أو يتوافق معها)، وآخر ضد الإرهاب (وهو كل من وافق الأجندة الأمريكية، وشارك في تنفيذ مصالحها. وحسب هذه “العقيدة” فقد كان من الواضح أن إسرائيل في مركز المعسكر المعادي للإرهاب، فيما كان الفلسطينيون في مركز صورة الإرهابي.
ومن جهة أخرى، كانت قوات الاحتلال الصهيوني وإعلامها الحربي تحاول التقليل من قيمة المقاومة وقدرتها على مواجهة آلة الحرب الصهيونية، في ظل حرب نفسية شعواء تروِّج لأساطير “القضاء على العدو” التي اعتادها الاحتلال الصهيوني في حروبه السابقة، ولكن هذه المرة برغبة في “كسر عظم المقاومة، وسحقها”، كما حصل بالفعل على الأرض، لكن دون كسر معنويات المقاومة، وكما بيَّن الباحث يوسف القاسم في رسالته المهمة حول أثر الحرب النفسية الصهيونيةعلى الذات الفلسطينية في انتفاضة الأقصى للعام 2000.

وفي المقابل، أكد إعلام المقاومة الفلسطينية، العفوي وقليل الإمكانيات، على أن المقاومين يخوضون المعركة  دفاعاً عن أرضهم وأهلهم وللحيلولة دون تكرار اللجوء لأهل “مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين”، وبأن المقاومة إنما هي لحماية الأهل والروح الفلسطينية من الانكسار في رحيل ثالث بعد تشريد نكبة العام 1948، وتشريد نكسة العام 1967.
وقد خاطب المقاومون العالم بأننا شعب تواق للحرية، ولن نقبل بالاحتلال على أرضنا، وبأننا نخوض معركة الدفاع عن النفس بأسلحتنا الصغيرة والبسيطة. وقد كان لهذا الهدف الجمعي وإعلانه على الملأ فائدة قصوى، حيث التف أهالي المخيم، وكافة فلسطين والعالم، حول المقاومة ودعموا صمودها مادياً ومعنوياً.

وكجزء من الحرب الإعلامية-النفسية المضادة، أكدت المقاومة الفلسطينية الموحدة أنها جاهزة لمعركة طويلة الأمد لا ولن يتحملها المجتمع الصهيونى قصير الذاكرة، والذي ثبت، عبر حروب ومواجهات عسكرية أخرى، أنه لا يضغط على حكومته العسكرية الاحتلالية إلا عندما يشارك في دفع “ضريبة الدم.”  فالاستعدادات لدى المقاومة كانت كاملة “من ناحية إعلامية”، رغم فقر الموارد والحصار، فـ”السلاح والذخيرة وتفخيخ البيوت والسيارات والمنازل والجدران والاستشهاديون… والمقاومة ستدمر دون رحمة آلة الحرب الصهيونية وقواتها… وقد أقسم المقاومون على القتال حتى آخر رجل وشبل فيهم، وحتى آخر طلقة في بنادقهم… هنا سنبقى، وهنا سنموت، وهنا يدرك شارون، وسيدرك العالم بعد انقضاء المعركة، أن مجزرة أخرى قد تمت عن سبق إصرار وترصد، وعلى مرأى من العالم كله. وعلى الرغم من مقاربات مجزرة جنين بمجزرة صبرا وشاتيلا، ولشارون في كل منهما نصيب، ولكن مخيم جنين لم يكن مرة ولن يكون “مسادة فلسطينية” كما حاول بعض الصحافيين الصهاينة “التقدمييين” تصويرها لنسبة حتى النصر الفلسطيني المعنوي إلى ماض “يهودي” انتحاري في مسادة العام 73 قبل الميلاد. فمسادة “اليهود” حينها جاءت نتيجة لتمرد عصابات “الحماسيين/عصبة الخناجر” على الرومان، ولقيامهم بأعمال السلب والنهب، والترهيب انتهت بقتل جماعي اقترفه مجموعة إلعازار بن يائير في حق مجتمعهم تحت مسمى “انتحار جماعي من أجل الكرامة”؛  فيما أسطورة الصمود في مخيم جنين جاءت من أجل الحياة والدفاع عن الحق فيها، لا من أجل الموت، وقام بها مقاومون من أبناء الأرض لا من اللصوص الغرباء عنها.

