حلمي موسى : فاقم العنصرية والفاشية الإسرائيليتين يزيد الشرخ مع النخب الليبرالية اليهودية في أميركا


أعلت إسرائيل مؤخراً من شأن خطر نزع الشرعية عنها وباتت تعتبره خطراً وجودياً. وألقت على شعبة الاستخبارات العسكرية مهمة جديدة وهي ملاحقة المنظمات اليسارية ومنظمات حقوق الإنسان التي تفضح إسرائيل وتطالب بمقاطعتها. وبين هذا وذاك لم تتورع عن اتهام كل من ينتقد إسرائيل وجرائمها في المنطقة باللاسامية ومحاولة تشكيل فرق إرهاب سياسي لكل من يجرؤ على الانتقاد. ولم يقتصر الأمر على ذلك فقط بل تعداه إلى إقرار جملة قوانين عنصرية، وأخرى قيد الانتظار، ضد المواطنين العرب في إسرائيل في محاولة لخلق ما يشبه نظام التفرقة العنصرية.
وبين الحين والآخر تحاول إسرائيل المحاججة بأن اليهودية، كدين، ترفض العنصرية وأن الصهيونية لكونها جزءاً من «الثقافة اليهودية المسيحية» (الغربية) ليست عنصرية وأن إسرائيل الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. ومع مرور الوقت اكتشف العالم هذه الأكذوبة ولم تضطرب إسرائيل لهذا الاكتشاف، فقد كان يكفيها أن تقف الولايات المتحدة، القوة الأعظم على الأرض، إلى جانبها. وسهل لها هذا التفكير وجود اليمين المتشدد والمحافظين الجدد في البيت الأبيض في عهد إدارة بوش.
وليس صدفة أن الرئيس بوش في حينه كان يرى حتى في الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز شخصاً لا يعرف مصلحة إسرائيل وأن الممثلين الحقيقيين لهذه المصلحة ليسوا سوى غلاة الليكوديين أمثال بنيامين نتنياهو. كما أن اليمين الأميركي المتطرف وجد، ولا يزال، في اليمين الإسرائيلي المتطرف خير حليف له، وهو ما قاد إلى استقبال أميرة «حفل الشاي»، سارة بالين في إسرائيل استقبال الملوك.
ولكن لم يكن بوسع هذه الأمور أن تمر من دون أن تترك أثراً. فالعنصرية اليمينية الأوروبية التي كثيراً ما تجلت بظاهرة حليقي الرؤوس وجدت ترجمة لها في معتمري قبعة الرأس اليهودية المنسوجة. وسرعان ما أخلت هذه الظاهرة الطريق لحليقي الرؤوس معتمري القبعة المنسوجة أيضاً. وكذلك أتاحت هذه الأجواء لسياسي مثل أفيغدور ليبرمان لأن يحتل مكانة مركزية في الحياة السياسية الإسرائيلية ويغدو وجهاً لإسرائيل في العالم.
وفي الأيام الأخيرة ظهرت في إسرائيل جماعة «سكين هيدس» اليهودية حيث انتشر عشرات الشبان من أنصار أفكار الحاخام العنصري، مئير كهانا، متماثلين مع حليقي الرؤوس في ألمانيا وبريطانيا وروسيا للتحريض على العرب. وبالطريقة نفسها يهاجم هؤلاء ضحاياهم من العرب في مناطق منعزلة أو يتجمّعون لمهاجمتهم في مناطق مشتركة.
ومن الطبيعي أن بين أول من تأثر بذلك اليهود في أميركا الذين ينتمي أغلبهم، بخلاف إسرائيل، إلى التيارين الإصلاحي والمحافظ في اليهودية وليس إلى الأرثوذكسية. وقاد هذا التأثر إلى حدوث شرخ يتزايد في صفوف اليهود الأميركيين الذين باتوا يشعرون أن إسرائيل تفقد مكانتها عندهم كأمل من ناحية وكموضع فخر من ناحية ثانية. فالتوجه الفاشي في إسرائيل لا يستقيم مع الميول الليبرالية التي نشأوا عليها والتي لا يطمحون لأن يعاملهم أحد بمثلها لا في أميركا ولا في أي مكان آخر. وهكذا بدأ السجال.
يكتب رئيس الكنيست السابق، أبراهام بورغ، في «هآرتس» متسائلاً عما إذا كانت اليهودية حقاً بحاجة إلى اللاسامية لبلورة هويتها الداخلية وعما إذا كانت إسرائيل تفاقم كراهية في العالم لتبرير سياستها. ويشير إلى أن معادلة الصهيونية واللاسامية ليست جديدة وهي تستند إلى مشاعر هرتسل من محاكمة درايفوس. ولكن اللاسامية اليوم في العالم ضئيلة مقارنة بما كان في الماضي، غير أن إسرائيل تضخمها في الغرب لتجعل منها «القبة الحديدية». وإسرائيل، في نظره هي من يخلط بين الانتقادات المحقة لإسرائيل وبين اللاسامية. فاتهام الآخرين باللاسامية يشعر إسرائيل بالطهارة والنقاء ويزيد حسابها من المظلومية وبالتالي الافتخار بالبقاء، رغم «أن العالم بأسره ضدنا».
وتعرض مقالة نوعم شيزاف في «هآرتس» أيضاً حجم الشرخ الواقع بين إسرائيل ويهود أميركا والذي يزداد توسعاً، حسب الكاتب. ويقدم نوعاً من القراءة التاريخية لأسباب غض اليهود طرفهم في الماضي عن سلوكيات إسرائيل، ليس فقط تجاه العرب، وإنما أيضاً تجاه الحلبة الداخلية وكيف عادوا للتحديق بها. ويبين أن تنامي التطرف الديني في إسرائيل «الأرثوذكسية» مسّ أيضاً بالتيارات الدينية الأخرى وأن بروز رأس الفاشية، مثل ليبرمان وحزبه، بددا عوامل الافتخار وأن الجرائم ضد غزة، مثلاً، أبعدت الكثيرين عن إسرائيل.
وتبين نيف هداس في «هآرتس» أن هوليوود باتت أحد أبرز مواقع محاربة اللاسامية في العالم ولكنها صارت أكثر تقبلاً لانتقاد إسرائيل، خصوصاً إذا جاء الانتقاد من جهات قوية. ويبرز بين منتقدي إسرائيل على وجه الخصوص من هم يهود أو يمثلون منظمات يهودية. وتزايد الانتقاد لإسرائيل بعد الانتفاضة الأولى وجراء إنشاء الجدار الفاصل الذي ابتلع أراضي الفلسطينيين وأيضاً في أعقاب حرب غزة.
وبين أبرز مظاهر التحول عن إسرائيل في أوساط الطائفة اليهودية في أميركا نشوء منظمة «جي ستريت». فهذه المنظمة التي تدعو لحل الدولتين وتناهض الاستيطان وترفض أخذ المواقف الرسمية الإسرائيلية كمسلمات، صارت تتوسع باضطراد وتكسب جمهوراً متزايداً. ومن المؤكد أنها تأخذ من ذلك الحساب المفتوح الذي كان لـ«إيباك» ولـ«الرابطة ضد التشهير» اللتين كانتا حتى وقت قريب تسيطران على المزاج اليهودي العام في أميركا.
بالإجمال، في الجهة الأخرى تحدث أيضاً أمور لا ينبغي عدم ملاحظتها حتى في ذروة اهتمامنا وانشغالنا بما يحدث بين ظهرانينا.