حكايات ترويها ألسنة الشبان المتعبون من التجاهل والبطالة منهم الخريجين والعاطلين عن العمل ومن مشاق الحياة تروى حكايات الموت التي يتعرض لها شبان من غزة لاذنب لهم الا أنهم وجدوا في واقع الحزبية وتجاهل المسؤولين عنهم .
الحكاية رغم تعقيداتها ومراحلها الا أنها سهلة أمام أولئك الشبان الذين يريودن المغادرة بأي ثمن أمام اليأس من الحياة التي أحاطها سواد البطالة والفقر وعدم وجود الفرص في غزة لأسباب الحصار والانقسام.. تبدأ القصة بعشرات الشبان من غزة الذين هربوا من غزة الى اوروبا ومنهم من حالفه الحظ ومنهم من لم يحالفه ليقع في سجون مصر أو تلك الدول التي يهربون اليها .القصص تروى في غزة من أهالي أولئك الشباب وأصدقائهم الذين يروون هذه الحكايات وهم على أمل أن يخطوا على نهج أصدقائهم وما يسمعونه من الحكايات وآليات الهروب .
تبدأ المغامرة بعلم اليوم الذي يكون فيه معبر رفح البري بين قطاع غزة ومصر مفتوحا ليقوم أولئك الشبان بأخذ جوازاتهم الى أحد الأشخاص الذي يقوم بتزوير الختومات الرسمية من الجانب الفلسطيني والجانب المصري فيختم الجواز بالختم الفلسطيني والختم المصري بتاريخ اليوم الذي يكون فيه المعبر مفتوحا بقيمة أدناها 150 دولارا . وهؤلاء الشبان مستعدون بختم هذه الجوازات بمبلغ أكثر من ذلك .. كل هدفهم الخروج بأي ثمن
سرعان مايتوجه أولئك الشبان الى شخص يبعثه اليهم مزور الجوازات وهو غالبا يكون صاحب نفق جنوب مدينة رفح لينقل هؤلاء الشبان بتكلفة 500 دولار " على الراس " وكأنها قطيع من الأغنام ! هكذا وصفت من رواة الهروب حيث يدخلون النفق وسرعان مايخرجون الى الجهة الأخرى والتي تكون في الجانب المصري ليستقبلهم " الأمين المصري " الذي يحضر لهم ابريقا من الشاي ويجهز لهم السيارة التي ستقلهم من العريش الى الاسكندرية مباشرة بمبلغ يقارب 600 جنيه مصري يقتسمها ذلك الأمين مع صاحب السيارة .
وهنا تبدأ المرحلة الثانية حيث تسير العربة بهم الى الاسكندرية عبر نقاط التفتيش المصرية التي لايمكن الهروب عنها حيث يوقف هؤلاء لفحص أوراقهم من قبل أولئك العساكر وفي أثناء الفحص فان هؤلاء الجنود لايدققوا بالمعنى الحقيقي للتدقيق فهم يشاهدون وجود الختم والتاريخ الصحيح وبالتالي فان أوراقهم سليمة فيسمح لهم بمواصلة الطريق .ومن الطرفة والصدفة التي أودت ببعض هؤلاء أن ظابطا في احدى المرات التي هرب فيها دفعة تقارب من 16 شابا كانوا على نفس الطريق فأوقفهم العسكري وشاهد أوراقهم فوجدها سليمة الا أن حظهم الغابر أن ظابطا مصريا يبدوا أنه كان متابعا جيدا لحركة المعبر فسأل الجندي " يابني هوا التاريخ الي في الباسبورت بتاريخ ايه " فرد العسكري " بتاريخ النهارده يافندم " فقال الظابط " الله ... ده المعبر كان مئفول النهارده ازاي ده .. نزلهم كلهم وخد الباسبورتات وافحصهم على الكمبيوتر " فانتهى الأمر بهم الى الاعتقال .
