حلمي موسى
لا جديد في كل ما يجري على صعيد التسوية العربية الإسرائيلية في شقها الفلسطيني. وما الموقف الأميركي الأخير من إعلان فشل الصيغة السابقة وابتداع صيغة جديدة، وهو الموقف الذي أفصحت عنه وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أمام «منتدى سبان» إلا دليل على ذلك. فما انتهت إليه سياسة «الحل بيد أميركا» هو ما انتهت إليه «المفاوضات المباشرة» و«المفاوضات غير المباشرة», وهو لا شيء سوى ترسيخ الاحتلال الإسرائيلي وتعميقه.
هناك في السياسة من يرى أن الأعراض الثانوية لتطوّر ما قد تكون أشدّ خطورة من الوجهة المركزية. وربما أن صيغة المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية هي أبرز تعبير عن ذلك. فاستغلال إسرائيل لميزان القوى المختل لمصلحتها بشكل كبير دفع منذ أواسط السبعينيات إلى القفز عن بديهيات الديمغرافيا والتعمق في الاستيطان. مرة باسم المصالح الأمنية وأخرى باسم المصالح الأيديولوجية وثالثة باسم المصالح القومية. وفي كل هذه المرات كان يبدو جلياً أن فكرة التسوية الإقليمية تغدو أشد ابتعاداً مما كانت قبل ذلك.
فالقدس الكبرى المتمددة في كل الاتجاهات داخل الأراضي المحتلة العام 67 تغدو قيداً لا تتيح صيغة كلينتون الفكاك منه. كما أن فكرة تبادل الأراضي تغدو في كل يوم أشد صعوبة ليس فقط لجهة المساحة وإنما أيضاً لجهة النوعية. فكيف ستبادل مثلاً أرض في «جوار بيت المقدس» بأي أرض أخرى مهما كانت مقدسة في فلسطين.
وإذا كان بالوسع القفز عن الاعتبارات التي تحكم القبول بتبادل أراضي المستوطنات في الكتل الكبرى فكيف يمكن حلّ مشكلة تقاسم الحرم الإبراهيمي والاستيطان المتطرف ليس فقط في كريات أربع في الخليل وإنما في البلدة القديمة داخل الخليل نفسها؟ إن أسئلة كهذه وشبيهة لها تطرح بشكل متزايد في كل يوم يتعمق فيه ليس الاستيطان وحسب في إسرائيل وإنما أيضاً النزعة الدينية.
والمفارقة أن الصهيونية الدينية التي كانت في الماضي على هامش الحركة الصهيونية صارت اليوم في قلب هذه الحركة وفي عقلها المقرر. ولا ينبغي فقط النظر إلى الكنيست والأحزاب الدينية، وإنما أيضاً إلى الجيش وإلى الحياة الفكرية والاجتماعية في إسرائيل. فاليمين المتطرف الذي كان في الماضي يتردد عن الإفصاح عن رأيه في الحرب والسلم غداً اليوم قوة يحسب لها ألف حساب. ولا يقتصر هذا الحساب على الخوف من متطرف على شاكلة يغئال عمير يطيح بقوة الرصاص برئيس حكومة وإنما بمتطرفين على شاكلة أحزاب في الكنيست تطيح بقوة الصوت والكلمات برؤوس الحكم والحكومة.
ولا ينبغي هنا عدم ملاحظة كيفية تعاطي السلطة الإسرائيلية مع رسالة الحاخامات حول عدم تأجير أو بيع بيوت أو أراضي للعربي. كما لا يمكن تجاهل سطوة الأحزاب الدينية على مجرى تحديد من هو اليهودي وصولاً إلى رفض امتلاك الحاخامية العسكرية حق تهويد جنود وإبقاء هذا الحق حكراً على الحاخامية المدنية الخاضعة لإمرة الأحزاب الدينية.
ومع نماء قوة الأحزاب الدينية التي تنطلق في رؤيتها لوجود إسرائيل ليس من «حق الوجود» كما يطالب فلاسفة يساريون وإنما من حق تاريخي يمنحهم الحق ليس فقط في الوجود وإنما أيضاً في طرد أي وجود لغيرهم. ومما لا ريب فيه أن تنامي قوة هذه الأحزاب ترافق مع تنامي قوة إسرائيل واتساع الفجوة التكنولوجية بينها وبين محيطها العربي. وهذا كفيل بأن يمنح البعض شعوراً لا يستند إلى أساس بأن هذا التفوق نابع من حجم الارتباط بهذا الحق التاريخي مما يمنع تعزيز فرص التوصل إلى تسوية.
والحال أن من يحاولون وصف أنفسهم بالعقلانيين في إسرائيل يشعرون بأنه ينبغي استغلال تفوق إسرائيل الراهن من أجل تحقيق تسوية تاريخية تضمن لإسرائيل أكبر قدر من الإنجازات. وبين هؤلاء اليوم المتطرفة الليكودية السابقة زعيمة حزب كديما حالياً، تسيبي ليفني التي صارت تعلن أن السلام حاجة لإسرائيل وليس هدية تقدّمها لأوباما وأن الدولة الفلسطينية بديل عن الدولة الثنائية القومية.
ولكن مثلما تراجعت قوة اليسار الإسرائيلي فإن قوة «اليمين العقلاني» في تراجع أيضاً. فاخطبوط الاستيطان بما يسهل من مكاسب بأثمان بخسة يجر وراءه وبشكل متزايد الغالبية الساحقة من الجمهور اليهودي في إسرائيل. وليس صدفة أن هذه الأغلبية في استطلاعات الرأي تضمن لليمين المتطرف مستقبلاً انتخابياً زاهراً إذا لم تقع صدمة تغير وجهة المزاج العام.
وفي هذا السياق يصعب العثور على أي جديد. حكومة نتنياهو تراهن على تقديس أميركا للديمقراطية الإسرائيلية وتؤمن أنه ليس بوسع إدارة أوباما أو أية إدارة في المستقبل المنظور أن تغير الواقع القائم. وربما أن في حكومة إسرائيل، كما خارجها، من يؤمن بأنه خلافاً للإدعاء الأميركي بالرغبة في تحقيق السلام في المنطقة ثمة مصلحة لأميركا في بقاء هذا الصراع ورعايته.
وليس صدفة أن إعلان فشل صيغة التفاوض بوساطة أميركية والانتقال إلى صيغة التفاوض عبر الأميركيين لا ينطوي بداخله على أي جديد ولا حتى من الناحية الشكلية. ربما بوسع البعض اعتبار ما جرى نوعاً من العودة إلى الوراء في أسلوب التفاوض ولكن ليس في ذلك ما يعيد البتة عقارب الأمر الواقع إلى الوراء.
وقد برهنت التجربة التاريخية لإسرائيل، داخل وخارج المفاوضات، على أن ما تم فرضه على الواقع لا يمكن تغييره إلا بتغيير الواقع بأسره. لقد راهنت حكومة بيغن في معاهدة كامب ديفيد مع مصر (وهي أكبر وأقوى الدول العربية) على تفكيك الوقائع الاستيطانية في سيناء مقابل تفكيك واقع الصراع برمّته. ثمة محاولات إسرائيلية لدفع حكومة نتنياهو لتكرار التجربة مع سوريا من أجل تفكيك واقع الصراع الراهن. ولكن يصعب في الواقع الفلسطيني بعد تجربة مفاوضات على مدى 17 عاماً أن تراهن حكومة في إسرائيل على اتفاق يفكك واقع الصراع القائم في المنطقة.
