إنهم اليهود، وما أدراك ما اليهود. إنهم القوم المغضوب عليهم الملعونون


أما بعد: فما أحوج المسلم إلى تجديد تقواه لربه في كل حين، ولا سيما عند اشتداد المحن وتوالي الكروب، وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً [الطلاق:2]، وما أشد حاجة المسلم إلى السلاح المَضّاء الذي يحميه من كيد الكفرة والفجرة والمنافقين وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120]، فهل ساءلنا أنفسنا عن هذه الحقائق، وهل عرضناها على هذه الموازين، فالصبر والتقوى سلاحان لمن أراد النجاة والخلاص والرفعة في الدنيا والآخرة.
أيها المؤمنون، إن من قرأ كتاب ربه وتأمل في آياته واتعظ بعظاته واهتدى بهداه يرى أن هناك آيات كثيرة حذرت المسلمين من أعداء كثر، وأن هناك صنفاً هو الأكثر عداءً للمسلمين فقد ورد الحديث عنهم في أكثر من خمسين سورة من سور القرآن الكريم، وما ذاك إلا لتحذرهم أمة الإسلام أشد الحذر، وتتنبه لألاعيبهم وحيلهم التي تخصصوا فيها على مر التاريخ، فمن هم أيها المسلمون؟
إنهم اليهود، وما أدراك ما اليهود. إنهم القوم المغضوب عليهم الملعونون على لسان الرسل والأنبياء، قوم تفنن آباؤهم وأجدادهم في قتل الأنبياء والمصلحين، عرفوا على مر التاريخ بالإفساد والتخريب ونقض العهود، وصفهم ربهم تعالى وذكر بعض افتراءاتهم قائلاً في محكم كتابه وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأرْضِ فَسَاداً وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ [المائدة:64]، فهم أحفاد اليهود الذين نقضوا عهد الله من بعد ميثاقه وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران:187].
وهم قتلة الأنبياء ومكذبوهم، وهذا من تخصصهم القبيح، ألم يقل ربنا سبحانه: وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ وَءاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [البقرة:87]، أولئك اليهود الذين غدروا بخاتم النبيين محمد ونقضوا عهده، فإنه لما هاجر إلى المدينة قدمها وفيها ثلاث قبائل من اليهود فعقد معهم أن لا يخونوا ولا يؤذوا، ولكن أبى طبعهم اللئيم وسجيتهم السافلة إلا أن ينقضوا ويغدروا، فأظهر بنو قينقاع الغدر بعد أن نصر الله نبيه في بدر، فأجلاهم النبي من المدينة على أن لهم النساء والذرية ولرسول الله أموالهم.
وأظهر بنو النضير الغدر بعد غزوة أحد فحاصرهم النبي وقذف الله في قلوبهم الرعب وسألوا رسول الله أن يجليهم على أن لهم ما تحمله إبلهم من أموالهم إلا آلة حرب فأجابهم إلى ذلك.
وأما بنو قريظة فنقضوا العهد يوم الأحزاب في يوم عصيب وكرب شديد حين اجتمعت العرب على حرب النبي ، فحاصرهم النبي بعد انتهاء المعركة فنزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم بقتل رجالهم وقسم أموالهم وسبي نسائهم وذرياتهم، فقتل رجالهم وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة.
هذا لون من ألوان غدرهم بخاتم الأنبياء ، ومن غدرهم وخيانتهم له أنه لما فتح خيبر أهدوا له شاة مسمومة، فأكل منها ولم يحصل مرادهم ولله الحمد، ولكنه كان يقول في مرض الموت: ((ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر، وهذا أوان انقطاع أبهري)) رواه أبو داود بسند حسن.
