لم يغب المشهد ، جموعٌ من المصلين المسلّمين وجههم شطر المسجد الحرام في صلاة الفجر بمختلف الأعمار ، صغاراً وكباراً ، شيوخاً وشيباً وشباباً في الحرم الإبراهيمي بالخليل ، وقفوا متراصين متزاحمين متراحمين فيما بينهم ، متحابين بالله ، تواقين لرحمة رب غفورٍ رحيم ، وقد إستحضروا نية الصلاة التي كتبت عليهم كما كتبت على اللذين من قبلهم ، قرؤوا فاتحة الكتاب وسجدوا لله خشوعاً وطلباً للمغفرة والرجاء بقلوبهم الصافية والطاهرة وقد توضئوا مبتسمين في وهج اليوم الخامس عشر من رمضان ، شهر المغفرة ، شهر الرحمة ، شهر التعاضد والتكاتف والحب والإخاء والمغفرة والرحمة والعتق من النار ، وما إن دخلوا الى المسجد وسجدوا لله أولى سجداتهم طوعاً وتضرعاً وعبادة حتى باغتهم مستوطن إستوطن الحقد في قلبه وعقله وأخذته عنصريته ونازيته الصهيونية الى حد الجنون وكان ما كان من مشهد دموي ، رشاشٌ يصوب نحو المصلين المحتدشين في صفوف الصلاة داخل المسجد ، طلقات متتاليه لا تعد ولا تحصى ، رشاش بيد مستوطن إستوطن الحقد والغل قلبه فشرع باطلاق الرصاص في كل إتجاه على المصلين العزل الصائمين الساجدين لله فسقط الشهداء والجرحى وإمتلأت ساحات المسجد الابراهيمي بالدماء وخرجت صيحات المصلين وصرخات النجدة من كل إتجاه على مرآه من جنود الاحتلال الذين قابلوا صرخات النداء والاستجداء بضحكاتهم الصارخة الغير آبهَ لكل ما جرى والغير مكترثة لما تشهده ساحات الحرم الابراهيمي التي تحاصرة مجموعات من جنود الاحتلال الذين قاموا بتسهيل مهمة الأرهابي القاتل الذي قام بفعلته آنذاك.
لم يغب المشهد ، ظلت صورته عالقه في الأذهان لبشاعة ما جرى ، متطرف من الطراز الأول يقتحم الحرم الابراهيمي ويطلق نيرانه في كل إتجاه ، تحرسه أرتال من الجنود المدججين بكل أنواع السلاح ويسكنه الحقد ويستوطن قلبه العداء والكراهية وتسيطر النازية على عقله ، يملأ ساحات المسجد بالدماء ، جثث وأشلاء وصرخات استغاثة ودوي طلقات في كل اتجاه ، هكذا كان المشهد تسكنه النازية من كل اتجاه وتملأه صرخات الاستغاثة التي لم تجد من يغيثها طوال الوقت الذي كان فيه قطعان المستوطنين وجنود الاحتلال يحكمون سيطرتهم على المسجد من كل اتجاه.
لم يغب المشهد ، وقد استقبل المؤمنون يومهم بالصيام مستحضرين نية الصلاة والصيام مقبلين الى الله بقلوبهم الخاشعة ، وما أن وقفوا للصلاه حتى باغتهم ذلك المستوطن الحاقد وصب نيران رشاشة نحو المصلين الراكعين الساجدين لله ، وفعل فعلته وكانت رصاصاته تخترق أجساد المصلين في مشهد نازي لم تعرفه البشرية الا في العصور الفاشية فظل يطلق الرصاص حتى انتهى من فعلته وخرج بحماية الجند الذين راقبوا المجزرة وأخرجوه من المكان تحت حراستهم ولم يحركوا ساكناً بل قاموا بمنع سيارات الاسعاف من الوصول الى المكان واعاقوا حركة المواطنين كي تكتمل بشاعة المجزرة التي جرت بتخطيط وتنفيذ محكم .
وفي ذكرى المجزرة البشعة والتي ظل صداها حتى يومنا هذا وبقي الخوف يسكن المواطنين العزل في مواجهة قطعان المستوطنين المسلحين والمعبئين بالسلاح والحقد والكراهية وفي ذكرى المجزرة وما تبعته من اجراءات نازية وفاشية يعرفها كل من يقوم بزيارة المسجد الابراهيمي بالخليل ، وما نتج عنها من عقوبات فرضت على الفلسطينيين الذين يسكنون المكان ، فبدلاً من محاكمة الجاني ، وبدلاً من اخراج المستوطنين من شوارع الخليل الذين يرتكبون أبشع الممارسات بشكل يومي ومتكرر ، إتخذ الاحتلال مجموعة قاسية من الممارسات التي هدفها تفريغ المدينة من سكانها الاصليين ومنعهم من ممارسة شعائرهم الدينية بالاضافة الى منعهم من ممارسة اعمالهم اليومية واغلاق شارع الشهداء الذي كان من اهم شوارع المدينة التجارية ، وتم فرض قيود ظالمة لم تتوقف حتى يومنا هذا ، يشهد عليها العالم الذي بعث ببعثة دولية بصفة المراقب وقد سجلت عشرات الالف من الخروقات ولكن دون جدوى ولم تستطع حتى اليوم ان تنصف سكان المدينة الممنوعين من ممارسه حياتهم بهدوء.