الإعداد للجهاد في سبيل الله

إن مسيرة الجهاد وطريقه يشمل أبعاداً متعددة ، لذلك فإنه على المجاهد أن يستعد لهذا الطريق ويتأهب ويعدّ العدّة . يقول الله تعالى في كتابه العزيز: { وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل تُرهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } .

 

فما هي شروط الاستعداد لمسيرة الجهاد , وكيف يمكن أن يكون المجاهد قوة ترهب العدو ؟ وهل يستطيع المجاهد الذي يفقد الإمكانيات أن يواجه العدو المتسلح بالإمكانيات ؟

 

إن الاستعداد للجهاد يجب أن يكون شاملاً وكاملاً , ويجب أن تراعى فيه الجوانب الأربعة :

ـ الإعداد العقائدي .

ـ الإعداد الروحي والنفسي .

ـ الإعداد السياسي .

ـ الإعداد العسكري .

وكل واحدة من هذه الجوانب مرتبطة بالأخرى , وجميعها مطلوبة لتحقق الاستعداد الكامل الذي يؤدي إلى تحقيق النتائج الايجابية .

 

1.الإعداد العقائدي :

يجب أن ينطلق اندفاع الإنسان نحو الجهاد من منطلق الإيمان والعقيدة ، فإن عدم الإيمان بالقضية التي من أجلها يكون الجهاد يؤدي إلى عدم تحقق الأهداف ؛ فبقدر الإيمان بالقضية , يكون الاندفاع , وتكون التضحية لذلك , فإنه يتوجب على المجاهد أن ينطلق في جهاده على بصيرةٍ من أمره ومعرفة بأن الحقّ إلى جانبه .

لذلك فإن الإعداد العقائدي يجب أن يُبنى على أساس أن الجهاد لله وفي سبيل الله ومن أجل رضا الله عز وجل , ولهذا فإن الآيات القرآنية عندما تذكر الجهاد تقرنها بعبارة " في سبيل الله " { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله } .

 

فالمجاهد الذي يعرف أن جهاده في سبيل الله , ومن أجل رضوانه , يمضي قدماً في درب الجهاد , ولا يبالي بالموت إذا وقع عليه أو وقع هو على الموت .

 

إذاً إن الإعداد العقائدي يحصل عندما يؤمن المجاهد أن قتاله لله , وليس من أجل هدف آخر , وأن جهاده في سبيل الله , وليس في سبيل الدنيا ومصالحه الذاتية , وأن حربه من أجل رضا الله , وليس من أجل رضا أحد من العباد .

 

2.الإعداد الروحي والنفسي :

في هذا الجانب لا بدّ من توفر كل الصفات الحسنة والضرورية في الإنسان المجاهد مثل الشجاعة والإقدام والتضحية والصبر والحزم والمبادرة .

 

وهذا الإعداد يبدأ بالثورة على الذات وقبل مقاتلة العدو وغلبته , يجب أن يكون المجاهد بطلاً ومقاتلاً لنفسه الأمّارة بالسوء , لأن الذي لا يستطيع ردع نفسه , لا يمكن له أن يردع عدوه , كما أن الذي لا يستطيع التغلب على واقعه الذاتي , لا يمكنه إحداث التغيير في المجتمع والانتصار على العدو .

 

هذا ويبدأ الإعداد الروحي بحمل " همّ الجهاد " , حتى تكون النفس معدّة للجهاد في أي فرصة ، لكن تحمل همّ الجهاد وحده لا يكفي , ويجب أن يتحول هنا الهمّ إلى عمل ، فامتلاك روح المبادرة من الصفات المهمة الواجب وجودها عند المجاهد , وتتبعها صفة الصبر التي يجب تنميتها , لأن الجهاد يعني بذل الجهد , وبذل الجهد يحتاج إلى القدرة على التحمل والصبر ، ولذلك يقول الله عزّ وجلّ : { يا أيها النبي حرّض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } .

 

ومن الصفات الهامة الأخرى التي يجب على المجاهد تنميتها صفة الشجاعة , وهي كباقي الصفات تحتاج إلى التدريب .

