دراسة :نفقات الامن في اسرائيل: معطيات ومعان

في منحدر العبء

نفقات الامن في اسرائيل: معطيات ومعان*

بقلم: شموئيل ايفن**

 

تقدير استراتيجي – المجلد 12 – العدد 4 – كانون الثاني 2010 .

** باحث في معهد أبحاث الأمن القومي.

 

        مقدمة

        ان حاجة دولة اسرائيل الى جهاز أمن قوي مسألة وجودية. من هنا تأتي ضرورة أن يخصص للأمن نصيب كبير نسبيا من ميزانية الدولة، قياسا بالمعمول به في أكثر دول العالم. مع ذلك الحاجة الى تحديد سلم أوليات وطني ينشىء نقاشا متصلا يتعلق بمقدار الموارد الاقتصادية المخصصة للأمن على حساب أهداف وطنية أخرى. في نقاش عبء الأمن تعرض مقاييس تعتمد على عناصر مختلفة لنفقات الأمن، ويكون للمتناقشين استنتاجات متضاربة. فمثلا قال البروفيسور عومر موآف، رئيس المنتدى الاستشاري لوزير الخزانة العامة: "تتفق وزارة الخزانة العامة وجميع خبراء الاقتصاد الاعضاء في المنتدى الاستشاري لوزير الخزانة العامة على أن ميزانية الأمن كبيرة جدا على الدولة وتعرض الاقتصاد الاسرائيلي للخطر". في مقابلته تقول شعبة الميزانيات في وزارة الدفاع ان نفقات الأمن لا تعرض للخطر احراز الاهداف القومية الاخرى وأن ميزانية الأمن تحتاج الى زيادة كبيرة لترد ردا مناسبا على التحديات الامنية.

        يفترض أن توجد الحكومة في هذا الوضع في معضلة: فاذا زادت ميزانية الأمن فقد تفضي الى انهيار الاقتصاد؛ واذا قلصت الميزانية فقد تقع بالدولة كارثة أمنية. هذا الجدل معروف للحكومة والجمهور ويتكرر كل سنة في اثناء النقاشات تمهيدا للتصويت على ميزانية الدولة. يعبر التخصيص النهائي على نحو عام عن مصالحة بين المواقف وليس هو بالضرورة نتاج نقاش مهني عميق.

        ترمي المقالة الى عرض معطيات نفقات اسرائيل الامنية والى ان تستوضح ما هي مقادير العبء الاقتصادي الامني على الجهاز الاقتصادي. أحد الاستنتاجات هو أنه قد طرأ انخفاض حاد في العقود الاخيرة على العبء الامني على الجهاز الاقتصادي، الى الدرجة التي كان عليها في مطلع الستينيات. فبخلاف الوضع في السبعينيات والثمانينيات، ميزانية الأمن في مستواها الحالي ليست فقط لا تعرض استقرار الاقتصاد للخطر بل ان تقليصها لن يفضي الى تغيير جوهري لمستوى الحياة والنمو في اسرائيل. لا تتناول المقالة جدوى جهاز الامن ومقدار الميزانية الامنية المطلوبة لاسرائيل.

       

الأمن كمنتوج

        الأمن هو خدمة تقدمها الدولة لسكانها الذين يطمحون الى حياة آمنة وادعة. يعد الأمن منتوجا عاما تقليديا. المنتوج العام هو منتوج يتمتع به المستهلكون بلا صلة بمشاركتهم في تمويله وانتاجه. ليس استعماله على نحو عام محصورا في عدد من الاشخاص لكنه محصور في مجال جغرافي. وهو غير قابل للتقسيم الى وحدات بحسب الاستهلاك مثل منتوجات عامة أخرى، ولذلك لا يمكن الحديث عن وحدة انتاج أمن وعن ثمن وحدة كهذه. كذلك يبدو أن الأمن "منتوج طبيعي": فاستهلاكه يزيد مع ارتفاع الدخل ومستوى التهديد.

        يصعب قياس المنتوجات الرئيسة لجهاز الامن في اسرائيل في مواجهة الاعداء الخارجيين لكنها واضحة: الدفاع عن سكان الدولة وعن أملاكها في مواجهة الحرب والارهاب والاعمال العدائية. قد يكون للاستثمار في الأمن تأثير في القدرة على منع الحروب والاعمال العدائية وموجات الارهاب – بواسطة الردع وفي القدرة على تقصير مدة الحروب ومضاءلة أضرار الحروب والعمليات الارهابية. في كل ذلك الاستعداد الأمني الصحيح لا يوفر المخاطرة بحياة البشر فقط بل الاضرار الاقتصادية الكبيرة الممكن أن تقع بالاقتصاد.