أما على صعيد الصورة والأجواء داخل مخيم جنين وعلى الأرض، لا في فضاء الحرب الإعلامية، فقد كان هناك نفير عام وحركة دائبة ومستمرة ومنظمة الكل يعمل كخلية نحل على وضع اللمسات الأخيرة استعداداً للمواجهة الكبرى. بدأت الاتصالات تتوالى من كل محور من الأخوة الذين يقومون بعملية الاستطلاع والرصد والمتابعة وإيصال المعلومات للمقاومين بأقصى سرعة ممكنة. الآلاف من جنود قوات الاحتلال الصهيونى، ومئات الآليات ترافق تقدم القوات الراجلة وتغطيها تحت غطاء كثيف من دخان التعمية والتمويه، ووجود طائرات مروحية واستكشافية (كان المقاومون يدعونها أم كامل)، وحتى طائرات مقاتلة من طراز ف-16 وف-15 تحطم حاجز الصوت للترهيب، في سماء مخيم جنين.كل هذه معلومات كانت تصلنا أولاً بأول، وأذكر أن أحد الأخوة المقاومين، وهو عطا أبو رميلة (أمين سر حركة فتح إقليم جنين حالياً) عندما أبلغ من إحدى نقاط الاستطلاع  بقدوم “عشرين دبابة” من جهة معسكر سالم, قال للمقاوم المبلغ: “رجاء لا تخبرني ولا تتصل إلا عندما ترى مئات الدبابات”، وكان ذلك على سبيل المزاح، لكنه ما حصل فعلاً فيما بعد.

وعلى الصعيد العملي، فقد سبق بدء المعركة اجتماع للمقاومين في الأجنحة العسكرية لفصائل العمل الوطني والإسلامي وقوات الأمن الفلسطينية، ضمن غرفة العمليات المشتركة، لدراسة آليات خوض المعركة، حيث أن خوضها كان محسوماً ولم يختلف عليه أحد. وكانت هناك عدة آراء حول لحظة البدء، والأماكن الأفضل تواجد المقاومين.
فمن ناحية، كان الرأي الغالب أن على المقاومة أن تحدد ساعة الصفر في بدء المعركة، وجهتها، والبدء بعمل مناوشات واشتباكات على أطراف المخيم لإرباك قوات الاحتلال الصهيونية وخطتها. ومن ناحية أخرى، فقد ارتأى بعض الأخوة في الفصائل ضرورة مغادرة بعض “المطاردين الكبار” من مخيم جنين، وعدم الوقوع فريسة للاحتلال وضربته القاصمة، وحتى يقوموا بالرد على جرائم الاحتلال أثناء المعركة لكن من خارجها.
وقد خرج 
قيس عدوان (قائد كتائب القسام في منطقة الشمال الذي استشهد لاحقاً) بأمر من القيادة العسكرية لكتائب القسام على الرغم من عدم رغبته الشخصية في مغادرة مخيم جنين.
وقد تم اغتياله مع ستة من رفاقه في طوباس ثالث أيام الاجتياح والمعركة.
في حين فضَّل بقية “المطاردين الكبار” البقاء في المخيم رغم أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية أخبرونا بأن “الكيان الصهيونى سيدمر ويقتل ويخرب،” وكان كل مطارد يطالب الآخر بالمغادرة، وأن يبقى هو بنفسه تعبيراً عن الإيثار والتضحية.
كما يجدر الذكر كيف ناشد الدكتور رمضان شلح، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي.

الشهيد/ محمود طوالبة مغادرة المخيم، ولكنه رفض وفضل الاستشهاد فيه.

وفي هذه الأثناء، كان السؤال الكبير والذي سأله المقاومون، بعيداً عن التوعُّد والضجيج الإعلامي والفعل ورد الفعل في الحرب النفسية مع قوات الاحتلال الصهيونى: “ لماذا المواجهة ؟ وما هي رسالة المقاومة؟” وقد كانت الإجابة محسومة، وبشكل لا يختلف كثيراً عن الإجابة الموجهة لـ”الخارج” الاحتلالي والعالمي.
وهي علي النحو التالي :

(1) إننا لاجئون هدمت بيوتنا وشرد أهلنا في نكبة العام 1948 على يد العصابات الصهيونية، كما تكرر الأمر مع بعض أهل المخيم في نكسة العام 1967، و لن نقبل بتكرار اللجوء  والتشرد مرة أخرى.

(2) إننا شعب ندافع عن قضية عادلة، مؤمنون بها، ونريد دولة فلسطينية وحق تقرير مصير، ولن نقبل بالاحتلال مهما كانت التضحيات.

(3) إن المقاومة جاهزة ومسلحة بالإيمان والاستعداد البسيط لكن المتقن، بـ”الأسلحة الصغيرة،” لا الخفيفة، لضرب عنجهية جيش الاحتلال الذي طالما تم الترويج له بأنه لا يقهر، وأن التجربة والخبرة جعلتنا أكثر يقيناً بأننا سننتصر.

