لقد تفاجأ العالم العربي عندما انطلقت قناة الجزيرة في بداياتها ، فقد تعودوا على القنوات الرسمية التي كانت تعمل ليلاً نهاراً لصالح الأنظمة ، وكانت نصف أخبارها عن الزعيم واستقبالاته ، والنصف الآخر عن مآثره والنهاية عن خبر عالمي عمومي ، واستقطبت المشاهدين على امتداد الوطن ، وأصبحنا نشاهد برامج لم نعهدها ، ونسمع النقد للأنظمة ، والتشريح لتاريخ هذه الأمة وتعهيره وسبابه ، وكيل التهم ، وسرد قصص الخيانات ، وصار الناس يحللون ويتساءلون ، أحقاً هذه قناة عربية ، وكيف يسمح لهؤلاء المعارضون التحدث للناس عن عهر هذه الأمة ، فبعضهم قال إنها اسرائيلية ، والبعض الآخر قال إنها أمريكية ، والبعض شكك في الروايتين وأخذ الأمر بنية حسنة. وكثيراً ما سمعت من القيل والقال ، وتساءلت كغيري من الناس ، ترى ما هو كنه هذا اللغز المحير؟؟
وبدأت أتابع القناة وجرأتها في النقد والتعهير وأحلل وأدقق النظر من منظور مواطن عربي عادي لا يملك الوسائل وغير مؤهل للدخول الى نفق هذا اللغز واستكشاف سره ، وجاءني الحل يوم أن التقيت بمهندس كهربائي يعمل في إنشاء محطات توليد الطاقة الكهربائية ، وفي معرض إجابته على سؤالي له عن كيفية تركيب وعمل المحطات ، توقفت ملياً عندما قال لي : إن أهم ما ينظر اليه عند تركيب المحطة هو نظام التكييف لهذه المحطة ، يجب أن يتم اختيار نظام تكييف عالي القدرة ومتميز الأداء للحفاظ على سلامة المحطة ومن يسكن بجوارها ، ولضمان استمرار عملها وأدائها بالشكل المطلوب ، ويجب الإستمرار في صيانته وتطويره ، فكلما كان نظام التكييف عالي القدرة ومتميز الأداء ، كانت الطاقة الكهربائية تصل الى الناس بسلامة ويسر ، وحافظت المحطة على استمراريتها. ويجب اختيار شركات متخصصة في تركيب وصيانة نظم التكييف للمحطات.
ومصداقاً لذلك وجدت الإجابة في ملاحظتي لغرف الكمبيوتر ، فقد كنت كلما أدخل لغرف الكمبيوتر في مكان عملي أشعر بالبرد الشديد ، وكلما كنت أتعرض للشمس خارج المكتب في مهمة ميدانية وأشعر بالحر والتعرق كنت أدخل مباشرة الى غرف الكمبيوتر وأقضي فيها بعض الوقت قبل الذهاب الى المكتب لكي أطفيء نيران الحر التي شعرت بها وأزيل آثار ملوحة التعرق عن جبيني ورقبتي ووجهي لكي أعود للوضعية الإعتيادية وأتمكن من الجلوس في المكتب مزيلاً لآثار العمل الميداني. من هنا اكتشفت لغز قناة الجزيرة ، قناة المتناقضات واللعب على التناقضات.
ولكن كيف ولماذا؟؟
لقد كانت قناة الجزيرة آولى تباشير الديمقراطية الأمريكية في المنطقة والصفقة الآولى لمشروعها في المنطقة وذلك في إطار التحضير لغزو العراق وغزو المنطقة وإثارة الحروب فيها والإستخفاف بوزنها وبشعوبها وإذلال مواطنيها ، وكان مكانها منسجماً مع إنشاء اكبر محطة أمريكية في المنطقة لتوليد القهر وانطلاق العدوان على شعوب المنطقة وهي القاعدة العسكرية الأمريكية التي كانت تحتضن القيادة العسكرية الأمريكية التي أدارت وما زالت تدير عمليات الحرب على العراق ، وعمليات استكشاف الأجواء العربية لصالح الجيش الإسرائيلي.
فهي بمثابة جهاز التكييف الذي يركب لمحطات توليد القهر للأمة ، فعندما تتمادى أمريكا واسرائيل في ضرب الأمة ، تبدأ الأمة بالغليان والشعور بالضغط من شدة حرارة القهر ، وهنا وخوفاً من انفجار الأمة وفقد السيطرة على الأوضاع ، والحيلولة دون خلط الأوراق في المنطقة كان لا بد من تخفيض حرارة القهر في قلوب الشعوب العربية وفشة خلقهم.