        ليست جدوى الاستثمار في الأمن مسألة وجودية فقط. فالبيئة الاستراتيجية غير المستقرة من جهة أمنية قد تضر بالاقتصاد. فمثلا في سنوات الانتفاضة الثانية الأربع خسر الاقتصاد نحوا من 12 مليار دولار بالنسبة للانتاج. وقدرت الخسارة من النمو المحتمل للاقتصاد الاسرائيلي للفرد 1800 دولار. لولا الاستثمارات في الأمن، التي مكنت من وقف موجة ارهاب المنتحرين الفلسطينيين لظل الجهاز الاقتصادي يتلقى أضرارا آخذة في الازدياد. على أثر ما قلناه آنفا، يمكن أن نرى نفقات الأمن استثمارا ايضا يرمي الى خفض مستوى الاخطار التي تتعرض لها الدولة. الى الانتاج المباشر، يوجد لجهاز الأمن اسهامات غير مباشرة في الجهاز الاقتصادي مثل "كونه مصدرا لا ينضب للعمال ذوي الخبرة، والمديرين والمبادرين (ولا سيما في فرعي التكنولوجيا والاتصالات)؛ واسهام في التطوير التقني؛ واسهام في التربية والاندماج الاجتماعي وغير ذلك.

        ان تكاليف انتاج الامن أوضح من أرباح الأمن. يمكن ان نستدل على ذلك بمعطيات الحسابات الوطنية التي تتناول الماضي، ومعطيات ميزانية الدولة التي تتناول المستقبل. يقدم المكتب المركزي للاحصاء عن معطيات الحسابات الوطنية تقريرا عن النفقة على الاستهلاك الأمني؛ وتبلغ الخزانة العامة في ميزانية الدولة عن ميزانية الأمن. الحديث مع ذلك عن مقادير لا تقاس على نحو متشابه وتكوينها غير متماثل. والى ذلك، الاستهلاك الامني وميزانية الامن لا يعبران عن كامل النفقة الامنية. لهذا يقتضي فهم معنى المعطيات معرفة تركيب هذه المفاهيم.

        عبء الأمن

        يمكن تعريف عبء الامن كما يلي: المصادر الذاتية للاقتصاد المخصصة لانتاج الأمن على حساب استعمالات اخرى، كنسبة من الانتاج العام او من جملة المصادر الاقتصادية للجهاز الاقتصادي (بغير مساعدة أمنية). قد يتغير عبء الأمن بتغير الاستهلاك الأمني او تغيرات للموارد التي يملكها الجهاز الاقتصادي. في أكثر دول العالم، يعبر هذا التعريف عن العلاقة بين النفقة على الأمن وبين الانتاج المحلي الخام او جملة  المصادر الاقتصادية للجهاز الاقتصادي، لكنه في الحالة الاسرائيلية يحتاج الى تفريق بين النفقة على الأمن التي يحتملها الجهاز الاقتصادي على كاهله وبين تلك التي تمول بمساعدة من الولايات المتحدة.

        مع ذلك توجد عناصر لا تشتمل عليها تعريفات دولية على أنها نفقة أمنية. لكن التكاليف في اسرائيل كبيرة بالقياس الى دول متقدمة في العالم، مثل: قيمة عمل جنود الخدمة الالزامية (ازاء اعتماد الجيش الاسرائيلي على التجنيد الالزامي). ان سؤال أي العناصر يجب شملها في النفقة الأمنية هو قضية أخرى تؤثر في أنواع المقاييس وتركيبها. فيما يلي ستعرض المقالة مقياسا يقيس عبء الأمن بمفاهيم الحسابات الوطنية المعمول بها، ومقياسا آخر يقيس "عبء الأمن الكامل"، الذي يشتمل ايضا على عناصر لا تشتمل عليها الحسابات الوطنية.

        فيما يلي سيعرض تركيب ميزانية الأمن، كما هو مفصل في ميزانية الدولة لسنة 2010. بعد ذلك سيعرض الاستهلاك الأمني على أساس "قياسات مسبقة للحسابات الوطنية لسنة 2009" نشرها المكتب المركزي للإحصاء.

        ميزانية الامن

        ميزانية الامن لسنة 2010 جزء من ميزانية الدولة للسنتين 2009 – 2010، التي اجيزت في 15 تموز 2009. تقف الميزانية على 53.24 مليار شيكل، هي 15.6 في المائة من ميزانية الدولة ، 6.7 في المائة من الانتاج العام.

        ميزانية الامن على نحو عام هي اطار لتمويل الاهداف الاتية:

 أ. بناء الجيش الاسرائيلي واستعماله وفي ضمن ذلك: الاستعداد والنشاط الجاري (النفقات على الاجور والطاقة والطعام والصيانة؛ وشراء قطع الغيار واحتياطي الذخيرة وغير ذلك) وزيادة القوة – استثمار في احتياطي الثروة الامنية (شراء وسائل قتالية، والبحث والتطوير وغير ذلك).

