حلمي موسى
كثيرون
في إسرائيل يؤمنون بأنها تسير في طريق يبتعد كثيرا عن ذاك الذي أرادوها أن
تسير فيه ويجزمون بأنه ليس الطريق الصحيح. وما لا ريب فيه أن هؤلاء وجدوا
ذخيرة في الدراسة التي نشرت مؤخرا وأفادت بأن الشباب الإسرائيلي أكثر فاشية
وأشد عنفا وأقل ميلا للديموقراطية وإيمانا بإمكان تحقيق السلام. ومن شبه
المؤكد أن نجاح أمثال أفيغدور ليبرمان في زيادة قوتهم واقترابهم من تحقيق
أملهم بتولي الحكم في إسرائيل، يشكل الكابوس الأكبر لدى من بقي عاقلا في
إسرائيل.
فبشكل متزايد يتعاظم دور اليمين الديني في الحياة العامة والجهاز
التنفيذي والقضائي. وفي الأسابيع الأخيرة دار النقاش حول أول مستشار للأمن
القومي في إسرائيل يعتمر القبعة الدينية، اللواء يعقوب عاميدرور ثم أول
رئيس شاباك يعتمر القبعة وهو يورام كوهين. وكان نائب رئيس الأركان يائير
نافيه، وهو يعتمر القبعة الدينية، على وشك تولي المنصب الأخطر في إسرائيل.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن قسما من هؤلاء تولوا مناصبهم بحث وتشجيع من كبار
الحاخامات أو قادة الأحزاب الدينية، وهو ما أثار الكثير من علامات التعجب
والسؤال.
وما القوانين الأخيرة التي شرع الكنيست بسنها، قانون النكبة وقانون
الولاء وقانون التجمعات السكنية، إلا دليل على الوجهة التي تتخذها إسرائيل.
فلا هدف لهذه القوانين سوى التمييز ضد المواطن العربي في الدولة العبرية
وحرمانه بشكل متزايد من حقوقه.
غير أن المشكلة الكبيرة التي تواجهها إسرائيل اليوم تتمثل أساسا في
المفارقة التي تظهر بها في العالم. فالدولة التي طالما ادعت أنها
«الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» وأنها «الامتداد الغربي في الشرق»،
هي الدولة التي تشكل دفيئة انتاج الفاشية الجديدة. فهي الحليف الأكيد
لجماعات التطرف اليميني في أميركا وأوروبا ولأشد تجلياتها المنظمة عنصرية.
ويجري هذا كله في الوقت الذي تتعزز فيه في العالم عموما وفي الغرب خصوصا
نزعة تعزيز الصلاحية الدولية للقانون الإنساني ورفض كل أشكال التمييز.
ويكفي أن ميل إسرائيل إلى الفاشية، الذي كان قائما طوال الوقت، لكنه اليوم
يترسخ بقوانين وقواعد سلوك معلنة، صار يشكل عبئا ليس فقط على أنصار إسرائيل
الدوليين وإنما أيضا على اليهود في المجتمعات الغربية ذاتها.
وإسرائيل التي تواجه اليوم ما تسميه خطر نزع الشرعية الدولية عنها
انتقلت بالتدريج إلى اعتبار هذا الخطر وجوديا. فإسرائيل هي الدولة الوحيدة
في العالم التي أنشئت بقرار من الأمم المتحدة لم يأخذ بالحسبان الواقع
القائم على الأرض ولا التاريخ الفعلي للمنطقة. ومع ذلك فإن «ديموقراطية»
إسرائيل ـ وخصوصا موقفها من مواطنيها العرب ـ كانت «شرطا» أساسيا لاعتراف
الأسرة الدولية بها.
واليوم مع اقتراب موعد الاعتراف العالمي بالدولة الفلسطينية في مجلس
الأمن الدولي أو في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، تدرك إسرائيل أن
شرعيتها «المشروطة» باتت على كفة الميزان. والواقع أن كل ذلك يجري فيما
النخبة التاريخية في إسرائيل تحذر من ذلك الاندفاع نحو الفاشية واليمين
والقائم على مبادئ القوة وميزان القوة في اللحظة الراهنة. وقد جاءت
الانتفاضات العربية لتزيد من خطورة هذا التحذير حيث تتزايد الرغبة في الكفة
الأخرى للهروب إلى الأمام.
وقاد ذلك إلى نوع من اليأس في صفوف من لا يزالون يؤمنون بالعقلانية.
وكتب أفيعاد كلاينبرغ قبل أيام في «يديعوت أحرنوت» عن كثرة مظاهر اليأس في
المجتمع الإسرائيلي. وأشار إلى أنه «كثر مؤخرا سماع اصوات اليأس في اوساط
معارفي واصدقائي. معسكر كامل تبنى لنفسه اليأس كموقف وجودي. كل شيء مقزز،
كل شيء مثير للاعصاب، كل شيء ضائع. وفي هذه الاثناء يمكن العيش بالطبع، بل
بشكل لا بأس به، لكن المستقبل أشد سوادا. وهم يسجلون واحدة تلو أخرى
القرائن على فقدان الامل: الجمود السياسي، أفول السياسة، الفساد والغباء من
حولنا».
وفي هذا السياق، تقع مقالة المفكر زئيف شترنهل حول اكتساب إسرائيل،
بحق، مكانتها كـ»مفارقة تاريخية». فإسرائيل الفاشية في العالم الغربي اليوم
تذكر الأوربييين بالمرحلة المخجلة من تاريخهم حينما كانوا مستعمرين
وعنصريين وعديمي القيم الإنسانية الحقة. وهو يرى أنه في وضع كهذا يصعب جدا
على الأوروبي أن يتعاطف مع إسرائيل أو يتفهم دوافعها.
فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أقرت بأشكال مختلفة بالظلم الواقع على
الفلسطينيين في مناطق الـ 48، لكنها في الواقع لم تفعل شيئا لإزالة هذا
الظلم من أساسه وإن حاولت تجميل بعض مظاهره. وما لا ريب فيه أن قصة الأرض
والهوية ظلت تكمن في أساس كل خلاف وفق إيمان صهيوني لا يتزعزع بأن معادلة
التعامل بين العرب واليهود في فلسطين ليست المواطنة، وإنما «ترسيخ /تبديد».
فكل ترسيخ لحق يهودي هو تبديد لحق عربي، والعكس صحيح.
وتحول هذه المعادلة دون قبول حكومات إسرائيل المتعاقبة بتساوي
المواطنين العرب واليهود أمام القانون، الأمر الذي يخلد الطابع التمييزي ذا
الطابع العنصري. ويزداد هذا التخليد عمقا مع تزايد إحساس العربي في فلسطين
بعروبته وتشديد إيمانه بحقه وإدراكه أن الحلكة الإسرائيلية ليست أبدية وأن
الفجر المضيء قادم لا محالة.
عندما يصير يهود أميركا، بشكل متزايد، لا يرون في إسرائيل موضع أمل ولا
بؤرة ضوء، تفرغ من «بطارية» إسرائيل شحنة لا تعوض أبدا. وعندما لا يؤمن
الشباب الإسرائيلي بإمكان تحقيق السلام فإنهم يقولون بتواصل المعركة.
وعندما تغدو إسرائيل الفاشية عبئا على الغرب ومفارقة تاريخية لدى المتنورين
اليهود، يمكن الإيمان بأن الأمل في فلسطين يكبر.
