غزة - بالدم - توحّد الفلسطينيين!

بقلم: رجب أبو سرية

لا يمكن لعاقل، يتابع أو يهتم بالشأن السياسي الفلسطيني، أن يقرأ أو حتى أن ينظر للحرب الإسرائيلية الثالثة على غزة، باعتبار أنها قد اندلعت، هكذا صدفة، أو كرد فعل على إطلاق صاروخ، أو دون تخطيط وإعداد، او على الأقل خارج سياق تطورات الأحداث المرتبطة بالحالة الفلسطينية / الإسرائيلية، في كافة تفاصيلها، وتشابكاتها المختلفة.

فمنذ ان حل الموعد النهائي للفترة التفاوضية، في آخر شهر آذار من هذا العام، وبعد ان نكثت إسرائيل باتفاقها بإطلاق سراح الدفعة الرابعة من نحو مئة أسير فلسطيني، ممن اعتقلوا قبل أوسلو، اي منذ نحو عشرين سنة، والجميع يتوقع "انفجارًا" في الداخل الفلسطيني، ورغم محاولة السلطة الفلسطينية احتواء الموقف، خاصة بعد ان ردت على الإفشال الإسرائيلي للمفاوضات، بإعلان الشاطئ، كخطوة متقدمة على طريق المصالحة الداخلية وإنهاء الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أن إسرائيل فضلت ان تبقي بيدها زمام المبادرة، فكان أن "فبركت" مسرحية خطف المستوطنين الثلاثة، لتحشر الفلسطينيين في الزاوية، وتجبر قيادتهم على فض الشراكة الداخلية، والعودة دون قيد أو شرط لطاولة تفاوض عبثية.

يقينًا بأن إسرائيل قد فوجئت باستعداد الضفة الغربية لإطلاق انتفاضة ثالثة، تجمع كل الفلسطينيين، ليس على المستوى السياسي (فتح وحماس) ولكن في الضفة ومناطق الـ 48 وغزة، لذا فهي، وكما أشرنا في مقالات سابقة، قد هربت إلى الأمام، باتجاه غزة، حيث حاولت إسرائيل أن تمنع غزة، من نصرة الضفة بإطلاقها عدة صواريخ، بالرد عبر الغارات الجوية الكثيفة، والتي استمرت لأكثر من أسبوع.

هكذا، تحولت المواجهة الفلسطينية/ الإسرائيلية من جبهة الضفة (في القدس والخليل تحديداً) إلى جبهة غزة، وكأن إسرائيل كانت تعتقد بأن ثقافة الانقسام ما زالت قائمة بين صفوف الفلسطينيين، بما يتيح لها المجال أن تنفرد بكل طرف، لكن الرد الفلسطيني "الموحد" ميدانياً وإعلامياً وسياسياً، كان هذه المرة، تعبيراً حقيقياً عن التقدم على طريق المصالحة، أكثر مما عبرت عنه حكومة التوافق، فكانت كتائب الأقصى مع كتائب أبو علي مصطفى، وكتائب المقاومة الوطنية، والمقاومة الشعبية، جنباً إلى جنب مع كتائب القسام وسرايا القدس، تمطر إسرائيل برشقات الصواريخ، رداً على الغارات الجوية، في الوقت ذاته كان تلفزيون فلسطين مع عودة، وفلسطين اليوم، والقدس والأقصى، يذكرون "بالعلم الفلسطيني الموحد" عام 1982، وكانت قيادة السلطة وفتح، تجوب العواصم، كما هو حال مع قيادة "حماس" تماما، ففي حين كان خالد مشعل يتنقل من الدوحة الى أنقرة، كان ابو مازن يتنقل من القاهرة لعمان، وكان عزام الأحمد وماجد فرج، يلتقيان موسى ابو مرزوق وينسقون المواقف، بحيث لم يلحظ أحد، وجود أي خلاف أو اختلاف، فما كان يمكن ان يلحظ بين أبو مازن ومشعل، لا يختلف كثيرا عما يلحظ بين مشعل وهنية مثلاً.

