بقلم :يحيى رباح .
ردة الفعل لدى الحكومة الصهيونية على اتفاق غزة، اتفاق نيسان 2014، اتفاق تنفيذ المصالحة التي وقعنا عليها في حركة فتح منذ العام 2009، ثم جاءت حماس و وقعت في 2011، ثم وقعنا معاً على إعلان الدوحة في السادس من شباط 2012، أقول أن ردة الفعل الصهيونية غير مقنعة، و غير مبررة، و هي تكشف بعمق شديد عن خيبة الأمل التي يعاني منها نتنياهو و ائتلافه الحاكم الحالي في الكيان الصهيوني، فهذا الائتلاف اتفق على قراءة خاطئة جداً وخائبة للأحداث و الوقائع و المتغيرات، و بنى كل حساباته على أساس تلك القراءة الخاطئة، و خيبة الأمل هذه بدل أن يتحملها نتنياهو و فريقه من المزايدين، فإنه عبر عنها بنوع من الهروب من المسئولية، فأطلق الاتهامات و التهديدات ضد الرئيس الفلسطيني، و ضد المصالحة الفلسطينية، و ضد السلطة الفلسطينية، و ضد الشعب الفلسطيني!!! هل هذا معقول، هل هذا سلوك حكومة تقود الدولة أم سلوك عصابة لا ترى إلا ما تريد، حتى لو تعارض ذلك مع أبسط بديهيات التاريخ و الجغرافيا و قواعد السياسة الدولية.
شخصياً كنت أتوقع ردة الفعل الصهيونية على هذا النحو و أكثر، و أن تنزلق الصهيونية أكثر و أكثر إلى الوحل، و أن تكشف عن وجهها القبيح بما تعجز عنه حليفتها الكبرى الولايات المتحدة عن الدفاع عنها، لماذا؟؟؟
لأن انتهاء الانقسام يعتبر فشلاً صهيوني خارقاً، لأن هذا الانقسام صنعة العدو الصهيوني باتقان، و خططت له منذ عقود، و مهدت له بخطوات متعددة، و استثمرته بشكل بشع يفوق الوصف، و لعلي أضيء الذاكرة حين أذكركم أن العدو الصهيوني ابتداءً من رئيس حكومتها نتنياهو حتى مندوبها في الأمم المتحدة، ظلت سبع سنين عجاف تعيرنا بالانقسام، و تشكك في شرعيتنا بسبب الانقسام، و تطعن في أهليتنا بحجة الانقسام!!! ثم ثبت لديها و أمام عينها أن هذا الانقسام بكل بشاعاته و أو هامه و أفعاله الشائنة، ليس سوى بثور خارجية سطحية لم تدمر الأعماق، و أن الشعب الفلسطيني منتمي بقوة إلى وحدته و إلى مشروعه الوطني، و إلى حلمه المقدس في قيامته من جديد عبر دولته المستقلة و عاصمتها القدس الشرقية.
بحجم الرهان الخاطئ الذي استند إلى الانقسام يحق لنتنياهو أن يلطم خديه، و قد نرى قريباً أعضاء هذا الائتلاف يقومون بدور الذئاب الجريحة حين ترتد على أعقابها و تنهش لحم بعضها!!!
بالطبع، فإن السرعة التي جرى فيها التوقيع على آتفاق تنفيذ بنود المصالحة بدءاً بتشكيل الحكومة الواحدة و الاستعداد للانتخابات، هذه السرعة تستند إلى معطيات أخرى ضاغطة، من بينها وصول الاشتباك السياسي بيننا و بين إسرائيل إلى الذروة، و قد يتطور إلى أبعد من ذلك!!! و من بينها أن هناك مراجعة شاملة في المنطقة للتعامل مع فصائل الاسلام السياسي و الأخوان المسلمين على وجه الخصوص، و أن هذه المراجعة بدأت تصل إلى أوروبا و أميركا نفسها!!! كما أن العلاقة المستعصية بين حماس و الدولة المصرية الشقيقة أصبحت عبئاً خارقاً أكبر ألف مرة من أن تتحمله حماس، و بالتالي فإن باب الدخول إلى الشرعية الفلسطينية هو وحده الذي يحل لها هذه الاشكالية المعقدة.
هناك عوامل رئيسية أخرى تجعل العدو الصهيوني يشعر بالارتباك، حيث مصر تتقدم بخطوات حثيثة لاستكمال خارطة المستقبل، و سوريا استعادت قدراً كبيراً من حضورها إلى الحد الذي تستعد فيه للانتخابات، و قد اكتسب جيشها القوي العقائدي تجارب ما كان له أن يكتسبها حتى لو آنفق المليارات، حين دخل كل صنوف المعارك و أنواع القتال في الثلاث سنوات الأخيرة، و رهانات تفتيت سوريا و مصر و المنطقة تراجعت، و عادت خطوط الاشتباك و قواعد الاشتباك إلى قواعدها الأولى!!! و بالتالي فإن العدو الصهيوني الذي صعد على قاعدة الأوهام، و القراءات الخاطئة، يتوجب عليها أن تهبط إلى أرض الواقع من جديد.
هذه الحكومة المتطرفة بقيادة نتنياهو حاولت أن تجرف الوعي الصهيوني، بأن كل شيء سيكون كما يريد الصهاينة!!! و الآن يتضح أن هذا غير واقعي، و صوت المعارضة الصهيونية الذي خفت في المرحلة السابقة أمامه فرصة لكي يعلو من جديد بناءاً على حقائق موضوعية جديدة، و بناء على مفردات فشل كثيرة لهذه الحكومة الصهيونية غير المقنعة.
لا نعرف على وجه الدقة، كيف ستكون قائمة العقوبات الصهيونية ضدنا فلسطينياً، و لكن في الأساس نحن مازلنا في الضفة و غزة تحت الاحتلال بكل عناوينه، و نحن لن نقدم للعدو الصهيوني أي ورقة مجانية، لا حل السلطة و لا أي شيء آخر، لماذا نعطي لهذه الحكومة الصهيونية الفاشلة أي شيء بالمجان!!! و هذه هي الصدمة التي لم يكن نتنياهو و مجموعته قد وضعوها في الحسبان، لا مفاوضات إلا بمرجعية، لا نكوص صهيوني عن آي اتفاق أو صفقة إلا و له ثمن، نحن دولة تحت الاحتلال، و نريد إنهاء هذا الاحتلال، بالتفاوض أهلاً و سهلاً، بالصمود أهلا و سهلاً، و على قاعدة الشرعية الدولية أهلاً و سهلاً، و لكن أن يظل العدو الصهيوني فالتا دون أن يلتزم بشيءفهذا زمن ولى إلى الأبد، فأهلاً بالمصالحة الوطنية.