فعلينا نحن المسلمين أن نعلم ونتذكر أن العداوة بيننا ـ نحن المسلمين وبين اليهود ـ مبدأ ثابت لا يتغير ولا يزول كما قرره كتابنا وأخبرنا به ربنا عز وجل ولذلك فالحرب بيننا وبينهم مستمرة منذ بعثة سيدنا محمد إلى أن تقوم القيامة، ومن المحال أن تحل المحبة محل العداوة وأن يحل السلام محل الحرب فيما بيننا وبين اليهود، كيف والله عز وجل يقول: وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْْ [البقرة:119]، يقول سيد في ظلاله بتصرف يسير: "فتلك هي العلة الأصيلة، ليس الذي ينقصهم هو البرهان؛ وليس الذي ينقصهم هو الاقتناع بأنك ـ يا محمد ويا أيها المسلم ـ على الحق، وأن الذي جاءك من ربك الحق. ولو قدمت إليهم ما قدمت، ولو توددت إليهم ما توددت، لن يرضيهم من هذا كله شيء، إلا أن تتبع ملتهم وتترك ما معك من الحق. إنها العقدة الدائمة التي نرى مصداقها في كل زمان ومكان.. إنها هي العقيدة. هذه حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد المسلمين، إن معركة العقيدة هي المشبوبة بين المعسكر الإسلامي وهذين المعسكرين ـ اليهود والنصارى ـ اللذين قد يتخاصمان فيما بينهما؛ وقد تتخاصم شيع الملة الواحدة فيما بينها، ولكنها تلتقي دائماً في المعركة ضد الإسلام والمسلمين! إنها معركة العقيدة في صميمها وحقيقتها.. إنها معركة العقيدة. إنها ليست معركة الأرض. ولا الغلة. ولا المراكز العسكرية. ولا هذه الرايات المزيفة كلها. إنهم يزيفونها علينا ليخدعونا عن حقيقة المعركة وطبيعتها، فإذا نحن خدعنا بخديعتهم لنا فلا نلومن إلا أنفسنا. وإن فعلنا ذلك خالفنا توجيه الله لنبيه ولأمته، وهو ـ سبحانه ـ أصدق القائلين: وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْْ فذلك هو الثمن الوحيد الذي يرتضونه. وما سواه فمرفوض ومردود!.
ولكن الأمر الحازم، والتوجيه الصادق يأتي مباشرة من رب العالمين قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ على سبيل القصر والحصر، وما عداه ليس بهدى، واختر لنفسك أيها المسلم أي الطريقين والمنهجين".
عباد الله، اليهود هم أشد الأعداء لهذه الأمة بنص القرآن الكريم لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ [المائدة:82]، فهم أشد الناس عداوة للمسلمين، هم أشد من المشركين وأشد من النصارى، وأشد من جميع الأمم. وفي الآية إشارة إلى طول الصراع بين المسلمين واليهود، وأنه صراع ليس مؤقتاً ولا سهلاً بل هو صراع طويل. ويكفي المسلم أن يعلم ما تميز به اليهود وعرفوا به على مر الزمان، ألا وهو الخيانة، قال الله تعالى عنهم: فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ لَعنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ وَنَسُواْ حَظَّا مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ [المائدة:13]، وبعد هذا يخدع بعض السذج بعهود اليهود ومواثيقهم، ويظنون أن اليهود قد استقاموا وتخلوا عن خياناتهم.
أما عن نقض العهود والمواثيق، فلن تجد قوماً مثل اليهود في الاستخفاف بالعهود والمواثيق، وفي عدم مراعاتها وترك الالتزام بها، بل جرأتهم على نقضها وإبطالها عجيبة، وإليكم نماذج من العهود والمواثيق التي أخذت على اليهود، ومع ذلك نقضوها قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرءيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَالْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دِيَـٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن دِيَـٰرِهِمْ تَظَـٰهَرُونَ علَيْهِم بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوٰنِ [البقرة:83، 85].
وقال عز وجل أيضاً في نقضهم للعهود والمواثيق: لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ [المائدة:70]، وقال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ٱللَّهُ إِنّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ وَءاتَيْتُمْ ٱلزَّكَوٰةَ وَءامَنتُمْ بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لاكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ وَلاَدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ لَعنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ [المائدة:12، 13]، فهل بعد هذه الآيات الواضحات حجة لأحد. فإن للقوم تاريخاً أسود في نقض المعاهدات، وربهم سبحانه أعلم بهم. يقول الله سبحانه وتعالى أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [البقرة:100]، فكلمة [كلما] تدل على التكرار وأنهم كلما عقدوا عهداً أو ميثاقاً أو صلحاً نبذه أي ألغاه وكفر به ونقضه فريق منهم، والفريق قد يكون طائفة منهم، وقد يكون جماعة، وقد يكون حزباً أو حكومة، وهذا ما يلمسه كل متابع لأحوال اليهود خلال خمسين عاماً مضت ولا زال هذا هو ديدنهم ودأبهم.
أيها المؤمنون ـ أن الأمة الإسلاميّة اليوم تواجه خِصامًا بعنف وتآمرًا بحِقد وحربًا بجبروت، يقودها قومٌ لئام، أماطت عنهم اللثام الأحداثُ والوقائع والأيام، يجرّون الضغائن، ويحملون مسمومَ الدّفائن، ملؤوا الدنيا عدوانًا، وأشعلوها نيرانا، كلّ ذلك تحت شعار تحيق السلام والحرية المزعومة، وأنى لأفّاك أثيم تحقيق سلام دائم أو سكونٍ دائب؟! وما تسمعون وتشاهدون من اتفاقيات ومعاهدات للسلام ما هي إلا أحداثٌ تُفتعَل وأدوارٌ تُمثَّل وإفكٌ وافتراء واتِّهام وادِّعاء لسفك الدماء وقتل الأبرياء.