وذلك لضمان استمرار عمل محطة القهر بسلام وعدم تعرضها للأعطال والهجمات الإنتقامية إن انفجرت الأمة. وللتنفيس عن مشاعر الغضب والثأر والقهر ، ولإثارة عوامل الفتنة والتناقضات والمتناقضات بتراشق الإتهامات وتبادل السباب بين الفئات المتعاكسة في هذه الأمة وذلك لتوليد قوى احتكاك داخلية تتلهى بها الأمة عما يجري من ممارسات القهر والإستخفاف والإحتقار لمشاعرها.
يبدو أنها جزء من حملة التسويق لنشر الديمقراطية في المنطقة ، وآلية وبرنامج عمل قناة الجزيرة منسجماً تماماً مع هذه الأهداف. ما هي المؤشرات والدلائل على ذلك:
قناة الجزيرة اعتمدت في تقديم برامجها وحواراتها على نظرية دس السم بالعسل (صكّو وعدّل طقيتو) ، فهي تسوق لفكر التمحور والمحاور في المنطقة ، واللعب على الحبلين بطريقة يصعب على المتلقي كشفها ، فقد اختارت الوقوف الى جانب المحور الذي يدعي ممانعته ومناوءته للسياسة الأمريكية في المنطقة بينما هو منبطح لها في ممارساته وأعماله ومشارك لأمريكا في حربها على الأمة وسهل لأمريكا احتلال دولة عربية هامة في المنطقة كانت تشكل الدرع الواقي لها من الغزو الخارجي ، وعمل هذا المحور متضامناً مع امريكا على تمزيقها وتدمير مقومات الحياة فيها ، واختارت الجزيرة الإنحياز اليه لكي تبعد الشك عن حقيقة مهامها التي أنشئت من أجلها.
فهي تتبنى استراتيجية الإنحياز للخط الإسلامي بالخط العريض وبقلم الحبر الجاف الذي لا يقبل الإزالة بطرق سهلة وفي نفس الوقت لديها خط قومي يعمل في هامش هذه الإستراتيجية بقلم الرصاص الذي يقبل الإزالة بجهد بسيط ، فهي الوكيل الحصري لأشرطة القاعدة ، والقناة الداعمة للخط الإسلامي الراديكالي المتطرف اينما وجد. فتسمع عليها تفاصيل مملة للتعهير بالقومية العربية ورموزها في برامج طويلة ومملة ، وعلى هامش ذلك تمرر طيفاً رفيعاً وخفيفاً للقومية العربية باستضافة بعض رموزها الذين انتهت صلاحيتهم ولم يعد لهم أثر في رسم السياسة العربية وربما انقلبوا عليها لفقد بريقهم السياسي.
وقناة الجزيرة اختارت مناوءة الدول العربية التي تمثل العمق الإستراتيجي والتاريخي والجغرافي للقومية والأصول العربية لحساب قوميات غير عربية متعصبة لقومياتها وتعمل لإستعادة تاريخها البائد كشرطي للمنطقة . فهي تعهر تاريخ هذه الدول العربية ثقيلة الوزن والمؤثرة وتسيء لتاريخها وتاريخ زعمائها ، وأرجو أن يكون حديثي مفهوماً دون الإشارة مباشرة للأسماء والمسميات.
قناة الجزيرة انطلقت بقوة وتطورت بشكل سريع جداً في إمكانياتها المادية والفنية والمهنية والتقنية وتستقطب كفاءات مهنية عالية وتقنية متطورة مقابل أجور عالية ، وتستضيف شخصيات بأجور عالية وأصبحت اليوم بتوسعها وانتشارها توازي القنوات الغربية العريقة مثل ال CNN و BBC ، وهذا يتطلب إنفاقاً باهظاً وجهداً وتقنية عالية لا أعتقد أنها متوفرة لأي دولة عربية سواءً كانت صغيرة أو كبيرة ، وذلك لأهمية وجسامة الدور والمهام التي أنشئت من أجلها. وهذا يثير تساؤلات عدة حول تمويلها.
قناة الجزيرة أول من فتح الباب مشرعاً لاستضافة مسئولين اسرائيليين على شاشاتها ، وتتمتع بتسهيلات مفتوحة وكوادر عديدة داخل الأراضي الفلسطينية ومكاتب منتشرة بجميع أنحاء العالم. وهي القناة التي قدمت إعتذاراً خطياً لإسرائيل من مديرها العام وذلك لانطلاق بعض مراسليها في فلسطين المحتلة بحسن نية ومدفوعاً بوطنيتة البريئة في بعض البرامج. ولقد أهان مسئول اسرائيلي علناً العرب على شاشاتها دون أن يتمكن المذيع المخضرم جمال الريان أن يرد عليه أو يلجمه أو أن يقطع الإتصال به ولعلكم تذكرون ذلك. كما تقبلت الجزيرة التي تنحاز للخط الإسلامي الإساءة الى الدين الإسلامي أمام الجماهير الإسلامية في برنامج الإتجاه المعاكس ولعلكم تذكرون ذلك أيضاً.