وفي الميدان كانت الضفة تشتعل، ويتصاعد مستوى الاستعداد للمواجهة مع الاحتلال والمستوطنين، وبقدر ما ظهر فتور التفاعل او التعاطف الإقليمي مع غزة، كانت عواصم ومدن أوروبا وأميركا اللاتينية، بل وحتى المدن الأميركية تغلي، والأهم أن الفلسطينيين، في داخل فلسطين التاريخية وفي محيطها (الأردن ولبنان) كانوا جميعا كرجل واحد في ميدان المواجهة.

بدمها إذن وحدت غزة الفلسطينيين، لأنها تدرك أنه لن يكون هناك نصر ولا تحرير دون وحدة الفلسطينيين كافة، ودون مواجهة شاملة، يشارك فيها الفلسطينيون في غزة، والضفة، والقدس، ومناطق الـ 48 وفي دول اللجوء والشتات، حتى يتم الظفر بكل الحقوق الفلسطينية، من كسر الحصار عن غزة، الى إنهاء الاحتلال عن الضفة، وتحرير القدس، وإقامة الدولة المستقلة والموحدة على أراضي 67، وتطبيق حق العودة والتعويض، وتحويل إسرائيل الى دولة لكل مواطنيها، وليس إلى دولة يهودية.

ورغم غزارة الدم، ورغم الألم والوجع الذي يعتري كل فلسطيني، لمدى الوحشية والهمجية التي تميز الإسرائيليين، إلا أن غزة تنتصر في إعادة اظهار أن إسرائيل إنما هي دولة احتلال فاشية، لا تتورع عن ارتكاب جرائم الحرب بحق المدنيين، ويقينا بأن هذا، قد أعاد صورة إسرائيل كدولة مارقة، منبوذة ومكروهة في العالم أجمع، تلك الصورة التي تراجعت حدتها، خلال سنوات التفاوض، ودم الأطفال والنساء في غزة، يمكنه ان يغرق اسرائيل في بحور من المساءلات الدولية، والمطالبة بتقديم قادتها للمحاكم كمجرمي حروب.

وحتى لو كانت الحرب الثالثة على غزة، آخر حروبها مع إسرائيل، فإن الحرب المفتوحة، وفصول المواجهة مع إسرائيل ما زالت - للأسف - تتطلب إسالة المزيد من الدماء، ففيتنام قدمت أكثر من مليون ومئة ألف على مدار عشرين عاما قربانا للحرية، والجزائر قدمت مليونا ونصف المليون شهيد على مدار سبع سنوات من أجل استقلالها، أما غزة، والتي قدمت خلال ثلاثة حروب آلاف الضحايا، ومعاناة بحجم معاناة النبي أيوب، فإن خلاصها سيكون قريباً، وما هي إلا أيام، ويتم الاتفاق على هدنة او تهدئة، ستكون بضمانة دولية من مصر وأميركا، وستوقعها على الأغلب إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ما يعني أن إسرائيل فشلت في إجهاض المصالحة، بل على العكس، ستقر بتوقعيها أو موافقتها على الهدنة، بعودة غزة لتكون جزءاً شريكاً وفاعلاً في الكل الفلسطيني.

وبعد ذلك يمكن القول إن أهداف "حماس" والتي كانت من طبيعة سياسية، أهمها، فك الحصار عن غزة، وإعادة إعمارها، قد تحقق، فيما يبقى الهدف الأمني الإسرائيلي من شن الحرب، متروكاً للمستقبل، لأن له علاقة بأمرين: ضرب القوة الصاروخية وتدمير الأنفاق العسكرية، لذا فإن الحديث عن فك الحصار مقابل نزع سلاح غزة، يعني قطع الطريق على تعويض ما تم استهلاكه من معدات عسكرية (سواء الصواريخ أو الأنفاق)، المهم، ان تكون هذه هي آخر الحروب على غزة، بما يجعل منها، أولا: حاضنة الوحدة الداخلية، بما يسمح لـ "حماس" أن تسهل إجراء انتخابات تضمن لها مكانة مؤثرة في صنع القرار، وان تكون رافعة للمشروع الوطني، من خلال إعمارها ونهوضها الاقتصادي اعتماداً على الغاز وعلى الاستثمار، لتدعم الضفة والقدس في معركتها من اجل حريتها واستقلالها.