مخلص برغال دخل عامه ال27 عام خلف قضبان سجون الاحتلال

كبيوت اللد القديمة راسخة ثابتة في الارض تمتد  في جذور التاريخ ترسم حكايات لن تمسحها الذاكرة لمدينة انجبت رجال في الشمس خطوا بدماءهم وتضحياتهم تفاصيل القضية والحكاية من الراحل المؤسس الشهيد جورج حبش والشهيد الدكتور وديع حداد وحتى الاسير مخلص احمد محمد  برغال الذي حمل ولا زال راية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، لا زالت الوالدة ليلى برغال مخلصة لعهد ولدها رغم مرور 26 عاما على اعتقاله وهنا كما تقول " في اللد اهل البلد الاصليين جذورنا ولنا الحق ان نعيش بكرامة وحرية ،ورغم عذابات السجن وقساوة واقع الاعتقال وشطب اسم ابني من كل عمليات التبادل  اتمسك بقوة امل راسخة برسوخ عدالة قضيتنا بان موعدنا مع فجر الحرية لمخلص ولكل رفاقه الاسرى قريب ".

المعايير الظالمة

وبعيدا عن اضواء الكاميرات وشاشات البث ، اختارت الوالدة ام محمد التي تجاوزت العقد الثامن ان تحتفل بذكرى اعتقال ولدها مخلص في بيتها المتواضع الذي تتزين كل واجهه من جنباته بصور مخلص واعمال في كل مرحلة من مراحل الاسر لتبقى، كما تقول :"شاهدا حيا على ظلم وقساوة ذلك السجن الذي فرض علينا طوال 26 حياة العذاب باقسى صورها وانا اتنقل من سجن لاخر لزيارة ولدي الذي اغتصب السجن زهرة شبابه ، فاستقبلت كل الاعياد والمناسبات السعيدة على بوابات السجون وقلبي يتمزق حزنا والما لان الاحتلال يصر على شطب اسم مخلص من كل صفقة تبادل وعملية افراج ، جراء معاييره الظالمه ، فعند الصفقات يتعامل مع اسرانا من القدس والداخل على انهم يحملون الهوية الاسرائيلية ويرفض الافراج عنهم ، وفي السياسية اليومية تفرض عليهم نفس ظروف الاعتقال القاسية كباقي الاسرى ، وتضيف لذلك ففي ذكرى اعتقال ولدي فككل ام فلسطينية لا يساروني ادنى شك بان هذه الماساة ستنتهي ، وان صمود وتضحيات مخلص وكل رفاقه ستحقق الامل الذي نتنفس به ونعيش به ولاجله ، فكل اشكال الفرح حرمتها حتى بزواج كل ابنائي ، ولا زلت وحيدة بين جنبات منزلي اعيش مع صوره وروحه التي تمدني بالصمود والارادة والصبر الذي يعجز عنه الصبر نفسه على امل ان نتعانق وكسر تلك المعايير الظالمة لمن اخلصوا لشعبهم وقضيتهم والذين نتخلى عن ارواحنا ولن نتخلى عنهم مهما تجرعنا من عذابات ومعاناة وظلم .

 رحلة معاناة طويلة ...

وعندما تستحضر الوالدة ليلى"ام محمد " ذكرى اعتقال مخلص سرعان ما تمر امامها ذكريات شريط طويل من  المعاناة على بوابات السجون بدات منذ 35 عاما ولا زالت مستمرة حتى اليوم، كما تقول حتى انه بعض الاعوام كان كل ابنائي يقبعون في السجون ، لكن البداية كانت باعتقال باكورة ابنائي محمد في عام 1975 ، وحوكم انذاك بالسجن لمدة 4 سنوات تتالت بعدها محطات اعتقاله دون ان يتوقف الاحتلال عن استهداف اسرتنا وكان قدري ان اعيش بين السجن والاعتقال ، وفي ايلول عام 1982 بعد ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا اعتقل في البداية مخلص وحكوم بالسجن الفعلي لمدة 3 سنوات ونصف ، ثم اعتقل  اولادي الاربعة محمد ومؤيد ومراد ومؤنس ،وكان الخامس مخلص في السجن لا زال موقوفا ،  وكانت اصعب اللحظات التي عشتها  في حياتي لدى  زيارتي لابنائي كنت اخرج من سجن الى سجن اخر لارى ابنائي ، و تذوقت عذابات السجون المريرة التي لم ارها في حياتي خاصة عندما اصل  عندما  لسجن واكتشف ان  ابني قد نقل الى سجن اخر ، واجبر على العودة للمنزل دون ان اتمكن من رؤيته او حتى دون ابلاغنا  بنقله لسجن اخر فهذه كلها متاعب ومشاق كانت متعمدة وجزء من سياسة العقاب لكل اسرة فلسطينية في الداخل جراء التزامها بقضيتها وانتماءها الوفي لشعبها ، ولكن كل ذلك لم يؤثر على قناعاتنا ومعنوياتنا وبحمد لله رغم حزني على مخلص فان  اولادي افرج عنهم ويواصلون حياتهم وقريبا سينضم الينا مخلص ولن يدوم سجن او سجان .