 

وهنالك صفات كثيرة ضرورية وهامة للإنسان المجاهد , لكي يكون على أهبة الاستعداد نفسياً وروحياً , ومنها صفات الثبات والصمود والإقدام والحسم والحزم , والتي تجعل المجاهد مستعداً ومجهزاً لتحقيق الانتصار .

 

3.الإعداد السياسي :

" المؤمن العارف بأهل زمانه لا تهجم عليه اللوابس " ويعتبر هذا منطلقاً للإعداد السياسي الذي هو ضرورة حياتية ودينية لكل إنسان مؤمن ولكل عامل في سبيل الله وبالتالي لكل مجاهد .

 

وبالطبع فإن مِن أهل الزمان الذي يتوجب على المجاهد معرفتهم هم الأعداء ، فمن الواجب معرفة حجم قوتهم ونقاط ضعفهم وقوتهم وأساليبهم وأنواع أسلحتهم .

 

يجب أن يتعرف المجاهد على كل شي‏ء يخص العدو , حتى يحسب لكل شي‏ء حسابه , ولا يستطيع أن يعتبر أن العدة هي قوة لا تقهر ونفس الوقت لا يجب الاستهزاء بقدراته وكفاءاته .

 

من هنا لا يمكن للمجاهدين محاربة عدوٍ يجهلونه , ولذلك لا بد لهم من أن يصنعوا جزءاً من جهدهم للإعداد السياسي الذي يعني دراسة الطرف المقابل لهم وهو العدو يدرسونه ويدرسون تاريخه وإمكانياته ليرفعوا من مستوى جهادهم بالحجم الذي يمكّنهم منه .

 

وتكمن أهمية الإعداد السياسي في كونه يقرر سلفاً نوعية المواجهة في المعركة التي تخوضها الأمة مع الأعداء ، ولأن في الحياة الكثير من الأحداث والقضايا التي يحيطها الغموض ، فقد أكد الإسلام على ضرورة معرفة المؤمن للزمان والأحداث والتحولات التي تجري , لكي يتقي الضربات التي قد تأتيه من حيث لا يشعر ، والإعداد السياسي يجعل المجاهدين في حالة الحذر , وبالتالي يكونون في مأمن من النوائب المختلفة والأغوال المفاجئة .

 

4.الإعداد العسكري :

إن الإعداد العسكري ضروري للمجاهد في مواجهة العدو .. فلكي يُردع العدو ويُرد على أعقابه خاسئاً لا بدّ من إعداد القوة في شتى المجالات .

 

وليس هناك من دولة أو حكومة في العالَم لا تمتلك جيشاً تعده من أجل الحرب حتى ولو لَم تكن في حالة حرب ، فالجيوش تُنظم في وقت السلم لدخول المعارك في زمن الحرب . ولذلك فإن إعداد النفس وامتلاك القوة ضرورة للأمة في مواجهة الأعداء .

 

أما كيف يتم الإعداد العسكري , فهو يكون في جانبين :

ـ الإعداد النظري :

وهنا لا بدّ من معرفة الأسس والمبادئ العامة في مواجهة العدو ، ومعرفة طبيعة الأسلحة ونوعيتها وأسلوب الحرب النفسية وحروب الجبهات .

 

ـ الإعداد العملي :

 ويبدأ من نقطة الاهتمام بالسلاح والتعود على حمله واستخدامه .

 

والإعداد العسكري لا يكون فقط بالتعلم على الأسلحة وطرق القتال , وإنما يتطلب أيضاً الإعداد الجسدي , سواء في المحافظة على الجسد سليماً , أو في جانب تربيته وتنمية القدرات البدنية لديه , وفي هذا الجانب صفات ضرورية يجب تربية الجسد عليها مثل عدم توتر الأعصاب ، والسرعة والدقة والقدرة على التنسيق .

 

إن القوى الجبارة والأسلحة الفتّاكة لا يمكن ردها وإلحاق الهزيمة بها والتفوق عليها إلاّ بالعدّة والإعداد وامتلاك جميع شروط الاستعداد للمواجهة .