إن قضيتنا الفلسطينية بكافة ألوانها وأغصانها وفروعها وصفحاتها لا تتجزأ وحلقاتها كسلسلة مرتبطة ببعضها ولا يمكن قسمتها حيث أن المشهد الأليم لمعاناة شعبنا يرتسم لوحده دون حاجة لنقش من فنان أو لصياغة على لسان شاعر أو كاتب أو سياسي أو ممثل وهم كثر .
وحال السيدة المناضلة المرحومة عطاف محمد أحمد العامودي أم فادي يكتب لنا ويرسم قصة المشهد الفلسطيني الحزين الذين افترش الأرض والتحف السماء منتظرا منذ عشرات السنين تحركا دوليا وإنسانيا وقبل ذلك عربيا وإسلاميا لنصرته ولكن !!!
توفيت السيدة أم فادي العامودي في 20 / يناير 2008م وهي تحلم بإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثمان وليدها البطل والشهيد الطاهر الأسير في مقابر الأرقام الإسرائيلية فادي أحمد حسن العامودي والذي استشهد بتاريخ 17 / 4 / 2004م بعد قيامه بعملية فدائية بطولية في معبر بيت حانون شمال قطاع غزة والتي أسفرت عن مقتل 4 اسرائيليين كرد طبيعي على جرائم الإحتلال الإسرائيلي .
فارقت أم فادي الحياة وهي من مواليد عام 1953م ، وبلدتها الأصلية برقة ومن سكان مشروع بيت لاهيا بعد إصابتها بمرض الفشل الكلوي والذي ألم بها بعد فترة بسيطة من استشهاد وليدها واعتقال جثمانه الطاهر من قبل الإحتلال الإسرائيلي ..
ولد الشهيد الأسير فادي العامودي في 6 / 2 / 1982م واستشهد بعد ظهر يوم 17 / نيسان من العام 2004م ، وكان قد حاز على شهادة دبلوم صناعة وله خمسة أشقاء .
إن الإحتلال الإسرائيلي يتعامل مع الشهداء وكأنه يخشى عودتهم حيث يتفنن في ابتداع جرائم الحرب والإنتهاكات والإمتهانات بحق جثامينهم الطاهرة والتي يفوق عددها المئات إلى جانب المفقودين الفلسطينيين والعرب في السجون السرية والمعلنة كالسجن الذي يحمل الرقم 1391 والذي اعترفت حكومة الإحتلال الإسرائيلي مؤخرا بوجوده وكنت قد تحدثت عنه في وقت سابق وأشرت إلى المعلومات التي توفرت لي عن السجون السرية الإسرائيلية . ناهيك عن مقابر الأرقام الإسرائيلية الغير معلنة والتي لم يتم الكشف عنها أو التوصل لمعلومات حولها نظرا لسياسات الإحتلال بمنع الإقتراب منها كونها تعتبر مناطق عسكرية مغلقة .
ليس خيالا عندما نتحدث عن حال الشهداء الأسرى لدى الإحتلال ومأساة شعبنا الفلسطيني ذات الوجوه والآلام العديدة .. وليس نقلا عن أحد أفلام الرعب الأمريكية وإنما هكذا هو الإحتلال وهكذا يتعاملون مع شهداء شعبنا الفلسطيني ضاربين عرض الحائط بكافة المواثيق والأعراف والنصوص الدينية والدولية والإنسانية على مرأى ومسمع العالم أجمع وخاصة العالمين العربي والإسلامي .
إن المرحومة أم فادي العامودي والتي نحتسبها عند الله سبحانه وتعالى شهيدة فقد توفيت وهي تئن وتحن وتتلهف لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثمان وليدها الشهيد وهو محرر من مقابر الأرقام الإسرائيلية وهذا هو حال الكثير من الأمهات الفلسطينيات الماجدات اللواتي ينتظرن عودة أجزاء من أجساد وجثامين أبنائهن الشهداء الأسرى لدى الإحتلال الإسرائيلي خاصة وأن أغلب الظن لدى ذوي الشهداء بأن الوحوش الضارية أكلت ما أكلت من جثامين أبنائهم وهي مدفونة في حفر قريبة من سطح الأرض ما يعرض الجثامين بالفعل لنهش الوحوش أو لسرقة الأعضاء من قبل تجار الموت والأعضاء الإسرائيليين .
يقول الصهاينة عن شهداءنا بأنهم قتلى الأعداء ونحن نقول بأنهم الشهداء الذين تخشون عودتهم .. إنهم الشهداء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه .. إنهم الأبرار الذين نتنسم عبق بلادنا وأقصانا من ذكراهم ووصاياهم .. إنهم الذين وظفوا الخلاف والإختلاف لصنع قنبلة تحت أقدام الإحتلال .. إنهم الذين وظفوا الخلاف والإختلاف لصنع الوحدة الوطنية الفلسطينية حيث تعانقت الدماء الطاهرة في ميناء أسدود في 14 / 3 / 2004م ..
إنهم الشهداء الذين امتلكوا الإرادة وتحرروا من الإنقسامات والتجاذبات وتزينوا بالعلم الفلسطيني الذي ولدت من رحمه الرايات الحزبية وهم الأوائل الذين رددوا نشيد أنا يا أخي .. آمنت بالشعب المضيع والمكبل ، وحملت رشاشي لتحمل من بعدنا الأجيال منجل ، وجعلت من جرحي والدما .. للسهل والوديان جدول .. دين عليك دماؤنا والدين حق لا يؤجل ... ولا بد من مستجيب ومجيب لصرخات وآهات الأمهات اللواتي يطالبن بتحرير جثامين أبنائهن من مقابر الأرقام الإسرائيلية .
إن الإحتلال يحتفل كل عام بما يسميه المحرقة والعالم يواسي الإحتلال بضحاياه من قتلى المحرقة .. أما من معارض دولية لصور الشهداء الفلسطينيين والعرب والمفقودين تدعو إليها سفاراتنا وجالياتنا العربية لفضح جرائم الإحتلال الإسرائيلي وإبراز معاناة الشعب الفلسطيني على طريق إحقاق الحقوق الوطنية الفلسطينية كاملة ...
أما من أوراق فلسطينية وعربية تتناثر في أروقة المؤتمرات والندوات والكرنفالات والقمم .. أما من إرادة لفينيق يقهر قرار المنع الإسرائيلي بإقامة وافتتاح ميدان الفدائية الشهيدة دلال المغربي في أم الشرايط والتي ما زال الإحتلال الإسرائيلي يعتقل جثمانها الطاهر منذ أكثر من 32 عاما. المجد والخلود لشهدائنا الأبرار .. والحرية لأسرانا البواسل