(4) إن مراهنة شعبنا وتنظيماتنا ورئيسنا ياسر عرفات على المقاومة في جنين ونابلس، ومقولاته المدوية حول “ما سيحصل في نابلس وجنين غراد”، جعلت على المقاومة الأكثر تنظيماً وتحصيناً في المدن الفلسطينية التي صمم الاحتلال الصهيوني على إعادة احتلالها، ملزمة بتقديم مثال في البطولة والتصدي لأنها في جانب الحق، وعدوها هو الباطل والمعتدي، ولا بد من تلقينه درساً لقادم المواجهات التي لن تنتهي إلا بزواله، وزوال دولته العنصرية.

(5) ومثل ذلك كان دافع المقاومة لإنجاح رهان الشعوب العربية، والإسلامية، وأحرار العالم على المقاومة في فلسطين، وجنين بخاصة، في تحقيق نصر معنوي ومادي على قوات الاحتلال.

فقد كان المقاومون في جنين يتابعون الأخبار، ويشاهدون مناظر القتل والتدمير التي قامت بها آلة الحرب الصهيونية في بدء عمليتها لإعادة احتلال مدن الضفة الغربية ومخيماتها، وخاصة مشهد إعدام خمسة من قوات الشرطة الفلسطينية بدم بارد في رام الله على المدخل الجنوبي لبلدة بيتونيا، وتدمير المقاطعة في رام الله حيث مقر الرئاسة والشرعية الفلسطينية، ومحاصرة الرئيس ياسر عرفات في مكتبه وقطع الكهرباء والاتصالات عنه في رسالة واضحة  بأنه لا يوجد خطوط حمراء في سحق شعبنا من قتل واعتقال وتدمير وتخريب لكل ما يواجه هذه الآلة الصهيونية من بشر وشجر وحجر، وبنى تحتية، ومؤسسات حكومية وغير حكومية، ومدارس ومستشفيات، وحتى سيارات إسعاف لم تسلم من السحق بجنازير الدبابات الجرافات.
هذه الأخبار والمشاهد زادتنا قوة وتصميماً وإصراراً على الاستمرار في قرارنا وخطتنا ونهجنا في مقاومة آلة الحرب الصهيونية وتلقين قواتها درسا لن تنساه، وكسر عنجهيتها وتكبرها، ودفن “أسطورة الجيش الذي لا يقهر” في أرض مخيم جنين.

أما عن الحالة المعنوية داخل المخيم، فقد صدحت مكبرات الصوت في المساجد بالتهليل والتكبير، وتلاوة آيات من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وأبيات من الشعر، وصوت الرئيس ياسر عرفات… وكل ما من شأنه أن يحض على المقاومة والجهاد والوحدة والصمود. وكذلك مكبرات الصوت اليدوية التي استخدمها المقاومون، كانت ترفع الهمم وتطالب المقاومين بالتماسك والوحدة والاستعداد للنصر أو الشهادة، كما استخدمت في إعطاء التعليمات والقواعد العامة أثناء المعركة، والإشادة بالأهالي, ومخاطبة جنود الاحتلال بالعبرية. وقد كان منظر الشباب الذين يحملون مكبرات الصوت كحدَّاية في عرس فلسطيني يرد الواحد على الآخر بعبارات حماسية.

كما كان هناك مكبرات صوت مثبتة على سيارات متحركة أيضاً  تبث الأغاني الوطنية والثورية، مثل: “وين الملايين؛ لبِّي لبِّي الصوت.. الأقصى كبَّر؛ يا شارون يا لعين إحنا مخيم جنين،” …. وغيرها. وكانت هناك فرقة من الأخوة المدنيين بقيادة الأخ عبد الرحمن-أبو أنس تدق الطبول والصنجات النحاسية وتحمل رايات للأولياء الشاذلي والجيلاني والسيد البدوي، وتكبر وتهلل وتتحرك في الشوارع والأزقة تحض على الجهاد والنضال وفضل الشهادة. كما كان الأسير أحمد أبو جلدة يقود مجموعة من الأشبال تلقي ألعاباً ضوئية ونارية في الهواء في جو من الفرح حتى تشعر قوات العدو المتقدم من المحاور الأربعة بأننا جاهزون غير مبالين لجيشهم وقوتهم، وحتى تدب الرعب في نفوس جنوده وقواته، هذا بالإضافة إلى إشعال نيران في مناطق مختلفة من المخيم لإرهاب العدو، بعضها من بقايا الأشجار والخشب، وبعضها من إطارات السيارات، بعضها “للتدفئة” وآخر لترهيب العدو وتغطية الأجواء في محاولة أشبه بقنابل الدخان والتعمية الحديثة.

