يحيى رباح
بعد أكثر من خمس وستين سنة على قيام دولة اسرائيل في هذه المنطقة المضطربة، العاصفة بتغيرات حادة، فان الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة والمتبادلة بين اليمين واليسار، وخاصة هذه الحكومة الحالية، ما زالت تتحدث عن الهواجس الأمنية لاسرائيل بمنطق مقلوب، بشكل جدي، كما لو أن دولة اسرائيل تعيش دائماً على حافة الهاوية، وأن الخطر الوجودي يتهددها في كل لحظة.
و الملاحظ في الخطاب الاسرائيلي، وخاصة لدى حكومة نتنياهو الحالية، الخطاب المتعلق بالأمن الاسرائيلي، مضطرب، غير مقنع، والأهم من ذلك أنه متناقض بدرجة خارقة مع سلوك الحكومة الاسرائيلية نفسها، وأكبر دليل على ذلك أن اسرائيل في ظل حكومتها الحالية تمزق بيديها وبشكل هستيري كل فرص السلام المتاحة تحت شعار أن السلام لا يأتي بالأمن، فهل الاستيطان يأتي بالأمن؟
اسرائيل منذ العام 1993 لديها مع الفلسطينيين اتفاقية اعلان المبادئ «أوسلو» التي مزقتها بوحشية، ولديها منذ العام 2002 مبادرة السلام العربية، التي أصبحت مبادرة اسلامية قبلتها سبع وخمسون دولة في المنطقة وأصبحت جزءاً من قرارات مجلس الأمن الدولي، التي تقوم في جوهرها على عرض شامل للسلام، والاعتراف، وشرعنة وجود اسرائيل في المنطقة، فهل خطت اسرائيل خطوة واحدة نحو هذه المبادرة، نحو هذا العرض للسلام الشامل.
الجواب يعرفه الجميع دون استثناء، وهو أن الهواجس الاسرائيلية ظلت هي المسيطرة، وهذه الهواجس أنتجت هذه الحكومة الحالية التي يقودها نتنياهو وحليفه ليبرمان الذي يرى في نفسه ربما أنه الأكفأ والأحق من نتنياهو، بدليل أنه فيما يختص بمداولات الدول خمس زائد واحد بشأن الملف النووي الايراني طرح نفسه أكثر عقلانية، ولكنه «ليبرمان» أبقى على مخاوفه من سباق تسلح نووي في المنطقة، ولعله كان يقصد المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، لأن الصحافة الاسرائيلية والأوساط الأمنية نبهت في الأسابيع الأخيرة الى أن الدول القادرة، ربما يمكنها أن تشتري السلاح النووي وليس بالضرورة أن تصنعه وأن تدخل في تعقيدات تخصيب اليورانيوم!
ويعرف الجميع أنه في كل الاتفاقات مع اسرائيل، مثل اتفاقية أوسلو، أو مبادرة السلام العربية الاسلامية، أو في كل حل مقترح مثل حل الدولتين، فان العالم بقواه الأساسية أكد لاسرائيل ضمان أمنها، حتى عندما انطلقت المفاوضات الحالية المتعثرة جداً بيننا وبين اسرائيل برعاية أميركية وترحيب دولي، فان هذه التأكيدات على ضمان أمن اسرائيل تواصلت من الجميع، ولكن اسرائيل ظلت على حالها متمسكة بأكاذيب تافهة لا يصدقها أحد حول طريقتها في حفظ أمنها، وهو عدم انجاح المفاوضات، وعدم الانسجاب من الأرض الفلسطينية المحتلة، وعدم القبول بالقدس الشرقية عاصمة لدولة اسرائيل!!! مع أن كل خبراء الأمن في العالم يعرفون بشكل يقيني أن تشبث اسرائيل بالأراضي الفلسطينية في الأغوار، أو في القدس، أو في المستوطنات القائمة، لا قيمة له أمام المخاوف التي تتحدث عنها اسرائيل!!! فلماذا اسرائيل تتشبث بالادعاءات الزائفة ولم تخطو خطوة واحدة جدية نحو الأمن الحقيقي وهو السلام مع الشعب الفلسطيني من خلال اقامة دولته المستقلة على الحدود التي أقرتها له قرارات الشرعية الدولية؟
هل السلاح أخطر على وجود اسرائيل من الحرب؟ الأرجح أن الأمر كذلك، وأن اسرائيل تخاف من بيتها ومن تركيبتها ومن نسيجها أن لا يصمد في وجه السلام، وأن وجود اسرائيل مرتبطة بفلسفة الخوف، فكيف يمكن أن تعيش دولة على هواجس الكراهية والخوف؟