إن الإجرام الإسرائيلي والحقد النصراني سيظل في غطرسته وغرورِه واستبداده وفجورِه، وستهيَّأ له الأجواء ويفسح أمامه المجال لارتكاب مزيدٍ من الهدم والتشريد والتقتيل ليكون ذلك خيرَ شاهد على الحقد الدفين والهمجيةِ العمياء، وليتبين للناس أجمعين حقيقةُ ما يزعمون من نشر الحرية والسلام والأمن والأمان بين العالمين.
فعين العدل والحرية والسلام عندهم أن يشرّد المسلمون من ديارهم وترمّل نساؤهم وتيتّمَ ذراريهم وأن لا ينعموا بخيراتهم التي هم يحسدونهم عليها، ولقد صدق الله إذا يقول: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: 10]، وقال: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: 54]، فالحسد والبغض والكره أول دافع من دوافع الإبادة للمسلمين.
ولكن إخوتي في الله، حتى إذا ما بلغ السيل زُباه والكيدُ مداه والظلم منتهاه هنالك يأتي نصر الله لمن اتقاه ووالاه، فالله سبحانه يمهل ولا يهمل، حتى إذا ما أخذ الظالم أخذه أخذ عزيز مقتدر، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: 12].
لقد نسي أو تناسى الظالم المستبدّ أن الظلم لا يدوم ولا يطول، بل سيَضمحلُ ويزول، وعندها سيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون. ولعل الناظر المتأمل في الذين التحَفوا بالأمن والدَّعَة واستمتعوا بالثروة والسَّعة ممن سلف من الأمم الظالمة الكافرة ليرى بعين بصيرته كيف كانت عاقبتهم، لقد نزلت بهم الفواجع، وحلّت عليهم الصواعق وقرعتهم القوارِع، فهل تعي لهم حِسًّا أو تسمَعُ لهم ركزًا؟! عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته))، وقرأ : وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102] حديث متفق عليه.
أيّها الأكارم، إنّ ما يجري اليوم في فلسطين والأفغان وفي أرض العِراق ولبنان من تشريد وتقتيلٍ وتفجير وتدمير ما هو إلا عنوان للظّلم الجماعيّ على مرأى ومسمع من العالم كلّه، وإن ذلك ليدعونا أن نقفَ وقفات عبرة وعظَة وتأمل في حكمة الله سبحانه، إنه عليم حكيم.
ولعلّ أولى تلك الوقفات ـ عباد الله ـ أنّ ما أصاب الأمة اليوم من تخلّف وتقهقر وضعف وتأخّر ونزع المهابة من الأعداء والهوان على الناس إنما هو عاقبة الفسوق والعصيان والابتعاد عن حقيقة الإسلام والإيمان، فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((يوشك أن تداعى عليكم الأممُ كما تداعى الأكلة إلى قصعتها))، فقال قائل: أوَمِن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: ((بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله من صدور عدوّكم المهابةَ منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن))، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: ((حبّ الدنيا وكراهية الموت)) أخرجه أبو داود، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: ((إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلَّط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)) أخرجه أبو داود.
إن هذا ـ عباد الله ـ ما أخبر به رسولنا في الحديث، وهو واقع في الأمة اليوم بلا جدل ولا مراء، فهذه البنوك والمساهمات والشركات تتعامل بالعينة والربا جهارا نهارا، أسمته بغير اسمه تحايلا على الله، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: 142]، وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة: 9]، ناهيك عن انغماس الأمة في أوحال الرذيلة والتخلي عن الفضيلة إلا من رحم الله.
إن الأمة اليوم في عمومها أصبحت في حال يرثى لها، لقد غرقت في طمعِ يهدي إلى طبع وشهوات ومُتع ودنيا مؤثَرة وهوًى متَّبع، لقد تخلت الأجيال عن شعائر الدين، وفشت في المجتمعات قنوات الخبث والخنا، وتلاعب أهلُ الأهواء بالمرأة ليعيدوا لها حقوقها المزعومة، وتشبه بنو الإسلام بأحفاد القردة والخنازير، وشربت الخمور، واستبيحتِ الفروج، وحُكمت القوانين دون الرجوع إلى كتاب الله عز وجل، إلى غير ذلك مما انغمس فيه الناس من أنواع الانحراف وأصناف الهوى، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41]، وقال سبحانه: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: 165].
بذلك كله ـ عباد الله ـ سلط الله على الأمة من يستبيحُ بيضتها ويُذِوقها مرّ العذاب، ولئن غيّرنا ما بأنفسنا ليغيِّرن الله علينا، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد: 11].
