فن الحوار

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فللحوار أهمية كبيرة، والهدف منه إقامة الحجة ودفع الشبهة والفساد من القول والرأي؛ فهو تعاون بين المتحاورين على معرفة الحقيقة والتوصل إليها؛ ليكشف كلُّ طرفٍ ما خفي على صاحبها منها، والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق، والحوار حاجة إنسانية تتمثل أهميته باستخدام أساليب الحوار البناء لإشباع حاجة الإنسان للاندماج في جماعة، والتواصل مع الآخرين، فالحوار يحقق التوازن بين حاجة الإنسان للاستقلالية وحاجته للمشاركة والتفاعل مع الآخرين.

ومن جهة أخرى تزداد أهمية الحوار في ظلِّ متغيرات العالم العلمية والمعرفية، الذي أوجد فجوة دائمة ومستمرة بين ما يمتلكه الفرد من معلومات ومعارف وبين آخِر ما توصل إليه العلماء في هذا المجال.

وتعد الندوات واللقاءات والمؤتمرات إحدى وسائل ممارسة الحوار الفعَّال الذي يعالج القضايا والمشكلات التي تواجه الإنسان المعاصر.

من أهداف الحوار الفرعية:

1- إيجاد حلٍّ وسط يُرضي الأطراف.

2- التعرف على وجهات نظر الطرف أو الأطراف الأخرى، وهو هدف تمهيدي هام.

3- البحث والتنقيب من أجل الاستقصاء والاستقراء في تنويع الرؤى والتصورات المتاحة، للوصول إلى نتائج أفضل وأمكن، ولو في حوارات تالية.

آداب الحـوار:

إن الأخذ بآداب الحوار يجعل للحوار قيمته العلمية، وانعدامها يُقلِّل من فائدته المرجوة. إن بعض الحوارات تنتهي قبل أن تبدأ؛ وذلك لعدم التزام المحاورين بآداب الحوار. إن الحوار الجيد لا بد أن يكون له آداب، ولعلَّ من أهمها:

أولًا: إخلاص النية وطلب الحق:

التجرد في طلب الحق يعين على الوصول إليه، والهوى داء خطير يعمي بصيرة الإنسان؛ فلا يرى حقًّا إلَّا ما وافق هواه. والعلم وحده لا يكفي في ساحة الحوار؛ بل لا بد معه من الإخلاص والتجرد لطلب الحق سواءً ظهر على لسانه أو لسان محاوره، والنية والمقصد هو الوصول إلى الحق والصواب في المسألة.

إن من أخطر آفات الحوار: أن المتحاورَيْن إذا اختلفا ولم يتفقا في مسألة من المسائل، سارع أحدهما إلى اتهام نية صاحبه وطعن في مقصده، أو صنفه لفكر معين أو حزب أو طائفة. قال – صلى الله عليه وسلم -: ) إني لم أؤمر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم (.

ثانيًا: وضوح الهدف والحوار على قدر العقول:

الناس ليسوا على مستوى واحد، فلا بد من مراعاة مستوياتهم واختلاف عقولهم.

قال عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه-: ) خاطبوا الناس على قدر عقولهم، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! (.

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: ) ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة (.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- ) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءه أعرابي، فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلامًا أسودَ. فقال: «هل لك من إبل؟» قال: نعم. قال: «ما ألوانها؟» قال: حُمرٌ. قال: «هل فيها من أورق؟» قال: نعم. قال: «فأنى كان ذلك؟» قال: أراه عِرْقٌ نزعه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لعلَّ هذا نزعه عِرْقٌ (.

وما أجمله من درس في مخاطبة الناس على قدر عقولهم، وعلى قدر ما يفهمون، فالرسول – صلى الله عليه وسلم - أوصله إلى الاقتناع بما يلمسه من بيئته التي يعيش فيها، فكان جوابًا مقنعًا له، كما أنك إذا لم تكن البادئ، فيمكنك من معرفة منطلقات محاورك، وتحدد الهدف ومن أين تأتيه، وهذه من النقاط الذهبية في الإقناع: أن تجعل محاورك هو البادئ، فينبغي أن تستخدمها في حواراتك لتكون أقدر على الحوار والإقناع.

ثالثًا: العلم والتمكن «الاستعداد والمعرفة»:

استعد لكل حوار أمكنك معرفة وقته بالعلم والمعرفة في موضوع الحوار، وكذلك بآداب الحوار وأسسه، ولا يجوز أن تقتحم أمرًا لا تعلمه أو لا تحسنه، قال تعالى: