كتاب يكشف أسرار أزمة القيادة في الجيش الإسرائيلي

صدر كتاب أسرار أزمة القيادة في الجيش الإسرائيلي في ضوء الأزمة الأخيرة التي عصفت بـ"إسرائيل" على خلفية تعيين رئيس أركان جديد، وأحدث ضجة كبيرة في أوساط الجيش والحكومة ووزارة الدفاع، في ظل تناوله لهذه المشكلة، متطرقاً إلى أبرز الإشكاليات التي تواجه مستويات صنع القرار في الدولة الإسرائيلية عموماً، والجيش والمؤسسة العسكرية خصوصاً.

شهد تعيين القائد الـ20 للجيش الإسرائيلي صراعاً عنيفاً هز دوائر صنع القرار في تل أبيب على مختلف المستويات: السياسية والأمنية والعسكرية والقضائية والإعلامية، بعد توجيه اتهامات شديدة وغير مسبوقة للمرشح السابق لهذا المنصب يوآف غالانت بالاستيلاء على مساحات من أراضي الدولة، وضمها إلى منزله الشخصي.

وما قيل عن معركة شرسة خفية وصفت بأنها "غير أخلاقية" دارت رحاها على مدار سنين بين وزير الجيش إيهود باراك ورئيس الأركان السابق غابي أشكنازي، الذي اتهم بدوره بتدبير "مكيدة" بحق غالانت، الذي حظي بترشيح وثقة باراك.

وقدم مركز الزيتونة للدراسات والإستشارات عرضًا مترجمًا للكتاب الذي ألفه دان مرغليت ورونين بروغمان، وصدر عن دار النشر (زمورا بيتان) في "تل أبيب" بالعبرية وفي 311 صفحة هذا العام.

اتهامات مبتذلة ورخيصة
يصور الكتاب الأسرار التي أحاطت بهذه القضية "الفضيحة"، على أنها لا ترقى لمستوى شخصي فردي، لكثرة ما كانت "مبتذلة" و"رخيصة"،
فضلاً عن كونها عصفت بأقوى مؤسسة عسكرية في الشرق الأوسط، في وقت تعيش فيه الدولة تحديات عسكرية وأمنية، محلية وإقليمية ودولية، تتطلب من الجيش أن يكون في ذروة تماسكه، والتفافه خلف قيادة موحدة.

اعتمد المؤلفان في كتابهما على إجراء 120 مقابلة ولقاء، والحصول على مئات الوثائق الأصلية، من داخل الجيش ووزارة الجيشومكتب رئيس الحكومة، وآلاف المقتطفات الصحفية، وتزودهما بالعشرات من محاضر التحقيق التي أجرتها الشرطة العسكرية مع نخبة من قيادات الجيش وجنرالاته "المتهمين"، ولم يتلقيا الإجابة عن ستين سؤالاً طرحت على مختلف المحافل العسكرية والأمنية في الدولة!

ويؤكد المؤلفان أن كتابهما الذي احتوى كل هذه المصادر الأصلية، تعرض لهجمة غير مسبوقة من قبل الرقابة العسكرية، وضباط كبار وردت أسماؤهم فيه، طالبوا إما بحظر نشره بصورة كلية، أو على الأقل قص أجزاء منه، بدواعي الحفاظ على هيبة الجيش والدولة.

يؤكد الكتاب أن الفضائح التي ألمت بالجيش الإسرائيلي لم تبدأ خلال تعيين رئيس الأركان الأخير للجيش، بل إن ذلك جاء ليشكل ذروتها، في ضوء وجود سلسلة من التجاوزات والخروقات للأدبيات العسكرية التي وقعت في أهم وحدات الجيش وأخطرها، لاسيما فرقة "العمليات التنفيذية الخاصة" التي شهدت عدداً منها.

إلى جانب ذلك يكشف المؤلفان عن حالة من العداء والكره المتبادل الذي شمل مختلف مناحي وحدات وفرق الجيش، وشيوع أجواء من الضغينة والمكيدة التي بات كل جنرال يكنها لرفيقه المفترض، وسط غياب شبه كامل لسيطرة وزير الجيشعلى جيشه، فضلاً عن رئيس الحكومة الذي لا يعرف ما الذي يحصل داخله.

