كل يوم يأتي تعيش غزة في ظروفها الراهنة، يجعلها قاب قوسين أو أدنى من اليأس المطبق، ولذلك فإنني أصارحكم القول، بان غزة، قطاع غزة، مليون ونصف المليون أهالي قطاع غزة، هم بحاجة ماسة إلى الأمل.
الكلام الذي يقال على السنة الكثيرين سواء من الفصائل، أو من الهيئات الدولية، أو من المنظمات غير الحكومية، أو من قنوات فضائية تتحدث نيابة عنا قسرا في معظم الأحيان، كل هذا الكلام عن جهود تبذل، ونجاحات تتحقق، وتجاوزات للحصار في الصحة والتعليم أو الأمن أو أي شيء آخر، ليس سوى كلام مجاني، قد يقبل في حالة كونه نوعا من رفع المعنويات، ولكنه لا يقبل، أو يصدق، إذا قيل على أساس انه حقائق فعلية.
في أحسن الأحوال :
هذا الكلام المجاني الذي يقال عن نجاحات ما في قطاع غزة، هو أشبه بالخذلان في حكايات الشتاء التي ترويها الجدات لأحفادهن في القرى الصغيرة النائية، خراريف ممزوجة بظلال المساءات القروية، والنعاس المفضي إلى النوم، ولكن حين يأتي صباح اليوم التالي، فان الحقائق تطل بوجهها القبيح الذي هو اشد قبحا من يوم مضى.
والمسألة كلها من أولها إلى آخرها، تبدأ وتنتهي عند الشباب من الجنسين، فهم قاعدة الواقع وهم وعد المستقبل، فاسألوهم إن كنتم تريدون أن تسمعوا إلى أصوات غير أصواتكم!!! أسألوهم كيف حالهم، على ماذا يمسون وعلى أي شيء يصبحون!!!.
وبما أن اصدق الأسئلة هي ابسط الأسئلة، فأرجوكم أن تسألوا الشباب في قطاع غزة كم هي نسبة البطالة فيهم؟؟؟ سواء البطالة التي تعني لا عمل وبالتالي لا دخل على الإطلاق، أو البطالة التي ربما يكون الشاب مسجلا على قوائم العمل هنا وهناك ولكنه بالفعل لا يجد ما يفعله؟؟؟
كم عدد الشباب المتاح لهم حتى فرصة المخاطرة بالسفر إلى مكان ما لو كان إلى الجحيم، بحثا عن فرصة حياة جديدة؟؟؟ كم عدد الشباب في سن الزواج ولكنهم لا يستطيعون، وهذه لعنة، وان تمكنوا من الزواج بلا عمل، ولا دخل فاللعنة اشد قسوة؟؟؟
وكيف يمكن أن يشعر بالأمان ذلك الشاب الذي لا يجد عملا، ولا يتمكن من السفر، ولا يلقى علاجا بالحد الأدنى، وليس له حلم يذهب إليه، ولا يستطيع التخطيط ليوم واحد أو بعض يوم؟؟؟
نحن في قطاع غزة شريحة الشباب هي الأكبر بوجه خاص، تعيش تحت أقسى حالة يمكن أن يعيش في ظلها البشر، وهي حالة عدم التأكد، وفقدان الثقة، والشعور الكثيف بعبثية المنطلقات السياسية، وخاصة فيما يتعلق بثنائية الحصار والانقسام، وما يجري من تعايش، وتكيف، واستسلام أمام هذه الثنائية القاتلة، حيث الحصار يستمد شرعيته من الانقسام، وكذلك الانقسام يستمد الشرعية من الحصار، وهكذا في طاحونة بقطبين، تدور وتدور بلا نهاية، فتطحن عظامنا، وتهرس لحمنا، وتجعلنا نعيش في خلايا الضجيج بطريقة اقرب إلى الجنون!!! من يوقف هذه الطاحونة الجهنمية، طاحونة الحصار والانقسام؟؟؟ والخلاصة ان لا احد على الاطلاق قادر على فعل شيء لاحد ان يكون تحت حجر الطاحون الرهيب ثم يدعي بعد ذلك انه قادر على فعل شيء
والخلاصة :
إننا في قطاع غزة نعيش، ولا نعرف كيف نعيش، ولا نعرف لماذا نعيش، هل نحن قطعة بشرية لازمة لاكتمال المشهد العبثي؟؟؟ هل نحن حالة يبرر خلالها الآخرون وخز الضمير؟؟؟ هل نحن مجرد نموذج يتيح للآخرين أن يلوكوا الحديث عنه بينما حديثهم لشعوبهم لا يصدقه احد؟؟؟ هل نحن لزوم ما لا يلزم؟؟؟
آه يا قطاع غزة ،
عذابك خارق، ولكن بأسك عابر للحدود، هذه هي الخلاصة، اصنعوا أملا لقطاع غزة، افتحوا له النوافذ على الأمل، لان وجعه لا يطاق.