قناة الجزيرة عملت وما تزال تعمل على ترسيخ الخلافات الفلسطينية بانحيازها الكامل والأعمى لحماس على حساب فتح ، وأساءت لتاريخ فتح ولرموز فتح وتفتح المجال واسعاً لأبواق حماس في السباب والقذف وإلقاء تهم الخيانة على فتح وعلى الشرعية الوطنية الفلسطينية المنتخبة. وتتجاهل قناة الجزيرة مشاعر قطاع كبير من المجتمع الفلسطيني الذي يؤمن بخط ومنهج وبرنامج فتح في معالجة الصراع عندما انتخبها للرئاسة وللمجلس التشريعي الفلسطيني بنسبة تعتبر جماهيرية لكنها أقل (( لظروف لم تعد خافية على أحد )) من حماس الحركة الوطنية الفلسطينية من أجل تحرير فلسطين كما اعتقد الشعب وليس من أجل الإخوان المسلمين كما بدا واضحاً في القسم بالإحتفال بانطلاقتها. وكان ذلك تكراراً لما عملته في لبنان.
قناة الجزيرة نشرت غسيل الأمة وسلطت علىالجانب المتخلف فيها للعالم أجمع وساهمت في التقليل من تاريخها ومن أهميتها ، ومن وطنية شعوبها ، وأتذكر منظراً في هذا الصدد لعائلة فلسطينية تعيش مع الصراصير ، وهذا ما لم أصدقه أبداً ، فإن كانت العائلة فقيرة فهذا لا يبرر أن تعيش مع الصراصير فهذا الوضع لا يجلب الاّ الإساءة لشعب يهتم بنظافته حتى لو كان فقيراً. ولا يخدم غرضاً انسانياً ، فنحن شعب وبالرغم من مآسينا الاّ أننا نحرص على نظافتنا ونحب الحياة والعيش بكرامة ، ولا نقبل أن تتحول قضيتنا الى قضية مشاعر إنسانية وننسى القضية الوطنية لحساب استفزاز المشاعر الإنسانية بنشر الغسيل على أسطح الكرة الأرضية. ونجدتنا بشاحنات المواد التموينية. فأرضنا خيّرة وكفيلة بنا.
قناة الجزيرة تستضيف دعاة النزق الثوري الوطني الذي يعتمد الخطابة ويكيل السباب والتهم للأمة وقادتها دون فعل ودون آلية للتغيير تلك الفئة التي اختارت لنفسها اسلوب المعارضة من أجل المعارضة ، واسلوب النقد الهدام الذي ينظر للسلبيات دون المرور على الإيجابيات ، والذي يهدم الإيجابيات لصالح السلبيات ، ودون تقديم أفق وبرنامج بديل. بذلك تفش قناة الجزيرة خلق المواطن العربي كلما تعرض للقهر والضغط بإطلاق رصاصات فارغة على النظام العربي لا تصيبه بأذى. وعلى وقع هذه الطلقات الفارغة يشعر المواطن بشيء من الإرتياح ، فيقول والله أعجبني اليوم فلان وفش خلقي فضحهم عالمزبوط وبعدها قدرت أنام. فالأنظمة ما زالت هي الأنظمة منذ الإستقلال الصوري. ولم يستطع هؤلاء النزقون تغيير أو تبديل شيء.
بهذا أرجو أن أكون أجبت على اللغز ، من منطلق شخصي ، غير عالم بخفايا الأمور ، معتمداً على التحليل التجريبي والمنطقي مدعماً بالبرهان العلمي ، ومجرداً عن كل هوىً أو تبعية ، مثلي كمثل أي مواطن عربي حيره هذا اللغز وطرح عليه كثيراً من الناس وسمع تحليلات وإجابات بعضها صبت في هذا الإطار وإجابات حادت عنه ، ونرجو أن لا يكون ذلك صحيحاً.
وهذا لا يمثل اتهاماً للعاملين فيها من الإعلاميين أو طعناً في قدراتهم المهنية وفي انتمائهم فهم مواطنون عرب مثلنا باحثون عن لقمة العيش وربما عن رغد العيش. وليس طعناً في انتماء عملائها وضيوفها ولا يمثل إساءة اليهم أيضاً فهم ربما يشعرون أنهم يخدمون أمتهم بذلك. وهذا لا ينفي أنها قدمت برامج قيمة استفدنا منها سواءً كانت بقصد أو بدون قصد ، ولن نقاطعها ، إنما المهم أن نعي ما يدور من حولنا. ولنأخذ العسل من أطباقها ونفصله عن السم ونستفيد منه ونرمي بالسم جانباً. فهي ظاهرة تستحق الوقوف عندها واستخلاص ايجابياتها من بين السطور والبناء على تلك الإيجابيات ما يخدم الإعلام تقنياً وموضوعياً لما هو أفضل لنرقى بإعلام عربي نقي من الشوائب يخدم الأمة ومصالحها.