حرب جنرالات دامية
أكثر من ذلك، ينحو الكتاب باللائمة على جنرالات كبار في الجيش "تجاوزوا" القانون، وخاضوا معارك دامية مع جهاز الاستخبارات

الكتاب يستعرض جملة أخطاء وهفوات من كبار قادة الجيش العسكرية "أمان"، وجهاز الأمن الداخلي "الشاباك" لصالح تبرئة رفاق لهم، متورطين في قضايا فساد، وتنصت غير مشروع، وتكسب من وراء عملهم العسكري.
وفي حين يبدو الأمر كما لو كان الكتاب يتحدث عن "عصابة مافيا" ليس لديها أخلاقيات أدبية، وهياكل تنظيمية، يرصد تدخل زوجات بعض الجنرالات في عملية صنع القرار، وتفضيل ضابط على آخر، وعمل بعض الضباط الموعودين بترقيات كـ"مخبرين" في مكاتب وقواعد عسكرية لجنرالات يعتبرونهم "خصوماً" لهم، بحيث وصلت إلى زوجة أحدهم ما يقرب من 400 رسالة قصيرة خلال سبعة أشهر فقط، تتضمن معلومات حساسة وتحركات سرية لبعض المسؤولين العسكريين الكبار.

وفي محاولة من بعض الضباط لنفض المسؤولية عن عاتقهم في بعض الإخفاقات العسكرية، يؤكد المؤلفان أن أشكنازي حين كان قائداً للمنطقة الشمالية عام 2000، عاصر حادثة اختطاف ثلاثة من جنوده على يد أفراد حزب الله، وحين اتهم بالتقصير والفشل في حماية جنوده، اتهمهم بأنهم كانوا "تجار مخدرات"!

مثلث الصراع داخل هيئة الأركان
يستعرض الكتاب جملة من الأخطاء الإدارية والـ"هفوات" التنظيمية التي وقع فيها كبار مسؤولي وزارة الدفاع، والجيش الإسرائيلي، ومن ذلك ما وجهه وزير الجيش من كتاب شكر ورسالة تقدير للجنرال بوعاز هارباز، وهو لم يره في حياته، ثم يتبين لاحقاً أنه هو الجنرال ذاته الذي اتهم بتسريب وثائق من داخل أدراج كبار ضباط الجيش! وضابط آخر قام بإفشاء أسرار عرضت حياة الجنود للخطر، ومكائد أخرى بين مسؤولين عسكريين "ثقيلي العيار"!

ويرد كذلك كيف أن جنرالاً مرموقاً قام بتعيين ضابط مقرب له في مكتب وزير الجيش"جاسوساً" له، ينقل له الأخبار، ويسرب له القرارات السرية!

كما يكشف المؤلفان عن "اقتطاع" بعض الجنرالات لجزء من الموازنات المالية المخصصة لتنفيذ عمليات عسكرية سرية في سورية والعراق، وإنفاقها في قضاء نزهة آخر الأسبوع مع عائلاتهم وأطفالهم!.

ويتطرق الكتاب بالتفصيل لما أسماه "أطراف مثلث الصراع" على منصب رئيس الأركان الإسرائيلي، حيث وجد كل طرف السند والدعم من أطراف أخرى، ففي حين عثر غالانت على ضالته في وزير الدفاع، إلا أن آيزينكوت وجد دعماً غير محدود من ضباط المؤسسة العسكرية، فيما حظي بيني غانتس رئيس الأركان الحالي بدعم جماعات اللوبي الإسرائيلي الأمريكية، وعلى وجه الخصوص المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي، ومنظمة الإيباك، وبقية الأطراف المعنية بشؤون العلاقات الخاصة الأمريكية - الإسرائيلية، إضافة لرموز المؤسسة العسكرية الأمريكية (البنتاغون).

ويكشف المؤلفان عن سر إبقاء غالانت في منصب قائد القيادة الجنوبية لخمس سنوات، عن أنه كان أمراً مقصوداً، فقد تعمد أشكنازي عدم إتاحة الفرصة له، أو إفساح المجال لتوليه أي منصب قيادي جديد، بل سعى لعرقلة منحه أي وسام أو مزايا تقديرية لدوره في عملية الرصاص المسكوب ضد غزة.

