توافق اليوم ذكرى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية, ويعد العقد الأخير الأكثر سوداوية في تاريخ الصراع الفلسطيني الصهيوني منذ حرب عام 1948م
, وقد أثارت الانتفاضة صراعات عقائدية ونزاعات على الأراضي, وتولد عنها عمليات اغتيال و تطورت العمليات التفجيرية. وقتل خلال هذا العقد 6300 فلسطيني وأكثر من 1000 إسرائيلي, وبعكس الانتفاضة الأولى انتفاضة الحجارة التي كانت نوع من التمرد الشعبي في وجه الاحتلال الإسرائيلي, كانت الانتفاضة الثانية عبارة عن مواجهة مسلحة بين فصائل فلسطينية مسلحة و الجيش الصهيوني
ولكن المدنين من كلا الطرفين هم الذين دفعوا الثمن. في نظرة إلى الوقائع التي سادت قبل اندلاع الانتفاضة حيث ساد الشعور بأن الصراع اقترب من نهايته, وظلت لشهور طويلة تتصدر العملية السياسية التي وصلت ذروتها بقيادة رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك ورئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات وسائل الإعلام, وبعد فترة وجيزة سجلت مفاوضات كامب ديفيد فشلا ذريعا, وبعد فترة وجيزة عاد الأطراف من المحادثات. وبعدها تحولت المنطقة إلى ما يشبه برميل البارود ينقصه من يلقي عود الكبريت لينفجر, وهنا تطوع رئيس المعارضة الإسرائيلية حينها أريئل شارون عندما زار بصورة استفزازية المسجد الأقصى, وانطلقت شرارة الانتفاضة من القدس وانتشرت بعدها كالنار في الهشيم في جميع المناطق الفلسطينية. وكان مقتل جنديين إسرائيليين دخلا مدينة رام الله عن طريق الخطأ الحدث الأبرز لهذه الانتفاضة من الناحية الإسرائيلية, بينما كان مقتل الطفل محمد الدرة بين ذراعي والده الحدث الأبرز فلسطينيا. وقبل أن يدرك عرفات نفسه غارقا في معمعة الحرب, أرسلت حكومة باراك طائرات إف16 لتقصف أهداف فلسطينية ردا على إرسال الفدائيين الفلسطينيين ليفجروا أنفسهم في عمق الأراضي الإسرائيلية, وتحولت المدن الفلسطينية من جنين إلى رفح إلى ساحة حرب, وتحول كل شيء إلى هدفا للطائرات الإسرائيلية من مقرات فتح إلى مقرات السلطة الفلسطينية, وكذلك قادة المنظمات الفلسطينية من قادة حماس والجهاد الإسلامي وغيرها. وفي الأثناء التي كان إيهود باراك يحاول استيعاب عملية اسر الجنود الثلاثة على يد حزب الله ومحاولة تهدئة الوضع في المناطق الفلسطينية, اندلعت انتفاضة لعرب إسرائيل داخل الخط الأخضر في يافا و حيفا ومنطقة وادي عارة, ووقعت مواجهات عنيفة خلالها قتل ثلاثة عشر من عرب إسرائيل. وتحول رئيس السلطة الفلسطينية بين عشية و ضحاها من شريك للسلام إلى عدو وحوصر في المقاطعة لفترة طويلة ومن هناك أدار المواجهة وخرج من المقاطعة وهو يحتضر وبعدها بفترة توفي في إحدى المستشفيات الفرنسية, وبهذا ينتهي الدور التاريخي لعرفات. وطوال هذا الوقت تعاظمت قوة حماس ولم تعد مليشيا مسلحة وتحولت إلى حركة سياسية ذات شعبية وجماهيرية واسعة في الشارع الفلسطيني وأصبحت حركة منافسة لحركة فتح. وبدل أن يعيد الانسحاب الأحادي الجانب من قطاع غزة الهدوء النسبي إلى المنطقة تزايدت صواريخ القسام وبعدها بعام وقع الجندي جلعاد شاليط أسيرا في يد حماس, وبعدها بعام فرضت حماس سيطرتها التامة على القطاع, وبهذا نجم انشقاق تاريخي في المعسكر الفلسطيني. وذكرت إذاعة الجيش في تقرير لها بهذه المناسبة أن أمرا وحيدا حصل للإسرائيليين بعد هذه السنين الطويلة من المعاناة وهو أن هناك زعيما يحكم رام الله حاليا وهو شخص لا يحبذ العنف كأداة للتفاوض, وعلى سبيل المثال فإن مشكلة تجميد الاستيطان لو وقعت قبل خمس سنوات فإن ذلك كان سيكلف إسرائيل سلسلة من العمليات التفجيرية. عشر سنوات مرت على انتفاضة الأقصى وعلى ما يبدو أننا عدنا إلى نفس النقطة, فإسرائيل اليوم تعيش في ذروة الأزمة السياسية مع الفلسطينيين, وانهيار مفاوضات السلام قد تفجر مواجهات وأعمال عنف لا يستطيع أحد أن يتنبئ بماهيتها وحجمها.
