المصالحة تتأرجح بين الحلم والتوقيع وضحايا الانقسام يتساءلون عن مصائرهم؟!!

رغم التفاؤل الذي بدا على وجوه قادة حركتي فتح وحماس من خلال لقاءاتهما المتعاقبة، في دمشق، وتأكيد قرب انتهاء الانقسام الذي تسبب في ترسيخ الشرخ الاجتماعي، وبعدها الإعلان عن تأجيل التوقيع عليها، حتى يتم الاتفاق على الملف الأمني، يتبادر لأذهان العديد من المواطنين عن مصير ضحايا الانقسام، وكيفية "تطييب الخواطر"، خاصة لمن فقد عزيزا له أو من أصيب بإعاقة دائمة، أم من فقد "سمعته" ووظيفته "ظلما" لتنقلب حياته رأسا على عقب نتيجة لـ"لعبة السياسة والكراسي".

حيث بلغ عدد الضحايا – حسب توثيق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان- خلال أعوام الانقسام الثلاث بعد الأحداث الدامية لـ16 من حزيران لعام 2007، والتي توجت بالفلتان الأمني وفوضى السلاح 419 قتيل، من بينهم 45 طفلا، و37 امرأة، إضافة إلى أكثر من 1226 جريحا أصيب المئات منهم بإعاقات دائمة، ناهيك عن الضرر الذي لحق الممتلكات الخاصة، من تدمير وإحراق للعديد من منازل المواطنين، أو السجن دون تهم محددة.

المواطن س. (32عاما) هو أحد ضحايا الانقسام – الفلتان- فوضى السلاح أيا كان مسماه، كان انتمائه الوحيد  لـ"لقمة عيشه" ولعائلته المتواضعة، إلى أن اخترقت عدة رصاصات جسده النحيل ليتساءل عن الجرم الذي اقترفه لينال عقابا بهذه القسوة، ولم يعهد له نشاط سياسي لأي فصيل سوى الاستماع بين الحين والآخر للأنباء عبر شاشات التلفاز أو يسمعها عبر الإذاعات المحلية وهو يؤدي عمله في محله الصغير"للحلاقة".

ويروي المواطن تفاصيل قصته:" بينما كانت الطائرات الإسرائيلية تشن غاراتها على القطاع في حربها الأخير، ومع طول الأيام مللت من الجلوس بالبيت،.. قررت أن أفتح دكاني الصغير، لأجلس بها وأسترزق، فوجئت أثناء عودتي لمنزلي بإطلاق زخات من الرصاص نحوي من كل جانب بعد التفاتي على ملثمين ينادونني باسم يا شيخ.. يا شيخ، فأصبت بخمس رصاصات بقدمي الاثنتين، أخرج لي الأطباء ثلاثة منهن وبقيت اثنتان لأنهما بالعصب ولا يمكن إلا بإجراء عملية لقدمي".

وقال:" تغيرت حياتي كليا بعد إصابتي، وأهينت كرامتي من جيراني لظنهم بأنني عميل وجاسوس، بعد أن كنت أمتلك السمعة الطيبة وسط جيراني، وأصدقائي، لكن وعندما كنت أتذمر على نظرات الشك أستمع لردودهم علي بأنه لا سبب لإطلاق النار علي سوى تخابري مع اليهود".

ولم تقتصر معاناة س. على النظرة السيئة إليه من قبل الناس بل تعدت ليتم تهديده بإطلاق النار من جديد عليه أو أن يبيع منزله – الذي دفع به "شقاء عمره"-  بأبخس ثمن، مما اضطر للخضوع للتهديد خوفا على أسرته، وسيطر الخوف على شخصيته بعد كل ما حدث وهو حال الكثير من المواطنين.

وأكد س. بأن المصالحة "كلام فاضي وكلها حبر على ورق" وأنه لن يكتب لها النجاح ما لم ينفذ القصاص بحق الجناة، ولن يقف الضحايا مكتوفي الأيدي ما لم ينصفوا، مطالبا السياسيين بتقديم مرتكبي الجرائم للقصاص قبل الاتفاق على أي توقيع.

من جانبه أكد خليل شاهين الناشط في حقوق الإنسان عدم توفر العوامل السياسية لتحقيق المصالحة، خاصة وأن الأعوام التي تلت الانقسام أثرت سلبا وبشكل كامل على حياة المواطنين سواء بالضفة أو غزة، مشيرا إلى صعوبة إعادة اللحمة للشارع الفلسطيني في ظل ترسخ الشرخ الاجتماعي نتيجة تكرس ما يسمى بـ"التجاذبات السياسية".

وفي حال أنجزت المصالحة –رغم تعقيدها- أشار شاهين إلى ضرورة إتباع المدخل الصحيح لاستمرارها من خلال تحقيق سلم مجتمعي حقيقي مبني على الانتصار للضحايا وللقانون بتغليبه على المليشيات، مشددا على ضرورة تشكيل لجنة وطنية مستقلة تحقق في كافة الجرائم والانتهاكات التي مورست بحق المواطنين، وتقديم من أفرط باستخدام القوة أو تهاون بحمل السلاح للعدالة الفلسطينية.

وأرجع شاهين ارتفاع معدل الانتهاكات إلى ضعف بنية الهرم السياسي في السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية نتيجة للانقسام، ودعا إلى ضرورة أن تكون التحقيقات مثارة وعلنية على مرأى ومسمع الشعب الفلسطيني،  مشككا بانتهاج الحيادية والمصداقية في تحقيقات أمنية سابقة من طرفي الصراع.

وحول كيفية الخروج من أزمة تفكك المجتمع السلمي قال شاهين:" في مثل هذه الأحداث يصار التعامل معها بالنظر إلى تجارب البلدان الأخرى وكيفية حل النزاعات فيها، بالإضافة إلى وجود مبادرات –داخلية وخارجية- تعمل على إعادة السلم الأهلي إلى الشارع، وقد يكون هناك مساومات ببعض من التنازلات من قبل طرفي الصراع على ألا تكون على حساب ما يعرف بجبر الضرر عن ضحايا الانتهاكات الجسيمة، لأن جبر الضرر يختص بالممتلكات أما الأرواح فالأمور تتعقد".

وأشار شاهين إلى وجود العديد من المبادرات التي من شأنها تعزيز لغة التسامح بين المواطنين، ذاكرا المثل بمبادرة قام بها ناشطون سياسيون وآخرون في قضايا المجتمع المدني، حين أعلنوا عن نصب خيمة اعتصام تمكنوا من جمع ضحيتين لكل واحدة منهما ابنا قتل أحدهما من عناصر فتح والآخر حماس، وتمكنوا من التوفيق بينهما لان يكون مقدمة لحسم الصراع كنوع من المصالحة عبر إعلانهم عن مسالة التسامح وان تكون مقدمة لمصالحة حقيقية دونما الإخلال بالقضايا القانونية، مؤكدا على استعداد العديد من المواطنين للتحلي بالصبر من أجل إتمام المصالحة.