أبو الأمين.. شاهد عيان على مجزرة الاحتلال بكفرقاسم
29 أكتوبر 2010 . الساعة 22:46
بتوقيت القــدس
يقف الحاج محمود الصوص المكنى بأبي الأمين في الـ29 من أكتوبر كل عام أمام النصب التذكاري الذي نصب قبل عشرات السنين في وسط بلدة كفر قاسم بمركز الأراضي المحتلة عام 1948، يتذكر صفحات شاحبة وتاريخ أسود سطرته أيادي الاحتلال الآثمة التي قتلت 49 من أبناء هذه البلدة عام 1956.أبو الأمين (78 عامًا) الذي استشهد أخوه في تلك المجزرة، يُعد أحد أهم شهود العيان الذين بقوا على قيد الحياة حتى اليوم، فهو راوٍ ثقة لأحداث المجزرة، التي بدأت من المكان الذي وقف فيه خلال حديثه لـ"صفا"، وهو النصب التذكاري لشهداء كفر قاسم."كنا أربعة شبان أعمارنا بين العشرين والثلاثين، نقف في هذا المكان بالضبط، حين باغتتنا قوات الاحتلال برصاص عشوائي من كل حدب وصوب، في تلك الحادثة هرب أحدنا بعد أن التحق بقطيع أغنام لتمويه نفسه، واستشهد شقيقي وصديقي، وأصبت أنا بجراح بالغة أقعدتني عدة اشهر"، قال الحاج وقد دمعت عيناه.أبو الأمين قرب ضريح شقيقه مع أبنائه وأحفادهوأضاف " عبد الله صفير هو الناجي الوحيد بعد أن هرب مع الأغنام- قصة مشهورة- أما أنا فقد بقيت مصابًا لم أقتل لأني تظاهرت بالموت، وما أذكره من ذلك المشهد هو أن قائد كتيبة الاحتلال كان غاضبًا على استهلاك الرصاص بكثرة، ويوصي جنوده بالتصويب نحو الرأس لضمان القتل بأبخس ثمن!".وتابع أبو أمين، وعيناه تحدقان بحثًا عن غرض بعينه:" جنود الاحتلال الذين نفذوا المجزرة في حينه بقيادة الضابط غبريئيل دهان وشلومو عوفر كانوا يركلون الجثث بأرجلهم للتأكد من موت المواطنين، " وكل من وجد على قيد الحياة تمت تصفيته".يحتضن الحاج الصوص خلال حديثه طفلة قسماوية صغيرة وشحت رأسها براية خضراء كتب عليها – لبيك يا أقصى – رغم اختلاف المناسبة، ويضيف " أغلب من قتل في تلك المجزرة كانوا من العمال الذين يعملون خارج البلدة، ولم يعرفوا بمنع التجول أو يسمعوا به ".وأضاف وقد اقترب حتى التصق بنصب الشهداء " لقد قتل 48 شخصًا بدم بارد، لم أر وحشية كهذه في حياتي، حتى المرأة الحامل قتلت في تلك المجزرة، الفتيات كانت ترتجف وترقص تحت زخات الرصاص، حتى سميت الرقصة بـ"رقصة الموت"، وقتل عدد منهم دون رحمة أو شفقة"، واستدرك الحاج:" كانت مجزرة بشعة، لم أستطع أن أفصل بشاعتها لحجمها، رغم كثرة وسائل الأعلام، ومؤسسات إنتاج الأفلام الوثائقية التي ظهرت أمام شاشاتها، فأنا كمواطن فلسطيني ولدت قبل قدوم الاحتلال، أؤكد أنني لم أشهد ولم أوتابع شقيق الشهيد" أربع ساعات متواصلة من إطلاق النار، حاصروا القرية التي لم يتجاوز عدد سكانها في حينه 1600 نسمة، ومنعوا التجول فيها، كل ذلك حصل فجأة دون سابق إنذار، ودون أن يرتكب أحدنا جرمًا أو اعتداءً على جنود الاحتلال أو أحد الإسرائيليين".حرك أبو الأمين إصبعه، مؤشرا باتجاه النصب، " هذا اسم أخي الشهيد " أحمد محمد صوص"، كان شابًا فتيًا، قُتل بدم بارد من قبل من احتلوا أرضه وأرض أجداده، هو وأحد أصدقائه، لا لجرم اقترفوه إنما لتواجدهم صدفة في هذه المنطقة".وما إن مسح الحاج دموعه بعد الحديث عن شقيقه، حتى نودي بالحشد – المشاركين بمظاهرة إحياء ذكرى المجزرة- للتحرك بغية زيارة أضرحة الشهداء، التي تبعد عدة مئات من الأمتار عن النصب التذكاري.وعند القبر، جلس أبو الأمين مع أبنائه الـ13 وأحفاده الصغار، يقص عليهم حكاية باتت مألوفة لديهم من كثرة تكرارها على مدار عشرات السنوات، فهم " يعرفون ما حصل يومها وكأنهم عايشوه"، قال الحاج.
الآلاف يشاركون سنويًا بإحياء ذكرى الشهداء (صفا)ويقول الشاهد وقد أبكى كل من حوله من شدة نحيبه: "أنا فخور بأبناء شعبي، ما زالوا يحيون ذكرى المجزرة التي حاول الاحتلال طمسها، لم يتجاوز عدد الذين يحيون المجزرة في سنوات خلت 20 نفرًا، ولكنهم اليوم باتوا آلافًا مؤلفة، هذا هو شعبي وهؤلاء أبناؤه".ومضى قائلا:" رغم كبر سني وما أعانيه من أمراض وخلل في رجلي – أشار إلى منطقة الإصابة خلال المجزرة- إلا أنني أحضر إلى المقبرة في كل عام، وامتثل أمام النصب التذكاري أيضًا منذ ساعات الصباح".وختم الحاج أبو الأمين سرد الأحداث قائلا :" كانت النية هي ترحيلنا من بلادنا العربية التي بقينا فيها بعد قيام إسرائيل، ولكن قتل عدد منا لم يوقف مسيرتنا، نحن لن نرحل، هنا ولدنا على هذه الأرض، وهنا نموت".وأصبحت ذكرى مجزرة كفر قاسم بمثابة رمز وجودي لفلسطينيي48 الذين يحيونها عامًا بعد عام، ويشاركون بالآلاف في مسيرتها التقليدية يحيون ذكرى شهدائهم، في ظل استمرار الهجمة الاسرائيلية التي تستهدف وجود هذا الشعب على أرضه.