شباب غزة يرمون أنفسهم إلى المجهول ويمنونها برغد الحياة

في ظروف سوداوية، ومجازفة تصل إلى حد الموت غرقا، شباب غزة يهاجرون إلى أوروبا بطرق غير شرعية، بقوارب الموت، التي لا تحمل أدنا سبل الأمان، وتحت هذه الظروف لا تشاهد سوا الابتسامات التي ترتسم على وجوههم، لمجهول لا أحد يعرفه إلا الله، على أمل أن يجد ما يتمناه كل شاب في العالم.

وكانت وسائل الإعلام تناقلت صوراً لمئات الشبان من قطاع غزة، يهاجرون بطريقة غير شرعية إلى شواطئ أوروبا هروباً من قسوة الحياة في قطاع غزة، معرضين حياتهم للخطر، وللمساءلة القانونية بعد الوصول.

وتعد الهجرة إلى أوروبا حلم يراود كل شاب وعاطل عن العمل في المناطق العربية التي تجتاحها الأزمات المتلاحقة والسياسية أكثرها، فلا يخفى على احد كيف يبتلع البحر مئات المهاجرين الغير شرعيين في صورة تتكرر كثيرا في الفترة الماضية.

ولعل الفلسطيني لا يختلف كثيرا عن الواقع العربي المعاش فأصبح يحلم ويراوده هذا الحلم وهذه الأمنية بشغف مفرط، بل وأصبح يعمل على تحقيقها حتى لو أزهقت روحه في سبيل ذلك.

الشباب يهاجرون

رجل كبير في السن يسأل عن أبنه الذي سافر إلى ايطاليا وانقطعت الاتصالات به، فيسأل عن طريقة لمعاودة التواصل أو معرفة ظروف حال ابنه هل هو من الأموات أم من الأحياء، وإن كان ذلك فأين هو؟.

وعن تفاصل ما قبل الهجر قال الحج أبو احمد لمراسلنا، إن أبنه قرر الذهاب إلى أوروبا عن طرق السفر إلى مصر ثم إلى إي دولة أوروبية يستطيع الوصول إليها، على أمل أن يجد المال والحياة الآمنة والعيش الرغيد.

وأضاف الحج، أن ولده طلب منه أن يعطيه 8000 دولار ليسافر بها إلى مصر ومنها ينطلق، وهذا ما حصل بالفعل، وآخر اتصال كان مع أبنه عند ركوبه القارب، حيث قال لوالده إني ذاهب إلى ايطاليا، ثم انقطع الاتصال به، هذا هو حال معظم شباب غزة.

ظروف ما بعد الحياة

أحد الشبان تحدث عن رحلة الهجرة فقال: "توجهت برفقة عدد من الشباب من غزة إلى الإسكندرية بعد أن قمنا بالاتصال مع أحد المهربيين لتهريبنا إلى أوروبا، فطلب منا المهرب مبلغ 3500$ عن كل شخص، حيث اتفقنا معه على خطته لتهريبنا عبر البحر عبر قوارب صغيرة تسلمنا لباخرة كبيرة وآمنة بعد أن نتوغل في البحر مسافة 10 أميال بسفينة صغيرة.

وأضاف "ركبنا نحن 370 شخصا من جنسيات مختلفة سفينة صغيرة ومهترئة لا تتسع الا لخمسين شخص فقط، وبعد مسيرة يوم من الإبحار انقلبت بنا السفينة بسبب الازدحام داخلها وفقدانها لتوازنها، وعمل المهربون على إنقاذنا جميعا، وبعد مسيرة نحو يومين ونصف انقلبت بنا السفينة مرة أخرى".

وأضاف "للأسف غدر بنا المهربون في عرض البحر وهربوا وتركونا لوحدنا نصارع الموت والأمواج المتلاطمة، ومن حسن الحظ مرت علينا باخرة شحن كبيرة فاستغثنا بها فعمل طاقمها على انقاذنا جميعا، وأكملت الباخرة مسيرها في البحر الى أن رست في ميناء جزيرة مالطا، حيث استلمتنا الشرطة هناك".