 روح الايمان والامل والحرية  

ورغم تقدم السن ووجع الامراض والذكريات ودموع لا زالت تذرفها كلما نهضت صبيحة كل يوم جديد لتكتشف ان مخلص لا زال اسيرا ، فعندما تبدا الحديث عن مخلص سرعان ما تتغير لهجتها لتطالع فيها عمق المشاعر ونفحات الحنين وروح الارادة والامل وكانها تبشر السامع بالنبأ الذي امضت حياتها تنتظر سماعه ، فهي لا تتوقف عن القول " الفرج قادم ومخلص عائد الى اللد وسنصبر حتى يعجز الصبر عن صبرنا " ، ومن اين تمتلكين كل تلك القوة والايمان سالها مراسلنا فردت " من الله اولا ومن اخلاص وصمود مخلص ورفاقه ثانيا في كل زيارة اشاهد عناق ارواحنا وكلمات عيونه فاشعر انه في حضني ولن يسلبني اياه سجن او سجن انها روح الايمان الاقوى من السجن والسجن ، فهما يحتجزا جسده اما روحه فهي معنا تزرع فينا روح الايمان والامل والحرية ".

اعتقال مخلص الثاني

وبروح الامل تتحدث ام محمد عن حياة ولدها ، وتقول ولد محمد في 2/3/1962  في  اللد ليكون الخامس في اسرتنا المكونة من 7 انفار ،  اكمل دراسته حتى  الثانوية العامة بنجاح وكان يتمنى ان يواصل دراسته في انجلترا ، ولكن بعد اعتقاله الاولى لم يتسنى له مواصلة دراسته ، وقبيل اعتقاله الثاني بدات سلطات الاحتلال بملاحقته حتى اعتقل في  11/9/1987  بتهمة تنفيذ عملية فدائية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، وتضيف بعد اعتقاله عشنا ايام عصيبة لان سلطات الاحتلال انكرت مكان اعتقاله لمدة عامين ، وخلال التحقيق مورس بحقه كل اشكال التعذيب القاسي وتعرض   للضرب على كافة انحاء جسمه من قبل المحققين والشبح ووضع الكيس براسه مما ادى لاصابته بديسك في الظهر .

معاناة المرض

بعد فترة طويلة من عقاب النفي والانكار والحرمان من الزيارات تقول ام محمد ، سمح لنا بزيارة مخلص وكانت حالته الصحية تدهورت بسبب اهمال ادارة السجون علاجه بشكل متعمد ، وبعد طول معاناة نقل  لمستشفى الرملة عدة مرات ، واقر الاطباء حاجته  ماسة لكرسي طبي لظهره ، ورفضت الادارة تزويده به ، وقمنا بتوفيره على حسابنا ولكنهم رفضوا ادخاله حتى استطاع  مخلص ورفاقه الاسرى تصنيع  كرسي خشبي له يستخدمه في سجنه ، واضافت رغم اعتقاله والسنوات الطويلة حرص مخلص على ممارسة الرياضة فهو رياضي  للحفاظ على صحته ولياقته البدنية ، ولكنه حاليا حيث يقبع في سجن جلبوع يعاني من مشاكل في الاسنان وهو بحاجة لطبيب مختص لان اطباء السجون لا يعالجون المرضى .

