مجزرة "الإبراهيمي".. ذاكرة محفورة بالدم

تغصُّ ذاكرة مدينة الخليل بمآسٍ لا تنسى وويلات تركتها اعتداءات المستوطنين على السكان، والتي تكللت بالمجزرة الدامية التي نفذت بحق مصليها في الحرم الإبراهيمي الشريف بالمدينة فجر الخامس والعشرين من فبراير 1994م.

 

وما تزال إفرازات المجزرة التي نفذها المستوطن باروخ غولدشتاين تؤّرق المدينة وأحياءها وسكانها الذين يتجاوز عددهم مائتي ألف نسمة، جاعلة من حياتهم جحيما لا يطاق بفعل السياسات التهويدية التي أعقبت المجزرة.

 

وكانت أبرز إجراءات الاحتلال بعد المجزرة تقسيم الحرم واقتطاع جزئه الأكبر للمستوطنين، وتقطيع أوصال المدينة وإغلاق أجزاء كبيرة من أسواقها، ناهيك عن إغلاق شارع الشهداء الذي يعد عصب الحياة الرئيسي للمدينة.

 

يضاف إلى ذلك مواصلة المستوطنين لاعتداءاتهم بحق السكان في المناطق القريبة من البؤر الاستيطانية الجاثمة في قلب المدينة، وعمليات المصادرة والتوسع والحرب المتزامنة التي يشنها جنود الاحتلال، لتمسي أحياء المدينة القديمة أشباحا يرتع فيها غلاة المستوطنين.

 

ويستذكر الفلسطينيون اليوم بقلوب دامية تلك المجزرة التي ارتكبها المتطرف غولدشتاين واستشهد فيها 29 مواطنا فلسطينيا، وأصيب عشرات آخرين أثناء تأديتهم صلاة الفجر في باحة الحرم الإبراهيمي الشريف.

 

تضييق على الحياة

الناشط في تجمع شباب ضد الاستيطان هشام الشرباتي بيّن لـ"صفا" أن كافة إفرازات المجزرة تمس حياة الفلسطينيين في الخليل من خلال الإجراءات التي تسلكها سلطات الاحتلال على الأرض منذ اليوم الأول للمجزرة حتى هذا اليوم، فأغلق سوق الخضار المركزي، وشارع الشهداء، وحظر الحركة.

 

ويضيف أن إجراءات الاحتلال بحق الفلسطينيين بدأت منذ لحظة تنفيذ المجزرة، وكان أول رد إسرائيلي بأن منع نقل الجرحى إلى المستشفيات، ولاحقهم في باحات المستشفيات، وأطلق النار على المواطنين أمام المستشفيات وأثناء تشييع الشهداء ما أدى إلى سقوط مزيد من الشهداء وقتها.

 

ويتابع الناشط الشرباتي أن آثار المجزرة تتواصل حتى اليوم من خلال إغلاق 520 محل تجاري بأوامر عسكرية إسرائيلية، بالإضافة إلى 800 محل آخر تحول إجراءات الاحتلال دون فتحها من خلال التضييق على أصحابها، وتنقل البضائع والتضييق على ارتيادها من قبل السكان.

 

وفي منطقة اتش 2 من المدينة، ما يزال يجثم ما يقارب مائة حاجز عسكري وبوابة حديدية وطريق مغلق، بالإضافة إلى المعيقات على الحركة التي يضعها الاحتلال والتي حولت حياة المواطنين الفلسطينيين إلى جحيم.

 

ويقول الشرباتي: "إن أي إنسان موضوعي في العالم لن يقبل ما يمارسه الاحتلال داخل مدينة الخليل"، متمنيا أن يأتي سفراء الاحتلال الإسرائيلي إلى بالخليل وينظروا بموضوعية إلى ما يحل بسكانها من أضرار ناتجة عن إجراءاته التعسفية.

