لم تأخذ قضية عالمية من الاهتمام والبحث مثلما اكتسبته مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الذين شردوا من أراضيهم الأصلية على أيدي العصابات الإسرائيلية عقب نكبة العام 1948، والتي خلقت مشهدا فلسطينيا ، الجغرافيا فيه مستلبة والتاريخ مختلق والزائر محتل غريب ودموي .وفي الوقت الذي نرى فيه العالم، بدوله وسكانه يعترف ببشاعة صناعة هذه القضية، وهول نتائجها وحتمية حلها نجد إسرائيل، المسبب الرئيس لها، تعتبرها مسألة منتهية ولا تتحمل بشأنها أية مسؤلية لأن الذي حدث ـ في نظرها ـ ما هو إلا مجرد حرب استقلال، وإن اللاجئين هم نتيجة طبيعية لهذه الحرب التي نشبت بين طرفين (العرب واليهود).
وكما نفت إسرائيل الفلسطينيين من أرضهم وفرقتهم في منافي كثيرة من العالم ،فإنها أقصت كلمة (العودة ) لهؤلاء المشتتين من قاموسها ، ليحل مكانها مصطلح (الدمج والتوطين ) في بلاد ليست لهم . وقد كان القرار الصهيوني بطرد أهل فلسطين قرارا مدعوما من الاستعمار العالمي ،وهدفه إنشاء دولة لليهود على ارض فلسطين المغتصبة ومحاولة لتكريس وبث أسطورة عدم( وجود شعب فلسطيني ) ،حسب تعبير غولدامائير.
وأرتكز الموقف الإسرائيلي من مشكلة اللاجئين، ومنذ نشوئها في العام 1848م، على أربعة عناصر، تمثلت في:
أولا : أن قضية اللاجئين الفلسطينيين ليس لها خصوصية أو استثناء ،فما هي إلا نتيجة عادية لحرب بين طرفين انتصر فيها اليهود على العرب. ومن المعروف أن أصواتا إسرائيلية كثيرة فندت هذا الادعاء، خاصة الذين يطلق عليهم (المؤرخون الجدد)، والذي قال احدهم وهو (بيني موريس) :أن الوثائق بينت وبوضوح عمليات طرد منظمة ومقررة سلفا من قبل الحركة الصهيونية بحق الفلسطينيين.
ثانيا : إن هذه القضية هي من صنع العرب ،لأنهم اعتدوا على إسرائيل ، وبأنها ناتجة عن العمليات الحربية لجيوشهم عام 1948، وكذلك نجمت من دعوة القيادات العربية للسكان الفلسطينيين لمغادرة قراهم بغية تسهيل تقدم القوات العربية . وبخصوص هذا الادعاء ،فان الباحثة الفلسطينية روزماري صايغ تؤكد أن الملفات التي درسها عدد كبير من المؤرخين اليهود تكذب هذا الزعم وتكشف أن الإعلام الإسرائيلي في نيويورك هو الذي اخترع أسطورة أن الفلسطينيين غادروا بلادهم بناء على أوامر من زعماء العرب،إضافة إلى أن مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني قد طلب من مصر إلغاء التصاريح للفلسطينيين لكي يبقوا في أراضيهم.
ثالثا : إن العرب يتعمدون إدامة مشكلة اللاجئين ويستخدمون الفلسطينيين سلاحا في صراعهم مع إسرائيل . وهذا الادعاء يسقط كغيره ، لسببين ،أولهما، اقتلاع إسرائيل شعب فلسطين من أرضه وخرق القانون الدولي عبر إجبار الدول العربية استقبال واستيعاب لاجئيه ،وثانيهما ،أن حكومات إسرائيل المتعاقبة ترفض عودة هؤلاء المشردين إلى وطنهم الأصلي(فلسطين ) ،وهذا ما يثبت أن سبب إدامة هذه المشكلة الطويلة هي إسرائيل وليس العرب.
ويرتكز العنصر الرابع والأخير من مواقف إسرائيل تجاه اللاجئين الفلسطينيين ،على أنهم عرب، وان الدول العربية تمتلك من الموارد ما يكفي لاستيعابهم وتوطينهم في بيئة مشابهة لبيئتهم الأصلية وإطار اجتماعي وثقافي مماثل. وهذا العنصر كذلك؛ لا يجد حاضنة قادرة على تنفيذه،لسببين، الأول: لا يمكن قانونا إجبار دولة ذات سيادة على تحمل أعباء إضافية لاستيعاب لاجئين من بلد أخر،في حين يتمثل السبب الثاني‘ في أنه لو وافق العرب على هذا الادعاء وحاولوا تطبيقه،فان الفلسطينيين (أصحاب الشأن ) سيرفضوا ،لأنهم متأكدون أن حقهم في العودة حق مقدس لا يزول بتقادم الزمن أو بتبدل الدول.
واستخلاصي من هذه المزاعم الإسرائيلية ،إن حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم بالنسبة لإسرائيل يرتكز على أسس سياسية وأيدلوجية واقتصادية وأمنية ، وان الجميع في إسرائيل ،يمينا ويسارا يتمسكون بهذه المواقف ، باستثناء أقلة لا يؤثرون على مفاعيل صناعة القرار في هذه الدولة الاحتلالية.
فإسرائيل ترى أن عودة هؤلاء الفلسطينيين ،يتنافى وطبيعة الدولة العبرية وأساس إنشائها ،باعتبارها دولة خالصة لليهود، وأن نقاء العرق اليهودي لا يحتمل أو يسمح بأن يزاحمه أو ينافسه أي أمة أو جماعة مهما كانت عقيدتها أو أيدلوجيتها ،إضافة إلى ان الإعلان عن الموافقة على حق العودة ،يعني الاعتراف بمسؤولية إسرائيل عن هذه المشكلة .وهذا ما لا تريده لأنه ينسف أسطورة الصهيونية القائلة :( أن فلسطين ارض بلا شعب )، والتي هي أحد مرتكزات الأيدلوجية الاستيطانية لهذه الحركة الإحلالية .
