المستوطنات والأمن- وأزمة المفاوض الفلسطينى

الاستيطان هو تجسيد للفكر الإيديولوجي والاستراتيجي الذي قامت عليه دولة إسرائيل، فمن غير الممكن قيام هذه الدولة بدون تجميع شتات اليهود من مختلف أنحاء العالم على أرض فلسطين، الأمر الذي اقتضى من العصابات الصهيونية المدعومة من الكثير من القوى الاستعمارية والوكالة اليهودية اتباع سياسة تقوم على مبدأ السطو على الأرض، وطرد أصحابها وتوطين أولئك القادمين من الشتات عليها.

اذن هي تمثل جوهر الصراع العربي الاسرائيلي منذ البدء في الصراع على اللارض بكل ما فيها من ثروات وما عليها من بشر فالحركة الصهيونية ومن بعدها اسرائيل تقيم استراتيجيتها السياسية والعسكرية والامنية على اساس الاستيلاء التدريجي على الارض الواقعة بين النيل والفرات لتصبح لها ومن ثم فان صراعنا مع اسرائيل حول الارض الفلسطينية ليس الا حلقة اولى من حلقات هذا الصراع الطويل ونحن لسنا بصد الحديث عن جذور الاستيطان الذي بدات منذ المحاولات الاولى للسيطرة الصهيونية على فلسطين ولكن بعد الانسحاب الاسرائيلي من غزة وقبول منظمة التحرير الفلسطينية بحدود 67.

فالذي ننظر الية ببالغ الخطورة هو ما يجري في الضفة الغربية من نمو سريع للاستيطان والتى حتلت بعد حرب 67 فهو امتداد للاستراتيجية الصهيونية والتي بدات اسرائيل تتطبق نموذج الاستيطان الشامل والتي يستقر على سيطرة مجموعة من المستوطنين على السكان المحليين-وطردهم من جميع المناطق التى تقع تحت ايديهم الذي حول ابناء الشعب الفلسطيني الى مخزون استراتيجي من الايدي العالملة واما الاستيطان فقد صبع بالصبغة العسكرية وتمتع بحمايتها وقد اعتمد على المصادرات الادارية الواسعة للاراضي تحت حماية الاله العسكرية غير ان طبيعة الحركة الصهيونية تقوم على الاستيطان الاحلالى التوسعي فهناك علاقة جدلية بين الصهيونية والاستيطان تصل الى حد التوحد فمفهوم الصهيونية وجوهرها هو الاستيطان سبيلاً الى تحقيق الاهداف الصهيونية العليا فانطلقت بايدلوجيتها الاستيطانية من منظور يربط بين الاستيطان الامن والسيادة0

تبلغ مساحة من الضفة الغربية 5844 كم2 في الضفة الغربية، حيث أقامت إسرائيل على هذه المساحة الصغيرة المتبقية من فلسطين العديد من المستوطنات، حيث لا توجد منطقة إلا وبها مستوطنة أو تجمع استيطاني وذلك بهدف السيطرة الكاملة على الأراضي الفلسطينية وإسكان مئات الآلاف من المهاجرين اليهود، وقد قامت إسرائيل بالعديد من الممارسات للاستيلاء على أراضي المواطنين بغية إقامة هذه المستوطنات، مثل المصادرة أو جعل الأراضي مناطق أمنية أو مناطق محمية تمهيداً لإقامة المستوطنات عليها

التوزيع الجغرافي للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية )
بلغ عدد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية 176 مستوطنة في الضفة الغربية، وقد أوردت نشرة المركز الجغرافي الفلسطيني 1995 توزيع المستوطنات على النحو التالي

جنين 9 مستوطنات، نابلس 48مستوطنة، طولكرم 8مستوطنات، رام الله 27مستوطنة، القدس 28 مستوطنة، بيت لحم 18 مستوطنة، اريحا 11 مستوطنة، الخليل 27 مستوطنة.

ويلاحظ أن المستوطنات الإسرائيلية تمركزت في أربع مناطق هي:

ـ نابلس، ونالت القسط الأكبر، حيث بلغ عدد المستوطنات فيها 48 مستوطنة و القدس في المركز الثاني، حيث بلغ عدد المستوطنات فيها 28 مستوطنةـ الخليل ورام الله، وقد أقيم في كل منهما 27 مستوطنة ويرتبط الاستيطان في بيت لحم باستيطان القدس فالاستيطان في بيت لحم ضروري امنيا لانه يشكل حماية للوجود اليهودي في القدس ويشكل امتداداً وتواصل جغرافيا وديمغرافيا مع مستوطنات الخليل وتمنح الوجود الاسرائيلي في القدس اهميه استراتيجية وسياسية وتمنحها على محاور الطرق الواصلة بين القدس والبحر الميت، وبين القدس والنقب من جهه اخرى0

إن مجرد النظر إلى خريطة توزيع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية يمكّن من إدراك أن إقامة هذه المستوطنات في مواقعها الحالية لم يأت عبثاً، بل ضمن خطط مدروسة بعناية لتحقيق الأهداف الإسرائيلية للسيطرة على الأراضي الفلسطينية، والضغط على التجمعات السكنية الفلسطينية، لكي تصبح هذه التجمعات في النهاية جيوب صغيرة أو كانتونات مغلقة وسط المحيط الإسرائيلي المتمثل في قطعان المستوطنين الذين سكنوا هذه المستوطنات.