 

إجراءات عنصرية

ويتساءل هل يحق لحفنة من المستوطنين العيش بامتيازات من الأمن والحماية والحقوق على حساب أكثر من مائتي ألف مواطن فلسطيني، واصفاً إجراءات الاحتلال تلك بالعنصرية.

 

ولفت إلى أن سكان الخليل يدفعون ثمناً غاليا نتيجة وجود المستوطنين الذين لا يتجاوز عددهم الـ(500) مستوطن ويعيثون فيها فسادا.

 

ويعد الناشط في التجمع ما يجري بمدينة الخليل شكلا من أشكال التمييز العنصري، من خلال التمييز بين الفلسطينيين واليهود فيما يتعلق بالمعاملات والقوانين بسبب الدين، مؤكدا على أن إجراءات الاحتلال هذه بدأت منذ اليوم الأول الذي وطئت أقدامه على أرض فلسطين.

 

ويوضح أنَّ الحكومة الإسرائيلية الحالية هي الحكومة الأكثر يمينية وتطرفا في تاريخ "إسرائيل"، وتعد من أكثر الحكومات دعما للمستوطنين، وأضاف أن لها أطماع استيطانية أخرى في دول عربية مجاورة وهذا ما يجب أن يستيقظ له العرب لأن الصراع ليس فلسطيني إسرائيلي فحسب.

 

وأكد أن المطلوب من العالم الوقوف وقفة جادة وتوعية بما يقوم به الاحتلال، لأن هناك خطر يستهدف أكثر مدينتين قدسية في فلسطين وهي القدس والخليل.

 

تقسيم الحرم

أما مدير أوقاف الخليل زيد الجعبري، فيوضح لـ"صفا" أن سلطات الاحتلال شكلت لجنة للتحقيق بالمجزرة تدعى "لجنة شمغار"، والتي قضت بتقسيم المسجد الإبراهيمي بين المسلمين واليهود، وقررت منح اليهود الجزء الأكبر من الحرم.

 

وتابع أن الفلسطينيين كذلك يمنعون من الوصول إلى أغلب باحات الحرم الإبراهيمي، ونصب حواجز عسكرية وبوابات الكترونية في محيطه تعرقل حركة وصول المواطنين الفلسطينيين لأداء الصلاة داخله.

 

ويؤكد بأن الفلسطينيين لا يعترفون بهذه اللجنة الإسرائيلية، واصفاً قراراتها بالعنصرية والتي أسهمت بشكل كبير في تردي الأحوال بالنسبة للحرم الإبراهيمي وتضييق الخناق عليه ومواصلة الاحتلال إجراءاته في محيطه وداخله.

 

خطط تهويد

وفي وقت متزامن مع ذكرى المجزرة، أعلن نائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني أيالون, أنه بصدد ترتيب زيارة للسفراء الجدد في الكيان الإسرائيلي إلى مدينة الخليل لإطلاعهم عما أسماه مواقع ( التراث اليهودي) بما في ذلك الحرم الإبراهيمي.


وقال أيالون وفقا لما نقلته صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية: "إن ذلك يأتي في سياق مبادرة مشتركة بينه وبين وزير الخارجية أفغيدور ليبرمان ", لافتاً إلى أن السفراء سيلتقون طلبة إسرائيليين من مستوطنة كريات أربع القريبة من المدينة.

 

وأضاف أن الخطة تهدف لإطلاع السفراء على المواقع الأثرية في مدينة الخليل لتوضح للعالم أننا على حق في تاريخنا ". على حد قوله.


وأشار إلى أن وزارته ستقوم بعدة جولات في مدينة الخليل, لإطلاع السفراء والسياح على تاريخ إسرائيل وإلقاء المحاضرات للطلبة الإسرائيليين عن المدينة.


وكان وزير التعليم الإسرائيلي جدعون ساعر أقر في اجتماع لممثلي وزارته قبل أيام، مشروعا لزيارة الطلبة الإسرائيليين إلى مدينة الخليل, وإدراج المدينة في المناهج التدريسية للطلبة الإسرائيليين.