لا يختلف أي من الإسرائيليين، الذين يحتلون الأرض الفلسطينية وبيوت أهلها، ويرضون الاستيطان فيها، ثمّ يدعون ملكيتها، أو وراثتها، حول عدد من الفرضيات التي ينطلقون منها، حين يقبلون حوارا، في أية قضية تخصّ الاحتلال، سواء أكانوا من اليسار أو من اليمين، وسواء أكانوا علمانيين أو متدينين، حتى وإن تفاوتت بعض مواقفهم السياسية، حسب الظروف، دون أن يفكروا بأن ما يستندون إليه ليس سوى نوع من "الفرضية" التي اختارها مؤسسو المشروع الصهيوني، وكرّروها انطلاقا من قاعدة نازية معروفة تقول: اكذب، ثم اكذب، حتى يصدقك الناس. وهي قاعدة ثبت بطلانها في هذا العصر، واستبدلها كثيرون، حتى لدى الاحتلال، بقاعدة نقيضة تقول: كلما كذبت أكثر، انكشف كذبك أكثر. ودليلهم على ذلك رئيس وزرائهم.
وبالرغم من أن "فرضيات" تبرير الاحتلال توقف الحوار عند بدايته، إلا أنها ـ للغرابة ـ تظلّ تملك القدرة على الخداع في اتجاهين متناقضين: الأول هو تواجد من تقنعهم بأهمية الحوار، مهما كانت جدواه معدومة، كما أكدت التجارب التي لم تتوقف منذ أكثر من قرن، والثاني هو توسع القناعة الصهيونية بهذه الفرضيات، أو توسع الاستناد إليها، رغم غيبيتها وتناقضها مع "العلم" أو "العصر"، من ناحية، ورغم سهولة التوصل إلى عدم "موضوعيتها"، لو أنها حاولت الاستناد إلى "الوقائع" الحقيقية الملموسة، البعيدة منها في التاريخ، والقريبة من هذه الأيام أيضا، لا تلك "الأكاذيب" التي تقلد الأسلوب النازي في نشر الأفكار.
الفرضية الأولى، التي ينطلق منها أي محاور إسرائيلي، يرضى بأن يطرد الناس من بيوتهم ليحتلها، هي أنه ينكر أن يكون على الأرض الفلسطينية ما يمكن أن يسمى "الاحتلال الإسرائيلي" على الإطلاق، وحين يكون متواضعا فإنه يعترف بوجود "نزاع" أو "صراع" أو خلاف في وجهات النظر، هو الذي يؤدي إلى كل هذه الحروب، "غير الضرورية"!
هذه الأرض "ليست محتلة"، كما يقول كاتب يساري ـ بعد حرب غزة مباشرة ـ وهو يدعو إلى التفاوض مع الفلسطينيين، مشيرا إلى أن فتح أفق سياسي حقيقي هو وحده الذي ينهي الصراع. هذه الأرض، من وجهة نظره، لست محتلة، وإنما هي "وطن الشعب اليهودي"، دون أن يفسر لماذا "تحمل هذه الصفة"، مع أنه علماني، يفترض ـ بديهيا ـ أنه غير مقتنع بأنها"أرض إسرائيل"، أو هبة الله لشعبه، كما أنه يعادي النازية، التي ادعت أنها من عرق أعلى، ووضعت "قومه" ـ إن جاز أن يسمّوا قوما ـ في أسفل سافلين بين شعوب الأرض، ما يعني أنه لا يؤمن بأن الله له "شعبٌ مختار"، يهبه من الأرض ما يشاء، وإلى "أبد الآبدين"، مع أن كاتبا مثله، كما هو معروف من خلال ما يكتب، لا يبدي قناعة بوجود مثل "هذا الأبد".
أمثال هذا الكاتب، من الأسماء المعروفة بأنها صاحبة مواقف "مختلفة"، والتي تحاور العالم، لا تحاول قط أن تسأل نفسها كيف يمكنها أن تقنع الآخرين، وخصوصا أصحاب الأرض، الذين يذوقون "مرارة" الاحتلال كل يوم، بأن ذلك ليس احتلالا، ولا هو استيطان، ولا هو تحكم في حياة الناس بالقوة؛ ولا هو قوة غاشمة تقتل الحرث والزرع. وهي في الوقت نفسه لا تحاول أن تناقش ـ حتى مع نفسها ـ سؤالا بديهيا آخر: لماذا يقبل غير اليهودي ما يزعمه الصهيونيّ تحديدا عن "الوطن القومي"، أو "الأرض الموعودة"، أو أي شيء من هذه الأمور التي قد تخص قناعاته وحده، وفقط حين يكون "متدينا"، دون أن يحاول أن يسخّرها لمآرب أخرى.
الفرضية الثانية، القائمة على "كذبة تكررت، فصدّقوها هناك"، هي القول الذي "يؤكد" أن الفلسطينيين هم الذين أفشلوا كل مبادرات التوصل إلى سلام. وهذه "الكذبة" ينقضها السلوك الإسرائيلي، منذ اللحظات الأولى التي طرح فيها موضوع الحوار، من قبل أن "يقوم" الكيان على أشلاء الوطن الفلسطيني، حتى وجود من يتبنون، بوضوح تام، وأغلبية لا تخفي نفسها، عدم اعترافهم بالحقّ الفلسطيني، ممن يتخذون المفاوضات سبيلا لمزيد من الاستيطان والتهويد والتوسع وإنكار الحقوق، بفرض الأمر الواقع بالقوة، كما تفعل الحكومة التي يؤازرها اليمين الإسرائيلي، متدينا وغير متدين، ويؤازرها اليسار الإسرائيلي، بتشكيلاته المتفاوتة، حتى في عدوانها الأخير على ناس غزة وبيوتها، وكل ما يخص الإنسان فيها. وأي منصف، حين ينظر إلى "العروض" التي قدمت للمفاوض الفلسطيني، سيعرف أنها مقدمة بغرض أن لا تقبل، كما أن تجربة الفلسطيني تقول له إنه لن يحصل قط على ما يوافق عليه: أليس الميناء والمطار والتواصل والحدود المفتوحة مما وقع عليه في أوسلو؟
إن أية فرضية، لا تستطيع مع التجربة أن تثبت صحتها، تبطل. وتجربة الوطن القومي، التي لم تتوقف تجربتها منذ طرحت، ومنذ أقرّ بها من لا يملك لمن لا يستحقّ، ومع ذلك أثبت أنه لا سلام على هذه الأرض، قبل أن تعود الحقوق إلى أصحابها، تماما كما حدث مع كل الغزاة الذين طمعوا في هذه الأرض، عبر التاريخ، وكانت لهم "فرضياتهم"، لكنها بطلت جميعا، وبطلوا هم أيضا. وهو ما يقود إلى الأمر الذي سيكون بديهيا ذات يوم، كما كانت مواجهة الغزاة بديهية، لا افتراضية: لا حوار إلا فوق جسد الأرض، دفاعا عنها.
