تزكية النفوس

تزكية النفوس
مع اقتراب كل مناسبة دينية يجدها الإنسان فرصة ليزداد إيماناً، ويصفو نفساً في ظل ما يحيط بهذه المناسبة من أجواء إيمانية تهفو إليها كل نفس تبتغي الخير وتنشد السعادة لها ولغيرها من بني البشر. وما دام الإنسان يعيش مع غيره ويتعامل معهم فنفسه معرضة لكثير من الفتن والمغريات والوقوع في الخطايا والذنوب ، وهو في حاجة دائمة إلى مراقبة هذه النفس وتطهيرها من أدرانها وزيادة ما فيها من محاسن الطبع ومكارم الأخاق ، وقد قيل في تفسير قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا.وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا): أفلح من زكّى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال ، وخاب من دس نفسه في المعاصي .

و قوام التزكية أمران : تخلية، وتحلية .

تخلية للنفس عن كل الذنوب والسيئات، والمعاصي ، والقبائح والمسترذلات. وتحلية لها بالمكرمات، و الأخاق والعادات الحسنة حتى تبلغ بها درجة النفس المطمئنة كما أشار الغزالي إلى ذلك بقوله: «جوهر عملية التزكية : الارتقاء بالنفس درجة درجة ، من السيئ إلى الحسن ثم ترقيها في مراتب الحسن والصفاء حتى تبلغ أعلى المستويات الإنسانية وأسماها، فتتحول من نفس أمّارة بالسوء أو لوّامة إلى نفس مطمئنة راضية عن ذاتها مرضية عند مولاها و ربها « . وقد قيل : التخلية قبل التحلية . 

ومما يعين على تزكية النفس عدم تبرئتها،فقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يقتص من نفسه وهو المعصوم المسدد بالوحي . 

والإنسان العاقل لا يترك لجام نفسه بل يداوم مراقبتها ، فما دامت على الجادة فا يضايقها بالتضييق عليها ، وإذا وجدها مالت ردّها بلطف فإن أبت ردها بعنف . 

فأنت أيها الإنسان مخير في الوجهة التي ترتضيها لنفسك، فإذا سرت وراءها وأطلقت لها العنان سارت بك إلى أسفل سافلين، وإن توليت قيادتها وطمحت بها إلى المراتب العالية انقادت لك ، فهي كالطفل تماماً كما يقول البوصيري: 

والنفس كالطفل إن تهمله شب على ** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم 

والنفس بحسب صفتها ثلاثة أنواع : مطمئنة ولوّامة وأمارة بالسوء . فغاية المطمئنة التسليم لأمر الله والرضا بقضائه والاطمئنان بذكره . وغاية اللوامة معاتبة النفس « تلوم نفسها على الشر لم فعلته ، وعلى الخير لم لا تستكثر منه « . وغاية الأمارة بالسوء الغواية والإضال . 

فيا صاحب المطمئنة، طوبى لك . 

ويا صاحب اللوامة، لا تقنط من رحمة الله وأما أنت يا صاحب الأمّارة بالسوء،أَفَلَم يأن لك أن تكفّ شرَّك عن نفسك وعن غيرك .