سارعت حكومة بنيامين نتنياهو إلى توجيه أصابع الاتهام لسلطة محمود عباس في
رام الله في العملية التي استهدفت عائلة مستوطنين في واحدة من أشد
المستوطنات تطرفاً في الضفة الغربية وهي «إيتمار». ولم تفاجئ حملة نتنياهو
هذه أحداً في الواقع لأنها تقع في صلب الصراع، المتعدد الأوجه، القائم بين
إسرائيل والفلسطينيين، المعتدل منهم والمتطرف. ففي ظل احتدام الثورات
العربية ومخاوف إسرائيل من المستقبل، وفي ظل اعتبار الشهور المقبلة فترة
حسم سياسي تحاول حكومة نتنياهو تسجيل نقاط ضد السلطة الفلسطينية.
فالموقف الإسرائيلي من المقاومة الفلسطينية، خصوصاً المسلحة، معروف.
وهي لن تكسب شيئاً بالتركيز على فصائل المقاومة أو على الشعب الفلسطيني
ولكنها تحاول كسب المزيد من خلال تركيزها على السلطة. فالسلطة موضع اهتمام
من جانب القوى الدولية وبالتالي فإن كل خسارة تصيبها في هذا الجانب توفر
لإسرائيل متنفساً ولو محدوداً في الحلبة الدولية. وثمة قيمة عالية لهذا
الكلام بالذات في وقت احتلت فيه مساعي نزع الشرعية القانونية والسياسية عن
إسرائيل وسلوكياتها موضعاً هاماً في الصراع القائم.
والواقع أن «عملية إيتمار» كشفت عن الواقع البالغ التعقيد الذي يعيشه
الصراع العربي الإسرائيلي. فالتغييرات الجارية في المنطقة العربية والتي
تولد الأمل بغد أفضل لشعوبها لا تنعكس على إسرائيل إلا سلباً. كما أن
الواقع الذي كان قائماً في المنطقة سمح لإسرائيل بممارسة اللعبة وفق قواعد
وضعتها هي ولفائدتها. وتركزت تلك اللعبة في حماية دور الأنظمة العربية ضد
مصالح شعوبها وبشرط ضمان التأييد أو الصمت الأميركي إزاءها.
وقد أنتج هذا الواقع منظومة استيطانية تتصرف أصلاً وفق قواعد الاستيطان
الصهيوني الأصلية، ولكن هذه المرة تحت ستار «الديموقراطية الإسرائيلية».
وأتاح ذلك بناء العشرات من المستوطنات «غير الشرعية» وتطويرها والأهم تسييد
قواعد الظلم للفلسطينيين فيها. ورغم مطالبات كثير من القانونيين في
إسرائيل بمنع استمرار وضع يكون فيه إسرائيليون تحت قانونين في الوقت ذاته،
تجنبت الحكومات إخضاع «الغرب المتوحش» الاستيطاني لـ«القانون الديموقراطي».
ومن المؤكد أن اليمين الإسرائيلي المهيمن راهناً على الحلبة
الإسرائيلية استفاد جداً من هذه الفجوة، رغم أن ما كان يُعرَف باليسار
الحاكم سابقاً في إسرائيل كان أول من ابتدعها. ولذلك يمكن ملاحظة أن «عملية
إيتمار» أعطت حكومة نتنياهو فرصة للتعبير عن نفسها في اتجاهين: الأول
الإيحاء بأنها والشعب الإسرائيلي ضحية «إجرام وحشي» من جانب الفلسطينيين،
والثاني أن ليس هناك ما يمنع مثل هذا الإجرام سوى المزيد من الاستيطان.
ويمكن أن لا نجد اليوم كثيرين في العالم الواسع ممن يجهلون أن الاحتلال
الإسرائيلي هو أساس الإجرام وصورته الأبهى في هذا الزمن. والأدهى أن
الاستيطان الإسرائيلي وشريعة الغاب التي يكرّسها في التعاطي مع الفلسطينيين
باستلاب أرضهم ومصادرة مستقبلهم هو منشأه الإنتاج الأوسع لـ«المجرمين».
وقد كرّس المستوطنون في «إيتمار» مثل غيرهم ما أسموه سياسة «شارة الثمن»
والتي تفرض جباية ثمن باهظ من المدنيين الفلسطينيين جراء كل عمل يستهدف
المستوطنين. وتراوحت هذه الأثمان بين القتل والإصابة وحرق البيوت والمساجد
وقطع الأشجار وتخريب المنشآت.
ومن المؤكد أن «شارة الثمن» ليست ابتداعاً من جانب المستوطنين وإنما هي
استمرار لسياسة إسرائيلية ثابتة من الخمسينيات وحتى اليوم لتنفيذ عمليات
انتقامية. والحقيقة أن حكومة نتنياهو تحاول مواصلة هذه السياسة اليوم
بإعلانها عن المصادقة على إنشاء 400 وحدة استيطانية في نوع من «الرد
الصهيوني» على «عملية إيتمار». غير أن هذا الرد ليس ما يطلبه المعارضون
أصلاً لأي نوع من التسوية السياسية أو حتى لفكرة التريث لرؤية ما تحمله
التطورات الإقليمية والدولية.
فوزير الداخلية، زعيم حركة شاس، إيلي يشاي طالب ببناء ألف وحدة
استيطانية رداً على كل قتيل إسرائيلي. وهو ليس وحيداً في ذلك إذ أن
الليكود، مثلاً، يطفح بأمثاله في حين أن أحزاب اليمين الأخرى أكثر تطرفاً.
وثمة بينهم من يطالب ليس فقط بشن حملة إعلامية على السلطة الفلسطينية وإنما
أيضاً بحلها وضم الأراضي المحتلة. وهناك من يطالب بترك المناطق التي تسيطر
عليها السلطة من أجل إفساح المجال لحرب أهلية فلسطينية تراقبها إسرائيل من
بعيد.
ولا يمكن فهم كل هذه المسائل من دون التذكير بأنه إلى ما قبل يومين كان
الحديث يدور حول خطاب بار إيلان 2 أو إطلاق مبادرة سياسية جديدة. فقد رأى
كثيرون أن على إسرائيل التحرك من أجل مجابهة التغييرات الإقليمية والدولية
وإطلاق خطاب يرضي الغرب عموماً وأميركا خصوصاً. وينبع هذا الرأي لدى عدد
منهم من قناعة باستحالة تحقيق السلام مع العرب ولكن من ضرورة المحافظة على
التعاطف الغربي مع إسرائيل.
وقد أجاد دان مرجليت في «إسرائيل اليوم» تصوير هذا الرأي وتحديد الموقف
الفعلي من انتفاضات الشعوب العربية. فقد أشار وهو المقرّب إلى نتنياهو إلى
وجوب الخروج بمبادرة سياسية تقود إما إلى اتفاق مع الفلسطينيين أو إلى
زيادة التعاطف الغربي مع إسرائيل. وذكّر مرجليت الجميع بما سبق للشاعر
الصهيوني الأبرز ناتان ألترمان قد أشار إليه في ردّ فعله على الثورة
العراقية على الملكية عام 1958 حين أشار إلى أن هدم الباستيلات في الدول
العربية لا هدف له إلا سقوط حجارتها على رأس إسرائيل.