ب. التزام الدولة عن نشاط الماضي – تقاعد جهاز الامن ونفقات فروع التأهيل والعائلات الثكلى في وزارة الدفاع.

ج. نفقات مختلفة – النفقات على اقامة عائق على خط التماس، وضريبة المسقوفات عن معسكرات الجيش الاسرائيلي وغير ذلك – وهي نفقات ليست جزءا من نفقة النشاط العسكري نفسه.

        تتميز ميزانية الامن من ميزانيات المكاتب الحكومية الاخرى في المجالات الاتية:

أ‌.       تدار الميزانية على حسب مبدأ ميزانية اطار، اي أن جهاز الامن مخول ان يخصص مصادر الميزانية لمختلف المهمات بحسب حاجات متغيرة.

ب‌.  في مجال الامن، وبخلاف القطاع المدني، النفقة ذات الصبغة الاستثمارية ايضا تسجل على أنها استهلاك وعلى ذلك لا توجد فروع امنية في ميزانية تطوير الدولة..

ج. تمول ميزانية الامن في جزء منها بمساعدة من الولايات المتحدة خلافا لميزانيات مكاتب حكومية اخرى تمولها مصادر الجهاز الاقتصادي فقط..

د. تشتمل الميزانية على نفقة لدفع مرتبات التقاعد لتاركي جهاز الامن، قياسا بالنفقات على متقاعدين من مكاتب الحكومة الاخرى، المركزة في مادة ميزانية خارجية.

    عناصر ميزانية الامن بحسب مصادر التمويل:

أ‌.       ميزانية من مصادر الجهاز الاقتصادي ("الميزانية الشيكلية") – نفقة من مصادر الاقتصاد الذاتية. يستعمل جهاز الامن هذه الميزانية في نفقاته في البلد فقط. هذا المصدر يمول جل استعداد الجيش والنشاطات الجارية. هذه الميزانية في 2010 تبلغ 37.8 مليار شيكل. هي 4.85 في المائة من الانتاج العام و 11.6 في المائة من ميزانية الدولة.

ب‌.  مساعدة من الولايات المتحدة. يخصص جل المساعدة لمشتريات امنية من الولايات المتحدة (نحو من 74 في المائة)، والباقي (نحو من 26 في المائة) يمكن ان يبدل ويزاد على الميزانية الشيكلية. يفترض أن تبلغ مساعدة الولايات المتحدة في سنة 2010 2.77 مليار دولار. وهي تعطى اسرائيل بفضل اتفاق وقع في آب 2007 مع الادارة الامريكية فحواه ان تحصل وزارة الدفاع على مساعدة قدرها 30 مليار دولار في السنين 2009 – 2018. انتهت المساعدة المدنية من الولايات المتحدة لاسرائيل في سنة 2008. لهذا المصدر الميزاني اسهام حاسم في تعزيز الجيش في مجالات عابرة بالمال والتكنولوجيا مثل الذراع الجوية.

ج. ايرادات من مصادر جهاز الامن – من بيع المعدات والخدمات واخلاء معسكرات الجيش – مبلغ 2.4 مليار شيكل في ميزانية 2010.

ميزانية الامن هي الكبرى بين ميزانيات مكاتب الحكومة، ويصح الامر ايضا اذا حسمنا من الميزانية مساعدة الولايات المتحدة. مع ذلك يجب ان ننتبه الى ان ميزانية الامن تشتمل على مواد متميزة لا توجد في ميزانيات وزارة اخرى ولا تتصل بتمويل النشاط العسكري، مثل دفع مرتبات تقاعد تاركي جهاز الامن ومقدارها نحو من 4.5 مليار شيكل، ونفقات فروع التأهيل والعائلات الثكلى في وزارة الدفاع ومقدارها نحو من 4 مليارات شيكل.

 

الجدول 1: ميزانية الامن لسنة 2010 قياسا بمواد اخرى من

 ميزانية الدولة غير الصافية

 

الميزانية غير الصافية (مليار شيكل)*

% من ميزانية الدولة غير الصافية*

(328.8 مليار شيكل)

% من ميزانية الدولة "الحرة"**

(214 مليار شيكل)

وزارة الدفاع***

40.2

%12.2

%18.8

وزارة الامن الداخلي

10.1

%3.1

%4.7

وزارةالتربية ومؤسسات الدراسات العليا

40.8

%12.4

%19.1

وزارة الصحة

21.4

%6.5

%10

تحويلات الى مؤسسة التأمين الوطني

27.2

%8.3

%12.7