ضرب وتعذيب واهانة

وأكمل الشاب حديثه بالقول "تم تجميعنا نحن الـ 370 شخص في معسكرات مغلقة لا ترقي للمستوى الانساني منذ سبعة أيام، وعاملونا بكل وحشية وهمجية حيث تعرضنا للضرب والتعذيب والاهانة والشتم والسخرية يوميا لإجبارنا على "التبصيم" في مالطا ونحن نريد أن نبصم في السويد، كما قامت الشرطة بتجريدنا من أموالنا ومقتنياتنا".

وأكد على "أن الهاربين شرعوا بإضراب عن الطعام للضغط على السلطات في مالطا لتحسين ظروفهم ومنحهم الحق في اللجوء السياسي في أوروبا."

ويناشد النازحون المؤسسات الدولية في العالم والصليب الأحمر ومؤسسات حقوق الانسان التدخل الفوري لحل قضيتهم الانسانية وتحسين أوضاعهم في مالطا ومنحهم الحق في اللجوء السياسي في أوروبا.

من ناحية أخرى ذكرت مصادر حقوقية أن عشرات الهاربين والذين قد علقوا في مطار القاهرة كانوا يعيشون ظروفا إنسانية صعبة، خلال العدوان على قطاع غزة، وكانت السلطات المصرية تمنعهم من الخروج من المطار وتمتنع من الرجوع إلى الأماكن التي قدموا منها.

10 آلاف هاجرو إلى اوروبا

كشفت مصادر فلسطينية في قطاع غزة عن وجود ظاهرة جديدة لهجرة الغزيين من قطاع غزة بشكل غير شرعي الى عدة دول أوروبية وعربية في شمال أفريقيا، هربا من واقع الحال الصعب خلال الأشهر الأخيرة، فيما تضاعفت الرغبة والإقبال على هذا الشكل من مغادرة غزة بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع رغم قساوة وصعوبة وخطورة الرحلة التي تكلف الغزيين أموالا طائلة وقد تكلفهم حياتهم، حيث يجري تهريبهم عبر الأنفاق ليسيروا في رحلة مضنية وشاقة في صحراء سيناء، وصولا لميناء الإسكندرية حيث البحر المتوسط وبعدها عبر سفن المهاجرين غير الشرعيين الى اوروبا، بحسب المصادر الفلسطينية.

المصادر الفلسطينية التي كشفت عن القضية قالت إنها تتخوف على نفسها، ولذلك فهي تفضل الكشف عن هذه المعلومات التي تتطابق اليوم مع تصريحات لمسؤولين في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والذين أعلنوا عن مخاوفهم من تزايد الهجرة غير الشرعية بين أبناء القطاع هربا من القهر والقتل الذي تعرضوا له نتيجة العدوان الاخيرة وقبله من سنوات الحصار الظام على قطاع غزة، حيث تحولت الحياة الى جحيم لا يطاق في ظل الصمت الدولي.

وتقول المصادر إن الإحصائيات تشير الى هجرة نحو عشرة الاف غزي معظمهم من الشباب خلال الأشهر الثمانية الأخيرة بحثا عن فرصة حياة أفضل للعيش انسانيا واقتصاديا، كما تقول المصادر. وتضيف المصادر أن الهجرة تحولت الى حلم يرافق الشباب أينما ذهبوا في غزة، حيث قام البعض من شباب غزة ببيع ذهب أمهاتهم وزوجاتهم وهناك من استدان من الأقارب والجيران من أجل الهجرة ومغادرة قطاع غزة ولو بشكل غير شرعي وفيه مشاق وعذابات ومخاوف، حيث مخاطر استخدام الأنفاق ومن ثم عمليات تهريبهم عبر صحراء سيناء ومطاردة الأمن المصري لهم، يليها مخاطر البحر عبر القوارب غير الشرعية للمهاجرين لأوروبا.