ويقول الكتاب: لقد سعى أشكنازي لتحميل غالانت المسؤولية عن الإخفاقات التي حدثت في الحرب على غزة، على أساس أن الأخير هو من أشرف على تخطيط العمليات وتنفيذها ميدانياً.

وفي خضم تراشق الاتهامات، وتراكم الشائعات حول هؤلاء الضباط، يخلص الكتاب إلى أنها صحيحة كانت أم كاذبة، تلحق ضرراً فادحاً بسمعة الجيش الإسرائيلي، وتمس ثقة الجمهور الإسرائيلي به، وتخلق نوعاً من المنافسة الرخيصة داخله.

مؤلفان حافلان
نال الكتاب تلك الهالة والضجة التي حظي بهما، انطلاقاً من أن مؤلفيه ليسا عاديين، بل هما من كتاب الأعمدة اليومية في الصحافة الإسرائيلية، ويقدمان معاً برنامجاً تلفزيونياً إخبارياً، ويمتلكان صلات وعلاقات عالية المستوى داخل الحكومة والجيش.

المؤلف الأول رونين بروغمان، 39 عاماً، صحفي مشهور، ورجل تلفزيوني، درس القانون في جامعة حيفا، وعمل محامياً لبعض الوقت، ثم حصل على الماجستير في العلاقات الدولية، ثم الدكتوراه في التاريخ من جامعة "كامبردج" في بريطانيا، حيث كانت رسالته للحصول على الشهادة في "تاريخ العلاقات الأمنية والاستخبارية بين إسرائيل وإفريقيا".

وتنقل في كتاباته الصحفية بين صحيفة العالم اليوم ثم هآرتس، والآن يكتب بصورة دورية في يديعوت أحرونوت، ومعروف عنه تخصصه في التحقيقات الأمنية والمقالات الاستخبارية، وقضايا الحروب في الشرق الأوسط، مما دفع جامعة "كامبردج" لترشيحه لعضوية مشروع "الدراسات الأمنية"، حيث يحاضر في عدد من الجامعات الإسرائيلية والبريطانية في هذه الموضوعات.

وقد اكتسب شهرته من كشفه لعدد من الأسرار الخاصة، لا سيما صفقات تجارة الأسلحة لإيران، والحسابات البنكية لياسر عرفات، والعميل المصري المزدوج خلال حرب أكتوبر 1973، أشرف مروان، وحصل على جوائز محلية وعالمية بهذا الخصوص، ومن كتبه الشهيرة: عملية أوسلو والسلطة الفلسطينية، حرب الغفران وزمن الحقيقة، الحرب الاستخبارية لإسرائيل ضد إيران وحزب الله، المعركة السرية لإسرائيل لاستعادة جنودها الأسرى.

أما المؤلف الثاني دان مرغليت، 73 عاماً، فهو صحفي قديم، وذو خبرة طويلة، تزيد على الأربعة العقود، وقد حصل على الشهادة الجامعية الأولى من الجامعة العبرية حول تاريخ الديانة اليهودية، وقد اكتسب شهرته من كشفه لأسرار الودائع المالية لإسحق رابين حين كان سفيراً إسرائيلياً في واشنطن، مما دفع به للاستقالة، التي رفعت أسهم مرغليت عالياً بين الصحفيين.

يقدم برنامجاً تلفزيونياً بعنوان "مساء جديد" في التلفزيون الإسرائيلي منذ سنة 1982، كما كتب في صحيفة هآرتس، ثم عمل محرراً لصحيفة معاريف، ويكتب اليوم في صحيفة إسرائيل اليوم، وأجرى مناظرات تلفزيونية بين مرشحين إسرائيليين لرئاسة الحكومة، معروف عنه مواقفه اليسارية.

وقد دعم بقوة إقامة جدار الفصل في الضفة الغربية، وأيد خطة الانفصال أحادي الجانب عن قطاع غزة، لكن يشكك في إمكانية قيام سلام حقيقي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ومن كتبه الشهيرة: معركة البيت الأبيض، مظليون في السجن السوري، وحدة الكوماندو 101، علاقات خارجية.