يقف الطفل يزن سنتان ونصف أمام سرير اخته الصغرى لمى, يسأل عنها وينادي على والدته "ماما لمى تصيح ماما وين لمى وين بيضة ", حيث كانت عائلته تنادي أبنتها لمى بالبيضة .
لمى ذات الخمسة شهور لم يعد لها صوت كما أن سريرها فارغ وملبسها التي اشترها لها والدتها وقدمتها لها جدتها لم تلبسها بعد, فمازالت بمكانها في خزانتها للملابس وستبقي كذلك للابد بعد أن رحلت روحها في أحدى استهدافات طائرات الاحتلال لأرض بجانب منزلهم .
فبعد محاولات طويلة استطاعت الأم إيمان السطري أن تهدئ أبنتها وأن تنام طفلتها لمى فبسبب تكرار قصف الاحتلال لأرض فارغة بجنبهم, كانت لمى تستيقظ بصفة مستمرة بحاله فزع جراء الاصوات المرعبة التي تحدثها استهدافات الجيش الإسرائيلي.
لتضع الأم ذات 27 عاما, طفلتها على سرير نومها وتغادر الغرفة, وتترك الباب مفتوحا في حاله حدوث أمر طارئ تسرع في أخذها, وذهبت تجلس مع بقية أفراد عائلتها في غرفة جلوس منزلها بمخيم رفح للاجئين الفلسطينيين، جنوبي قطاع غزة.
لم تجلس بعد السطري على مقعدها ليدوي انفجار كبير هز أركان المنزل, حيث أغار الطيران الحربي الإسرائيلي من نوع "F16" على أرض بجانب المنزل بدون سبب يذكر.
وبعد ثواني تماسكت الأم من الصدمة التي تلقتها من قوة الانفجار لتسرع مهرولة إلى غرفة رضيعتها لتتفقدها, فوجدتها ملقاه على الأرض, حيث سقطت من على سريرها, فيصيبها هستيريا الصراخ بعد أن وجدتها لا تتحرك ولا تستجيب لنداءاتها, وتقول بلغة غير مفهومة " انقذوا أبنتي أنها لا تتحرك انقذوا أبتي ".
وبمجرد ما سمع الأب محمد السطري صراخ زوجته, أسرع إلى الغرفة وحمل طفلته الرضيعة بين ذراعيه, ونطلق مسرعا إلى مستشفى أبو يوسف النجار في مدينة رفح .
ويقول:" أجرى الاطباء فور وصولي الفحوصات الازمة لابنتي, واخبروني انها بخير وبصحة جيدة, فهي لم تستفرغ ولا يوجد اثار للوقوع كما أنها استفاقت وأصبحت جيده, فعدت إلى البيت برفقة أبنتي وزوجتي".
ويبين أنه على الرغم من حديث الأطباء عن حالة لمى, إلا أنه لم يهدأ له بال ورغب في الاطمئنان, حيث أن الطفلة بدأت في البكاء وصوتها تغير وجسمها يميل للون الاحمر الممزوج باللون الزرق, وخاصة في منطقة الرأس, فأخذ الأب الطفلة إلى طبيب خاص للأطفال من معارف والده ففحصها وطلب منه الذهاب إلى المستشفى الأوربي في محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة.
ويضف الأب:" خرجت مسرعا برفقة طفلتي وطلبت من السائق جلب زوجتي وتوجهت إلى المستشفى, حيث اجتمع عدد كبير من الاطباء على أبنتي لفحصها, وهنا بدأ الشك يراودني من خطورة حالت لمى, ثم اخبرني الطبيب بنقلها إلى مستشفى ناصر الطبي في خان يونس لإجراء تصوير خاص بالأطفال ".
بعد ساعة عادت طفلة وادخلت إلى غرفة العناية المكثفة, وتحدث الطبيب للأب عن خطورة وضع ابنته حيث أصيبت جراء سقوطها على رأسها من سريرها بنزيف حاد وتحتاج إلى عملية ونسبت نجاحها هي 10% فقط, وطلب منه التوقيع على ورقة للموافقة لإجراء العملية .
ويذكر السطري أنه بعد ساعة من توقيع ورقة الموافقة على العملية, اخبره الطبيب بمفارقتها للحياة رسميا قبل دخولها غرفة العمليات, فوضعها الصحي تدهور بشكل كبير جدا أدي إلى وفاتها .
ليصاب الأب والأم بصدمة شديدة, وعلى أثرها انهارت الأم إيمان وسقطت مغشية عليها من شدة البكاء, لينقل جثمان الطفلة لمى إلى ثلاجة الموتى في مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار بالمدينة, ومن ثم تم تشيعها بعد أن ودعتها العائلة في منظر أبكي الجميع .
وتتسأل الأم عن سبب قتل أبنتها وماذا اقترفت هذه الطفلة, فإسرائيل قتلت فرحتها في أول طفلة تنجبها رغم اهتمامها الشديد بها خلال فترة الحرب, وتضيف :" كنت أحلم بها كيف تكبر وتساعدني في المنزل وكيف سأجهزها لبيت زوجها وماذا ستدرس وكيف سأمشط شعرها والكثير من الأمور الخاصة في الفتيات".
وتبين أنها ورغم حزنها كثير على فقدان أبنتها الأنها تعتبرها عصفورة في الجنة, وأن الله اردها بجنبة قبل أن تكبر, وما يجزنها هو كثرة سؤال أبنها يزن عن أخته, فمنذ استشهادها هو يذهب إلى سريرها وينادها وينادي والدته, كما أن نظرة الأطفال في أثناء توديعها كانت مؤلمة, فالدموع لم تتقطع من عونهم وهم جميعهم من أبناء عمومتها .