وفي السياق ذاته ،فإن إسرائيل ترفض تطبيق قرار الأمم المتحدة رقم (194 ) ،الذي ينص على وجوب حق العودة ، بحيث دأبت دائما وبوسائل متعددة على إعاقة تنفيذه ،مع الإشارة إلى أن إسرائيل لم تكن تصوت ضد القرار في كل مرة يعاد التأكيد عليه ،وإنما كانت تمتنع بسبب، أن الأمم المتحدة اشترطت عدم اعتراض إسرائيل عليه لقبول ضمها إلى هذه المنظمة الأممية.
وعلى الرغم من أن القرار(194 ) إكتسب نفوذا ملزما، عبر تأكيد المجتمع الدولي على ضرورة تطبيقه أكثر من (110 ) مرات وعلى مدى خمسين عاما ، فإن إعلان المبادئ (أوسلو ) افقد قضية اللاجئين جزءا كبيرا من أهميتها وخصوصيتها، وذلك لإرجاء البت بشأنها إلى مفاوضات الحل النهائي ،إلى جانب تحويلها إلى مشكلة بين طرفين (الفلسطيني والإسرائيلي)، وليس قضية دولية . وهذا الأمر أدى إلى تغير في الموقفين الإسرائيلي من خلال الرفض المطلق لحق العودة والتصويت ضده في أروقة الأمم المتحدة ،والأمريكي عبر دعم الموقف الإسرائيلي المبني على أساس أن أي حل لقضية هؤلاء اللاجئين _ومن ذلك القرار 194 _مسالة تخضع للمفاوضات الثنائية الفلسطينية _الإسرائيلية،علاوة على استخدامها حق الفيتو أحيانا، بخصوص أي مشروع يطالب بتنفيذ بنود هذا القرار الدول.
وتعتبر أكثر الأسس التي تعتمد عليها إسرائيل في رفض تطبيق القرار(194 ) ، هو الأساس الأمني والديمغرافي، بحيث ترى أن تطبيق حق العودة يشكل خطرا على وجودها ،كونه سيرفع بشكل كبير كثافة السكان الفلسطينيين . وهذا الخطر المزعوم الذي أساسه الأسطورة وتزييف التاريخ،لا يمت إلى الحقيقية او المنطق بصلة .فالباحث د.سلمان أبو ستة يبين على سبيل المثال لا الحصر ، انه لو عاد لاجئي غزة ولبنان ،لن يزيد عدد سكان إسرائيل إلا بمليون شخص ،وهو عدد المهاجرين الروس لإسرائيل في عقد التسعينيات من القرن الماضي ، موضحا أن المسالة ليست مسالة امن أو ديمغرافيا ،وإنما مسألة استبدال شعب بشعب.
وفيما يتعلق بوكالة الغوث(الأنروا) التي تعنى بشؤون اللاجئين الفلسطينيين ،فإن إسرائيل سعت دوما إلى إجهاضها ،باعتبارها شاهدا دوليا على معاناة هؤلاء ، إلى جانب أن إسرائيل تهدف إلى دمج وتوطين من شردتهم من ارضهم في البلدان المقيمين فيها، بهدف تفريغ مشكلتهم من محتواها السياسي وتحويلها إلى الى مجرد مشكلة إنسانية تتطلب حلها بضعة ملايين من الدولارات .
وبخصوص أراء ومواقف المؤرخين الإسرائيليين من قضية اللاجئين وحق العودة لهم، نجد أن أهم المؤرخين الجدد وهو ايلان بابي يقول : "أن أقسى ما تخاف منه إسرائيل بخصوص قضية عودة اللاجئين، يتمثل في احتمالية تحمل الدولة العبرية مسؤولية هذه الكارثة ،إلى جانب فقدان الأكثرية الديمغرافية اليهودية، موضحا أن الموقف الإسرائيلي الأخلاقي وكذلك الدولي تآكل بشكل كبير تجاه هذه النكبة الإنسانية (كما يصفها) ،إلى حد لم يعد معه خوف إسرائيلي من الإدانة ،ولا رغبة يهودية في التكفير عن الذنب".
وفي مقابل هذا الحديث، نرى المؤرخ بارولمنرخ يقول :"أن المطالبة بعودة الأشخاص إلى بيوتهم وإحيائهم هو نوع من التفسير الأسطوري ،الأيدلوجي لحق العودة" . وهذا المؤرخ يتجاهل الأسطورة حول ما يسمى(حق العودة) اليهودي إلى مكان يزعمون (أي اليهود ) أنهم كانوا فيه قبل 3000عام. وهنالك عدد كبير من الأكاديميين والمؤرخين الإسرائيليين يؤكدون ويروجون للمواقف الإسرائيلية المتعلقة بعدم تحمل المسؤولية عن مشكلة اللاجئين أو عودتهم ،والتي تم ذكرها آنفا .
وبهذا، أرى أن تعنت إسرائيل في الاعتراف بمشكلة اللاجئين التي هي المسبب الرئيسي لها، ومن ثم رفضها عودة هؤلاء المشتتين في أصقاع كثيرة من العالم، يتأتى من معرفتها الحقيقية من أن هذه القضية هي قضية أرض مغتصبة وسكان مهجرين، وأن أهم دليل مادي لاحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية تعكسه هذه المشكلة التي لا تزال خيوطها تتعقد وأهميتها تتصاعد ،وإن حاول البعض تذويبها عبر مسميات الدمج والتوطين والتعويض.
