رغم تآكل أطرافها .. "كفاح" رهينة الاعتقال الانتقامي من بين 37 أسيرة فلسطينية

"إن سألتم عني، فأنا بخير، أحاول أن أتماسك، تعرضت للشبح وتقييد يداي وقدماي حتى تورمت وفقدت القدرة على الوقوف.. أشتاق لكم جميعا، زوجي العزيز، ولداي ضحى ومعاذ سعادة حياتي، أفقد وعيي بسبب جرح صغير، ولا علاج هنا سوى مسكنات سيئة النوعية".

 

كانت هذه أوجاع كبيرة بكلمات قليلة كتبتها الأسيرة كفاح عوني من سجنها في هشارون – تلموند- حيث يجري اعتقالها منذ الأول من آب/ أغسطس الماضي، وتواجه حكما إداريا لمدة أربعة أشهر بلا ضمانة للإفراج عنها بعد انتهائه.

 

وتعد كفاح الأم والطالبة في السنة الرابعة بجامعة القدس المفتوحة، من مدينة البيرة وسط الضفة، واحدة من أربع أسيرات يواجهن هذا النوع من الاعتقال الذي يصفه القانونيون بـ"الانتقامي".

 

وكفاح أيضا واحدة من 37 أسيرة تعتقلهن سلطات الاحتلال معظمهن في سجن تلموند وهشارون والرملة، وسط ظروف اعتقاليه سيئة للغاية كما تشير مؤسسات حقوق الإنسان.

 

اعتقال دون رحمة

تقول الابنة ضحى: "اعتقلوا والدتي فجر الأول من آب الماضي، حاصروا منزلنا واقتحموا البيت بصورة همجية،  الأسيرات يعانين ظروفا مأساوية احتجزونا جميعا وصادروا هوياتنا، ثم عزلوها في غرفة منفردة وبدؤوا تحقيقا معها استمر لمدة ساعتين، ثم اعتقلوها".

 

وضحى (16 عاما) هي الابنة الوحيدة للأسيرة كفاح عوني بالإضافة إلى شقيقها الأكبر معاذ (17 عاما) الطالب في الثانوية العامة، وهما مع والدهما حازم قطش لم يتمكنوا على مدار الأشهر الثلاثة الأخيرة من زيارتها رغم التقارير والأخبار السيئة التي تردهم عن صحتها.

 

وحسب العائلة، تعاني الأسيرة كفاح (37 عاما) من مرض نادر ينتشر بنسبة ضئيلة في المناطق الاستوائية حيث يصيب واحد في المليون من السكان هناك، ويسمى "رينولدز" وهو عبارة عن حالة تضيق في الشرايين تؤدي إلى فقدان المناعة في كامل الجسم.

 

وحسب التقارير الطبية للأم الأسيرة، يؤدي هذا المرض إلى تآكل في أطرافها (أصابعها خصوصا) ويزداد خطورة في فصل الشتاء، كما تعاني كفاح أيضا من أزمة تنفس ناجمة عن حساسية مزمنة إلى جانب التهاب مزمن في الكبد.

 

وفي رسالة تلقتها العائلة من كفاح مطلع شهر رمضان، كتبت أنها لم تتلق أي علاج مناسب منذ اعتقالها وكل ما يدخل هو مجرد مسكنات للألم وليس علاج له، ثم تابعت "لم أعد استطيع النوم بسبب الألم في قدماي، استمر في الدعاء كي يخفف عني الله ألمي".

 

وأضافت "جرحت إصبعي في أحد المرات، فأصبت بنزيف حاد وفقدت وعيي بسببه".

 

ويقول زوجها: "إن قوات الاحتلال سبق أن اقتحمت منزل العائلة قبل فترة من اعتقالها وصادرت كل وثائقها بما فيها التقارير الطبية التي تتحدث عن وضعها الصحي، كما أنه أخبر الضابط أثناء اعتقال زوجته أن زوجته مريضة ولن تحتمل السجن، لكن الأخير رد عليه، لا عليك نحن نعرف وسنتدبر الأمر".

 

ويقول الزوج المكلوم: "إن كفاح تعرضت للتحقيق منذ اقتحام منزلها، ثم نقلت مباشرة إلى مركز تحقيق في إحدى المستعمرات المجاورة لمدينة رام الله، ومنها نقلت إلى مركز تحقيق المسكوبية في القدس، والشهير في أوساط الأسرى باسم "المسلخ".

 

وفي المسكوبية، خضعت كفاح للتحقيق لمدة ثلاثة أيام متواصلة، وحسب الباحث القانوني في مؤسسة الضمير مراد جاد الله، فإن المحققين وضعوها في زنزانة ضيقة جدا وسلطوا عليها هواءً باردا رغم اطلاعهم على وضعها الصحي السيئ.

 

كما تعرضت كفاح للشبح وربط الأيدي وتقييد الأقدام أثناء التحقيق الذي استمر من الصباح وحتى المساء ولساعات طويلة حتى انتفخت أقدامها.

 

وحسب تقارير المحامين، فقد نقلت كفاح فيما بعد إلى سجن هشارون تلموند العسكري واحتجزت في بداية الأمر مع السجينات الجنائيات في ظروف صحية غير لائقة، مما فاقم من وضعها الصحي حتى عادت لها الأزمة التنفسية، وفقدت القدرة على النوم والمشي بسبب تورم أقدامها ويديها.

 

شبهات بلا دليل

ويوضح القانوني جاد الله من مؤسسة الضمير التي تتابع قضية كفاح، أنها اعتقلت بناء على ملف سري يحوي شبهات بأنها ناشطة في مجال خدمة أهالي الشهداء والأسرى،  المقاومة تمكنت من تحرير 19 أسيرة مقابل معلومة عن حياة شاليط صادر عن ضابط مخابرات المنطقة.

 

وحسب جاد الله، قرر قاضي المحكمة العسكرية تحويل كفاح للاعتقال الإداري لمدة أربعة أشهر رغم أن الشبهات التي أوردتها النيابة العسكرية الإسرائيلية لم تدعم بأي دليل أو اعتراف بعد التحقيق معها.

 

وأثناء التحقيق، تعرَّضت الأسيرة كفاح عوني للتهديد المباشر باعتقال زوجها، كما قال لها أحد المحققين إنها "ستظل معتقلة وستكبر ابنتها ضحى وتتزوج بدون حضورها".

 

ويقول جاد الله: "إن اعتقال كفاح ومعظم الأسرى وتحويلهم بناء على ملف سري بلا دليل على إدانتهم غالبا ما يأتي تحت بند الانتقام، خاصة أن كفاح ناشطة اجتماعية وتزور بشكل دائم عائلات الأسرى والشهداء".

 

ويضيف "أن قضية كفاح بدت وكأن المخابرات الإسرائيلية أرادت إرسال رسالة ردع لكل النساء الناشطات خاصة بأنهن سيكن معرضات للاعتقال في حال قمن بأي نشاط سياسي أو اجتماعي".

 

ومع عدم توفر أية ضمانة للإفراج عن كفاح في نهاية اعتقالها الإداري بعد شهر تقريبا، تستمر رسائل الأم الأسيرة إلى ضحى ومعاذ، وفي آخرها كتبت لنجلها الوحيد معاذ: "حبيب قلبي وسعادة حياتي، أنا واثقة أنك مجتهد، أريدك أن تنتبه لدراستك "بدنا تتفوق يا باش مهندس" اهتم بشقيقتك ووالدك، أنا معكم دوما".