مشاهد الأهل والعائلات والأخوة كل يودع الآخر مع بكاء من الكبار ومحاولة المقاومين حبس الدموع: هناك من يناقش أخاه ويطالبه بالخروج من المخيم، والآخر يقنعه بأن الأعمار بيد الله وأن الشهداء أعلى درجة في جنات الخلد.
ويقول أحد الرفاق، واسمه إياد العزمي، مبتسماً: “إن غسان كنفاني، ومن بعده الحكيم جورج حبش، قال: إحذروا الموت الطبيعي وموتوا شهداء.” ومقاوم يقبل يد والديه، ولا يطلب منهما إلا الرضى عنه: والده متأكد من استشهاده، ويقول: “تعودنا على الشهادة رحم الله أخوك الشهيد. إنا لله وإنا إليه راجعون.”

وأشبال، بقيادة شبل يُدعي “الزعبور” يقومون بحركات بهلوانية وشقلبات فرحاً بقرب الهجوم, وآخرين يبحثون عن “الأكواع” والسلاح. ومشاعر العزة والفخر والكرامة والفرح والحزن والحيرة…كلها تتجاوب في نفوس المقاومين وأهل المخيم، والكل يتسابق للقاء ومواجهة المحتلين في أجواء باردة فيها ضباب خفيف ورذاذ مطر, والمقاومين، حول النار، يتبادلون الكلام عن أسحلتهم, ورصاصهم، ولباسهم، وآخر النكات عن “أهداف” المقاوم محمد النورسي، الأسير السابق، الذي لم يتوقف لحظة عن التوصية ببناته الأربعة بعد استشهاده، والذي استشهد، بالفعل، في الليلة العاشرة من المعركة.

وفي هذه الأجواء،

أذكر كيف قام زياد العامر ( قائد كتائب شهداء الأقصى، الذي استشهد لاحقاً ) بجولة تفقدية للمقاومين في الحارات والشوارع, وكل سمات وجهه تدل على قرب استشهاده، ويودع أخوته منتشياً سعيداً بالتجهيزات والتكتيكات التي تم وضعها. وقد كان هو من اقترح خطة “من بيت لبيت,” وفتح الطاقات في المنازل للقناصة، وأكياس الرمل والسواتر في الأزقة… وفعلا كان العامر أول الشهداء بعد أن أخذ بثأره من جندي صهيوني قنصه بسلاحه “الناتو” الذي اشتهر به قبل استشهاده، وبعد خروجه من السجن إذ كان محكوماً بمؤبد منذ الانتفاضة الأولى وحرر من السجن في العام 1994.

أما نضال النوباني، البطل الخفي الذي رفض الانسحاب التكتيكي من المخيم في شهر آذار، فهو كعادته مقاتل صامت لا يتكلم كثيراً، ولكن عينيه الحربيتين تتكلمان وتخبران الكثير: رجل مقاوم شرس، لا يعرف التراجع أبداً, صادق, مثقف, صاحب رأي ومشورة, وسيقود في اليوم التاسع عملية الكمين القاتل-المبارك الذي قتل فيه ثلاثة عشر جندياً صهيونياً، وأصيب آخرون، فيما استشهد النوباني وهو منسحب بكل ميداليات الجنود وهوياتهم.
وأما الشيخ 
رياض بدير، ذي السنوات السبع والخمسين، فهو القادم إلينا من طولكرم يهاتف ابنه سيد قطب، حقيقة لا مجازاً، ويقول له: “هذي هي الوحدة، هذي هي المقاومة.” ويتصل بزوجته ويقول لها: “بعدك ما اترملتي، أنا شهيد شهيد!”

أما النساء، فكن يخبزن ويطهون الطعام ويعددن الشاي والقهوة في كل حارة وحي وشارع وزقاق، يخرجن عليك من كل باب وشباك، الكل يريد بركة المقاومين وكأنهن يدركن بأنهم مفارقين دون رجعة. الشهيدة مريم وشاحي (أم مروان)، أم الشهيد الشبل منير وشاحي, تزودك بالطعام على مدار الساعة، وتضع الطعام على رأس خشبة طويلة (لوح أو “مورينة” خشبية) لتوصلها إلى المقاومين دون أن يتم قنصها أو قنصهم في حال قطع الزقاقش.
وكانت تراقب قوات الاحتلال وجنوده في كل تحركاتهم.
أما أم الشيخ  
محمود أبو خليفة، الذي استشهد بعد المعركة وبعد قيامه بواجبه العسكري على نحو بطولي، فكانت تستضيف المقاومين في بيتها، حيث يستريحون، وتسهر هي طوال الليل على راحتهم: فهي أمك، تطعمك، وتغطيك، وتقرأ القرآن فجراً من أجل حمايتك، ودعواتها تجعلنا نقاتل ونواجه الأهوال بروح عالية. وأم أحمد (الستي)، تطبخ، و”تتكلم كثيراً” سلواناً للمقاومين، تشق الأزقة والشوارع لإحضار كل ما يحتاجونه… إنها لا تعرف الخوف.