بيوت الشهداء والجرحى.. بلا عيد وتحفها الذكريات

تتمنى الطفلة رحاب عبد ربه أن تكون في عيد الأضحى المبارك على موعد مع رحلة كتلك التي قضتها في عيد الفطر في تركيا برعاية مؤسسة تركية مع أمثالها من الأطفال الأيتام الذين سقط آباؤهم شهداء خلال عدوان الاحتلال على غزة.   وتعتقد الطفلة عبد ربه أن والدها الذي اختطفته صواريخ الاحتلال ذهب إلى الجنة، ويقوم بتجهيز منزل لها ولإخوتها إلى حين ذهابهم إليه في وقت لاحق.   وتستذكر رحاب (7 سنوات) في حديثها مع "صفا" رحلتها قائلةً: "ليتنا نسافر في هذا العيد، كنت سعيدةً واستقبلنا أطفال وأناس كثيرون، وزرنا أماكن جميلة، ولا يوجد فيها خراب، حتى أني رأيت صورة والدي هناك".   وتابعت "أبي ذهب إلى الجنة لأن الاحتلال قتله، وهو سعيد ويأكل أحلى الطعام ويبني لنا منزلاً، وقالت والدتي إننا سنذهب إليه حينما يجهز لنا البيت".   واستقبل أهالي قطاع غزة عيد الأضحى المبارك وسط حالة من الركود على كافة المستويات الإنسانية والاقتصادية بسبب استمرار انتهاكات الاحتلال والحصار.   سجينة الذكريات ولا يمثل العيد للفلسطينية أم أبسل شراب مناسبة تعم فيها الأفراح والمسرات أو تجد فيها صلةً للأرحام، فللسنة الثانية تقضي أيامها أعياداً أو غيرها سجينة المآسي والذكريات في منزلها الذي يخيم عليه الحزن منذ استشهاد ابنيها إبراهيم وكساب، وهما في ريعان شبابهما.   وبالرغم من مرور الأيام والليالي، إلا أن الأم المكلومة لا تتقبل الواقع الذي تعيشه منذ فراق ابنيها اللذين استشهدا قبل عامين في حرب الاحتلال على غزة، مما تسبب لها بمرض يشتد عليها يومًا بعد يوم.   وتقول "أم أبسل" التي تقطن خان يونس جنوب قطاع غزة في حديث ل"صفا": "كيف يكون العيد عيدًا ومن كان يجعل له طعمًا وبهجة غائبين، فحركة أبنائي وفرحتهم ولبسهم ونشاطهم يوم العيد هو الذي يجعلني أشعر بحلاوته واختلافه عن باقي أيام السنة".   وتضيف "ربما الناس في خارج أسوار بيتي يعيدون، أما هنا فلا عيد ولا فرح، ولا وجود شيء إلا للحزن والمرار".   ولا تحضر والدة الشهيدين أي مناسبات أو أفراح لأقاربها أو جيرانها منذ عامين، حتى أن العائلة لم تقم يوم زواج ابنها الوحيد فرحًا من شدة حزنها على كساب وإبراهيم.   ويستشعر من يدخل منزل أم أبسل أجواء الحزن واضحةً بصورة جلية، نظرًا للسكون والهدوء التام فيه والعتمة التي تسببها إغلاق المنافذ، حيث لم يبقَ للأم بعد رحيلهما أنيسًا سوى ابنتيها، اللتين ليستا بأحسن حال أو أقل حزنًا منها.   وتقول ابنتها بارعة التي يؤلمها حال والدها منذ استشهاد شقيقيها: "البيت كئيب، فوالدتي تشتد حالتها تأزمًا منذ استشهادهما، وما يحرق القلب حال والدي الذي يمكث في قطعة أرض لنا بالخلاء وحيدًا وبعيدًا عنا، ولا نراه إلا يومًا بالأسبوع".   ما عاد العيد عيدًا وأفقد الاحتلال الشاب الجريح محمود الزربة (22 عامًا) مقومات العيد ببتره لقدميه وتشويه جسده بعد إصابته بصاروخ أثناء عدوانه على قطاع غزة، حتى أضحى عزولاً "يبكي الدموع دمًا".   ويقول الشاب الذي يقطن حي الصبرة بمدينة غزة بألم في حديثه ل"صفا": "كهذه الأيام من العيد كنت أخرج وأساعد أهلي وجيراني في الأضاحي، وأخرج إلى المنتزه برفقة أصحابي، لكن الآن كل شيء راح وما عاد العيد عيداً".   ويشكو العزلة قائلاً: "سأبقى في المنزل، فأين سأذهب ومع من؟ حتى أصحابي الذين كانوا يزورونني وأخرج معهم استشهدوا، وأصبحت وحيدًا أجلس في زاوية بالمنزل وأبكي دمًا على حياتي التي انتهت".   ويرى مدير برنامج غزة للصحة النفسية إياد السراج أن سكان قطاع غزة خاصة أهالي الشهداء والجرحى ومن تعرضوا للقصف مباشرة خلال عدوان الاحتلال على غزة ما زالوا يعانون من صدمات نفسية، وأن المدة التي مرت على الحرب لا تكفي لإزالة أثار هذه الصدمات.   وأوضح السراج في حديث ل"صفا"، أن مؤسسات الصحة النفسية والطبية لم تستطع أن تغطي حاجة السكان للمساعدة الفورية بعد الحرب، نظرًا لضعف الكوادر البشرية من المتخصصين في هذا المجال، بالإضافة إلى ضعف الوعي لدى المواطنين.   وعدَ أن للأطفال الذين فقدوا آباءهم وضعًا خاصًا، وأنهم يبقوا على تواصل معهم ويعتقدون أنهم موجودون رغم غيابهم عنهم، في حالة تسمى بوسيلة الدفاع النفسية ضد الموت والفقدان، لكن ربما تتحول هذه الحالة إلى مرض في المستقبل لدى بعض الحالات. كما قال