العبور من نقاط التفتيش ليس بالأمر الصعب فالصدفة ليست كل يوم .. فالعشرات ولا أزاود ان قلت المئات من الذين خرجوا يصلون بعد ذلك الى الاسكندرية حيث يقومون بالاتصال برقم أعطاه اياهم " الأمين المصري " وهو رقم المسؤول عن المرحلة " الأخيرة " مرحلة الهروب حيث يقوم هذا " المسؤول عن الهروب " باعطائهم عنوان شقة ويطلب منهم عدم الخروج منها بتاتا حيث يحرص عليهم عدم الخروج منها لأي سبب ويحذرهم بأن جيرانكم في السكن لايجب أن يعلموا وجودكم . وتبدأ عملية الحشد الذي يراه " المسؤول " مناسبا حيث ينتظر أولئك الشبان عدة أيام في الشقة الى أن يصل " الضيوف " وهم أسوتهم من الهاربين من غزة الا أن يكتمل العدد المناسب للمسؤول .
لتبدأ المرحلة الثالثة وهي وداع الاسكندرية والدخول في البحر عبر المراكب بمشاهد تعيد فيلم " أبو العربي " حيث يأخذ المسؤول عن الهروب مبلغ 2000 دولار على الشخص قبل أن يلقيهم على سواحل ايطاليا ليقفز هؤلاء الى الشوطئ الايطالية وهنا تنتهي عملية " المسؤول " ويعود ليكمل نقليات الهروب بنفس السيناريو.
وتنتهي الحكاية عند الوصول الى شواطئ ايطاليا حيث هناك اما أن يمسكهم الأمن الايطالي أو لا .. وفي الحالتين فان ايطاليا ترفض أن تستقبل الهاربين فتعطيهم الخيار لمغادرة البلاد لمدة أقصاها 72 ساعة .ليستقل أولئك الشبان القطار الى ألمانيا أو الى دول الجوار متجهين الى السويد حيث يتوجه أولئك الى معسكرات اللجوء وتبدأ بعدها حكايات الحصول على العمل والاقامة والجنسية وماشبه من هذه الأمور
هذه الحكايات التي يرويها الهاربين أو أهلهم وأصدقائهم عن رحلات الهروب من الشقاء الى ماتخيله العقول لهم من الرخاء وفرص العمل والحياة .. من الموت الى الحياة . كيف يجب أن تعامل من المسؤولين عن هذه الرحلات التي أصبحت بشكل يومي . حيث يعرض المئات أنفسهم للخطر كل يوم لا يرون الا شيئا واحدا .. " الهروب من غزة ولو بأي ثمن " ان التحذيرات التي أطلقتها بعض الفصائل الفلسطينية عن تنامي هجرة الشباب من غزة ليست شيئا لمجرد الذكر بل هو واقع يجري كل يوم . ولكن هل يكفي التحذير فقط .؟ من المسؤول عن الهروب والى متى سيظل الواقع لايغاير مكانه من المناكفات الحزبية التي تودي بأولئك الشبان الى التفكير بالوسائل الأخرى لمعالجة الواقع .
ان هذه المسؤولية تقع على عاتق أولئك الذين يفننون في الشتائم والمناكفات الحزبية من الفصائل الفلسطينية على حد سواء . فارحموا أولئك الذين تستغلهم الدول لبناء حضاراتهم بينما أنتم تعيشون في أوهام السلطة وفرض الرأي والحصول على أكبر قدر من الأموال . ان الاهتمام بهؤلاء الشباب هم أولى من التغول في مهاترات الانقسام التي تؤدي الى اهمالهم وعدم الاكتراث بحياتهم .
في غناء موطني " يذكر أن الشباب لايمل .. همه أن يستقل " ... فعذرا أحزابنا وقياداتنا فان الشباب مل وكفر بهذا الحال . ولابد أن يتولى جزء من مسؤولياتكم بدلا من مهاتراتكم .
بقلم : هديب رضوان