المصادر أكدت أن قاربا للمهاجرين الشرعين وعلى متنه 160 مهاجرا غالبيتهم من قطاع غزة، انقلب في البحر الأبيض المتوسط، حيث قامت البحرية المصرية بإنقاذ ركابه وقامت بإعتقال كل من على متنه، حيث تم سجن كافة من على متنه بمن فيهم الغالبية الفلسطينية، كما يقول المصدر. وتنقل المصادر الفلسطينية في قطاع غزة أن هناك مقاولون يعملون في هذه الخدمة، حيث يذهب هؤلاء المقاولون لمن يتأكدون نيته على الرحيل أو الهجرة ويتفقون معه على موعد ومكان المغادرة، ويتقاضون منه على كل فرد من أفراد العائلة عدة آلاف من الدولارات، مشيرين الى أن عمليات الهجرة غير الشرعية تتم عبر التهريب بالأنفاق بشكل فردي للشباب أو بشكل جماعي للعائلات.

وحول تفاصيل التكلفة، قالت المصادر إن تكلفتها للشخص الواحد أربعة آلاف دولار تشمل تهريبه عبر الأنفاق وصحراء سيناء والبحر بقارب غير شرعي، وصولا للشواطئ الايطالية حيث يتم إنزالهم قبالة السواحل الايطالية في غالبية الاحيان. وتضيف المصادر أن العديد من شبان القطاع قالوا ويقولون أنه "في ظل الوضع السائد بالقطاع حتى قبل العدوان الأخير على غزة، فإن الحل الامثل امامهم هو الرحيل أو الهجرة سواء بطرق شرعية أو غير شرعية"، واصفين الحياة "بالحياة التي لا تطاق في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة".

ويقول الكثير من الشباب الغزي أنه يسعى للهجرة والمغادرة بشكل قانوني، لكن وبسبب تعذر القيام بذلك عبر المعابر خصوصا معبر رفح حيث إجراءات السفر المعقدة على مختلف الأصعدة والجهات، فإنه لا خيار أمامهم سوى السفر بشكل غير شرعي، أي عبر التهريب على ايدي مقاولي التهريب. ويوضح الشباب الغزي أن الكثير منهم يأمل بأن يتم فتح المجال أمامهم للهجرة عبر أقاربهم وذويهم الذين يعيشون في دول أوروبية وعربية، بحثا عن حياة كريمة لكن الحصار على غزة وإغلاق المعابر منعهم من ذلك.

المصادر ذاتها أشارت الى أن الإقبال على الهجرة غير الشرعية في تزايد كبير كما يقول القائمون على عمليات التهريب للراغبين بالهجرة، وهو الأمر الذي دفع الجبهة الشعبية لنشر بيان صحفي في موقع "دنيا الوطن" للتحذير من مخاطر هذه الظاهرة. وقالت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إنها "تتابع بقلقٍ بالغٍ تنامي ظاهرة هجرة وهروب الشباب من قطاع غزة بأعداد كبيرة وملفتة من خلال عمل منظم يستهدف تهجير الشباب، وتقويض صمود المجتمع الفلسطيني". وقالت في بيان صحافي إن "هذه الظاهرة وبغض النظر عن أسبابها ودوافعها، تستوجب العمل السريع والعاجل من الجميع سلطة وأحزاب ومؤسسات للعمل من أجل وقف هذه الظاهرة، التي يقف خلفها أشخاص معروفين تمكّنوا من تهريب أعداد كبيرة من الشباب دون تعرضهم للملاحقة أو المسائلة تربطهم علاقة بشبكات دولية".

واضاف البيان: "إن الوقوف الفوري والحاسم أمام هذه الظاهرة يستدعي عقد اجتماع عاجل للقوى والفصائل الفلسطينية للوقوف أمام مسؤولياتهم الوطنية، ووضع الحلول العملية والسريعة للتصدي لهذه الظاهرة، وإيقافها حتى لا تشكّل استنزافاً للمجتمع وشبابه الذين يعيشون أوضاعاً صعبة عمادها الفقر والحاجة والبطالة، نتيجة سياسات حكومية همشت قطاع الشباب وأدارت الظهر لاحتياجاته الحياتية الملحة، وأغلقت آفاق المستقبل أمامهم على مدار سنوات طويلة في ظل الاستمرار بالمناكفات السياسية والاحتكام للمصالح الفئوية بعيداً عن المصلحة الوطنية والاجتماعية لهذا القطاع الواسع من جماهير شعبنا"، حسب البيان.