رحيل الوالد

 وتتعدد صورة الالم التي رافقت ام محمد في رحلة اعتقال ابنها مخلص ولكن اكثر اللحظات حزنا والتي تبكي كلما تحدتث عنها هي لحظة رحيل رفيق دربها زوجها ابو محمد الذي عاش معها كما تقول ايام الصمود والصبر والالم والعذاب ، فحياتنا خاصة بعد اعتقال مخلص ومحاكمته بالسجن لمدة 40 عاما اصبحت صعبة وقاسية ، خاصة عندما يشطب اسمه من الافراجات ، ولكن المحطة الاشد كانت عندما اصيب زوجي بالمرض عام 1990 واصبح غير قادر من شدته على زيارة مخلص ، وكانت اخر ذكرى عندما زاره على كرسي بواسطة الصليب وبعدها لم يتلقيا وبعد 6 شهور وفي 28-12-1991  توفي   عن عمر يناهز ال64 عام  وهو يردد اسم مخلص ويتمنى عناقه ، ولكن الاحتلال الذي حرمه عناقه حيا مارس نفس الاسلوب بعد وفاته ، وتضيف قدمنا طلبا لادارة السجون وتدخلت كل لمؤسسات للسماح لمخلص بوداع والده وتشييعه ولكنهم رفضوا ومنعوه حتى من الاتصال الهاتفي بنا لمشاركتنا العزاء ، وكانت تلك لحظة حزينة اثرت على مخلص وفي كل زيارة ابكي رغم محاولته رفع معنوياتي فالعمر يمضي واصلي لله ان يمنحني العمر حتى اراه في منزلنا واعانقه واحقق وصية والده لنفرح بزفافه ، فقد تزوج كل ابنائي ولم نشعر باي معنى للفرح ، لان فرحنا يتحقق بتحرر مخلص.

عذابات الزيارات

لا يوجد سجن لم نقف على بوابته او يكتب اسم مخلص على جدرانه تقول ام محمد وعلى مدار 26 عاما لم اكن اتاخر يوميا عن زيارته حتى عندما كان يشتد بي المرض كنت ازوره ، فحتى لو زحفت على قدامي لن يحرمني احد من رؤية روحي وحياتي مخلص ،وحتى رغم ما نتجرعه من معاناة جراء عمليات التفتيش المذلة والمهينة في كل زيارة فهي صلة الحياة الوحيدة التي يتجدد فيها الامل في قلوبنا ، وما يمارسونه من اجراءات ومحاولة فرض التفتيش العاري علينا والاستفزاز هدفه عزل اسرانا وحرمانهم من التواصل مع عائلاتهم ، ولكن تضيف حتى تلك الزيارة فان ظروفها سيئة جدا ، فلا يسمح لنا بمصافحتهم وتجرىا عبر جدار زجاجي يفصلنا ويؤلمنا اكثر من السجن فرغم الكاميرات التي ترقب حركتنا والحراسة المشددة لا يمكن ان نعانقهم والحديث يجري عبر الهاتف وهو دائما مشوش واحيانا يقطع الاتصال ونتحدث بلغة الاشارة ومع ذلك لن نتخلى عن حقنا بالزيارة ، فسلطات الاحتلال تمارس هذه الاجراءات بشكل متعمد  ونحن صابرون وصامدون ولن نشعر بياس ، لاننا اصحاب رسالة وقضية عادلة  نابعة من كرامتنا التي هي فوق كل اعتبار ،  و على هذا الاساس فمعنوباتنا دوما  عالية نعم نعاني ونتالم في مواجهة المشاكل المفتعلة لكن لن نجعلهم ينتصرون علينا .

صورة من التحدي

وبفخر واعتزاز قالت الحاجة ام محمد ، طوال ال 26 عاما الماضية لم اسمع من مخلص كلمة يأس او الم او خوف او ندم او تراجع ، بل كان دوما يتحدث عن عدالة القضية وايمانه بقدسيتها وبحتمية الانتصار ، وفي كافة السجون عاش مع الاسرى كل ملاحم البطولة والتحدي وخاض الاضرابات ومعارك السجون الشهيرة في مواجهة سياسة البطش التعسفية ، فكان دوما في مقدمة الصفوف واحتل مواقع نضالية متقدمه في قيادة الحركة الاسيرة كونه احد عمداء الحركة الاسيرة ، وخلال الهجمة الشرسة للادارة لفرض سياسة التجهيل على الاسرى كان مخلص من اوائل الذين قرروا التحدي، فاصر على التمرد على سياسة السجان واهداف السجن والمضي في مشواره التعليمي ،  فالتحق  منذ سنوات بعيدة بالجامعة ،  ولكن ادارة السجون اعتمدت سياسة  الحبس في الزنازين على اقل الأسباب والحرمان من مادة التعليم في موعدها حيث كانوا يتعمدون ممارسة اسلوب تأخير المادة التعليمية بعد إن تصلهم من الجامعة المفتوحة وينكرون وصولها إلى أن يطلب من العائلة الاتصال بالجامعة والسؤال عن التأخير ويتضح في آخر المطاف أن المادة تأخر تسليمها في السجن . وتضيف بعد ضغوط واحتجاج تضطر الادارة لتسليمه المادة في وقت غير كاف لدراستها وذلك بهدف إفشاله في الامتحان ولكنه كان بعزمه وقوة إرادته يحصل علامات عالية في الغالب .