الوقفة الأخرى هي أن نعلم أنه ما من محنة إلا وفي طياتها منحة، وأن لله في كل شيء حكمة، ففي المحن والفتن والحروب ابتلاء للأمة جمعاء؛ لتعود إلى دينها وشرعها ورشدها ولتعيَ الدروس والعبر، وفي ذلكم حكمةٌ من الله عز وجل، وفيها ـ أي: المحن والمصائب ـ تمحيص للذنوب وتكفير للخطايا والسيئات ورفع للدرجات، وليتخذ الله من الأمة شهداء، وليرى الله من يصبر ويحتسب على ما أصابه وحلّ به من فقد لحبيب أو أذى في نفسه أو في قريب، وفي ذلك يقول الله: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 140-142].
وثالث تلك الوقفات: بشرى لنا ولأمةِ الإسلام أن طغيان الكفرة واستعلاءَهم في الأرض وتجبرهم وتكبرهم ما هو إلا إيذانٌ بقرب زوالهم وهلاكهم، يقول عز من قائل عليما عن اليهود من بني إسرائيل في سورة الإسراء: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء: 4]، يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: "يخبر تعالى أنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب أنهم سيفسدون في الأرض مرتين، ويعلون علوا كبيرا، أي: يتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا أي: أولى الإفسادتين، بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً [الإسراء: 5] أي: إذا أفسدتم المرة الأولى سلطنا عليكم جندا من خلقنا أولي بأس شديد، فتملّكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم وكان ذلك وعدا مفعولا".
ثم قال الله: ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا [الإسراء: 6، 7]، يخبر الله بني إسرائيل: إن أحسنتم فإنما تحسنون لأنفسكم، وحينها نحسن إليكم وننصرُكم، وإن أسأتم وتكبرتم واستكبرتم فعليها، ثم قال سبحانه: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ أي: أفسدتم الكرة الثانية ومرة أخرى، عدنا إلى العذاب والتنكيل بكم، لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [الإسراء: 7، 8]. وفي قوله تعالى: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا بيان لسنّة الله في بني إسرائيل؛ أنه سبحانه وتعالى سيحسن إليهم متى أحسنوا، وإن أساؤوا وعلوا وتكبروا سيعود إلى التنكيل بهم وتعذيبهم، ويسلّطُ عليهم من يُبيدهم ويُبيد خضراءهم، ولذلك قال: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا .
ولقد عادوا من جديد إلى عتوهم وعنادهم ومكرهم، وليعودنّ الله عليهم كما وَعد، فسنته واقعة لا محالة، ووعده منجز بإذنه سبحانه، فاستبشروا ـ أمةَ الإسلام ـ بما ترونَ من تدمير وتشريد وتقتيلٍ تقترفه أيدي اليهود والنصارى والمشركين، ما هو إلا إيذان بزوالهم بإذن الله القوي.










الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله: إن الشعار العظيم الذي يرفعه المسلمون ويتأجج من حناجرهم:
خيبـر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود
هو الذي يرهب اليهود حقًا, إن اليهود لا يريدون إطلاقًا أن يتحول الحدث إلى عاصفة توقظ الأمة من رقادها, إنهم لا يريدون إطلاقًا أن تتعالى صيحات الجهاد, إنهم لا يريدون أبدًا أن يكون المسلمون يدًا واحدة, فقد فاجأهم الحدث حقًا في نتائجه وما يترتب عليه.: إخوة الإيمان والدين، فثمة أمور يجب الإيمان بها والتصديق في زمن يصدق فيه الكذوب ويؤمتن فيه الخؤون وتزيف الحقائق وتبدلُ الأمور.منها أن اليهود مهما أعطَوا من عهود ومواثيق ومهما أُعطُوا من تنازلات وخضوع فلن يرضوا عن المؤمنين، ولن يرضوا إلا بزوال هذا الدين، وهذه حقيقة لا يجحدها إلا المستكبرون، فإن الله يقول وصدق الله وكذب المغرضون: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ .
وكذلك إخوة الدين، إن ما يذكر من كره اليهود للمؤمنين وبغضهم لهم ما هو إلا داع يدعونا لنكون كما قال الله عز وجل: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22]، وفي آية أخرى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ [الممتحنة:1].
إن عداوتنا لليهود ظاهرا وباطنا واجب ديني وركن شرعي، به نتقرب إلى الله، ونرجو به النجاة، وهو اتباع لأمر الله في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51].
وإن مما غفلنا عنه ـ معاشر المؤمنين ـ منهج الولاء والبراء، الولاء للمؤمنين بحبهم ونصرهم والدعاءِ لهم، والبراءةُ من الكافرين بكرههم وتمني الغلبة عليهم، وهذا ما يسعى إلى محوِه أعداءُ الإسلام.
ألا فاستنصروا للإسلام وأهله، واعقدوا ال