وتتذكر والدته المصاعب التي واجهت مخلص لثنيه عن التعليم، وتقول نادرا جدا ما كانت تفلت منه كلمه تدل على الصعوبات التي يواجهها وهو يحضر الوظائف التي كان عليه تحضيرها من المصادر القليلة والمحدودة والتي كان على ا لجامعة تزويده بها، وكان عليه جمع المعلومات من بين السطور أحيانا ومما يذكر من دورات سابقة حيث لا يملك مكتبة ولا كتبا لأنه لا يسمح له بالاحتفاظ إلا بعدد قليل من الكتب. وتضيف : كان مخلص قد قطع شوطا لا بأس به من التعليم عندما قاموا بالإضراب الأخير عن الطعام ولم يتمكنوا من إيقافه عن التعليم وإدخال اليأس في قلبه بالرغم من منعه من التعليم ومراسلة ألجامعه لمدة عامين  مع أنه كان قد دفع مبلغا غير قليل لعدد من الدورات. وعندما انتهت مدة العقاب بعد عامين عاود الاتصال بالجامعة وبدأت مضايقات السجان مرة أخرى  فعلى مدى ثلاث سنوات من الدراسة كان يتم نقله من سجن لأخر بمعدل مرة كل ثلاثة أشهر حتى بات الأهل لا يعرفون له عنوانا ثابتا.

النجاح والتحدي

 كل تلك الاجراءات لم تنال من عزيمة وايمان مخلص، تقول والدته الصابرة ام محمد  واخيرا اعلن عن نجاحه بامتياز وحصوله على  شهادة الماجستير في  في العلوم السياسية والتاريخ موضوع "دراسات في الديمقراطية"، وانا فخورة بمخلص واتمنى ان اعانقه واقبله وتهنئته وان تنتهي هذه السجون وتتحطم القضبان والجدران لنحتفل به خاصه  وانه يفكر بان يكمل دراسة الدكتوراه اذا تم الافراج عنه .

كفى سجنا .....

وفي ذكرى اعتقال مخلص ، فان الوالدة التي لا زالت على عهد الوفاء والاخلاص لولدها ، ولدى سؤال مراسلنا لها عن رسالتها  للرئيس محمود عباس  فانها خاطبته قائلة :" 26 عاما من الاخلاص لفلسطين والوفاء للقضية جسدها ابني مخلص وكل رفاقه رغم القهر والعذاب ، وهم لا زالوا قابضين على الجمر وبحب فلسطين ، فكلي امل كام ان يكون الاولوية لابناءنا الذين خدموا القضية  التي انت  رئيسها وحامل امانة تحقيق اهدافها وثوابتها ، وان تبقى صورة صمود وصبر وامل  مخلص ورفاقه وامهاتهم وعائلاتهم  في عينيك في كل لحظة لتبدد ظلمات السجن التي تغتصب زهرة شباب ابناءك ، لتستمر جهودك  حتى  ترفع الظلم عنهم ، فبعد الثمانين عاما لا املك سوى حلما واحد هو ابني  مخلص ومن حقي ان اقول لكم وهو يدخل عامه ال 27 خلف القضبان ، كفى سجنا و اعيدوه لي  ".

ولم تنسى ام محمد ان تخاطب اسري "شاليط " لتقول لهم : " كل العالم يقاتل من اجل حرية شاليط ، بينما لا احد يدرك حزن ام مخلص ومئات الامهات ممن حرمهن الاحتلال ابناءهن ، وبعد كل هذا العمر نناشدكم ان لا تتنازلوا عن مطالبكم وكسر معاييرهم لتكون صفقة شاملة لا تميز ولا تستنثي اسير من القدس واللد وغزة او الضفة فكلنا ابناء شعب واحد ورسالة وهب مخلص حياته لاجلها ومن حقه عليكم الاخلاص له ولدموع والدته التي لم تجف ".