فالوجود العسكري الامني يحمي الاستيطان والوجود الاستيطاني يبرر وجود القوات العسكرية وبالتالي وجود السيادة الاسرائيلية كل ذلك من اجل حماية الهيمنة الاسرائيلية فلا فارق بين قادتهم في الرؤيا سواء حكومة العمل او الليكود او كاديما او اسرائيل واحدة فوجود المستوطنات في الضفة من وجهة النظر الاسرائيلية ضرورة حيوية0

واذا كانت الاستيطان لايوفر الامن للجيش فانه يمنحه مبررات وجودة فبدونه تصبح القوات الاسرائيلية مجرد جيش اجنبي يحتل ارضا اجنبية واذا تحققت وجود الامرين معا تحققت السيادة الاسرائيلية على الاراضي العربية وانتفت-ومن وجهة النظر الاسرائيلية- دواعي ومطالب الانسحاب من المناطق المحتلة، وفقا لقوانين الشرعية الدولية، وتبعا لسياسة الدول الكبري(الامبريالية) التي تستجيب لكثير من الاحيان للوقائع والحقائق القائمة بغض النظر عن شرعيتها0

هل ستستطيع الحكومة الاسرائيلية بمواجهة المتطرفين لديها الذين يرفضون الانسحاب وهم كثر باعتبار ان اراضٍ يزعمون ان لها علاقة دينية وتاريخية ومن اجلها استوطنوا بها وبالتالي التخلي عن حلم اسرائيل الكبرى كما تصورها التوراة التي هي بين ايديهم وهو يعني تخلي الحركة الصهيونية ولو جزئيا عن استراتيجيتها التوسعية والقبول بدولة اسرائيل وفقا كيانها القائم والتي يؤدي الى ترسيم الحدود وتعرض قلب اسرائيل حسب مفهومهم الى اخطار الحروب القادمة دون ان تكون قادرة على الدفاع عن عمقها الاستراتيجي او توفير الحماية لسكان قلب اسرائيل0

غير ان هناك اتفاق مسبق بين الاحزاب الاسرائيلية على الاستيطان فمن الصعوبة التميز بين التيارين الاسرائيلي لما فيه من تقارب بين مواقف رجالات القوى اليمينية واليسارية فهم عبارة عن واحد، فهم اداة لصناعة المواقف السياسية لحكومة اسرائيل لتمرير مشروعها الاستيطاني 0

غير ان استراتيجية الاستيطان الاسرائيلي غير معلنه وليس لها صورة نهائية فهى استراتيجية مطاطية وليست مرنة فهي لاتحقق هدف الا سعت الى اهداف اكثر عدوانيه ولها اليات ملتوية لتنفيذ ذلك بدعاوي غير صحيحة0

وهل ستخلي اسرائيل وتنسحب من الضفة كما حصل في قطاع غزة؟ فاعتقد انه من الصعوبة التاكد من نوايا اسرائيل رغم الحديث عن بتجميد البؤر الاستطانية وفي ظل التعنت والمماطله الاسرائيلية ، فهى لديها مبرر مرتبط بالعقيدة الصهيونية من جهه وبالعقيدة الدينية والمورثات التراثية من جهه اخرى التى تلبي النوازع الدينية والتاريخية التى تقوم على الوعد المزعوم التى يعطي ارض غير محددة تتسع احيانا لتمتد من النيل الى الفرات وتضيق احيانا لتصبح في حدود مرامي البصر0

المبررات الحقوقية لدي اسرائيل وهى استعادة الحقوق اليهودية في الاراضي التى اضطر المستوطنون اليهود اخلاؤها في مراحل الصراع قبل حرب 48دعاوي حماية امن اسرائيل ضد الاخطار العسكرية الخارجية العربية المحتمله حسب ادعائها دفعها الى اقامة سلسلة من المستوطنات الحدودية بحجة الزرائع الامنية على السفوح الشرقية لجبال نابلس وغيرت مجرى نهر الاردن في الضفة بدعوى التصدي لايه اخطار قد تاتي من الاردن فهى بحاجة -حسب قولها-تحريك قوات دفاعية تجاه شرق الاردن لتصدي للاخطار من جهة سوريا والعراق وايران برغم من توقيع اسرائيل اتفاقية سلام مع الاردن بموجبها تمنع الاردن من ادخال اي قوات معادية لاسرائيل عبر اراضيها 0

ودعوى حماية امن اسرائيل من الاخطار الداخلية التي قد تاتي من قبل الفلسطينيين في الاراضى المحتلة نفسها والتي تتطلب سيطرة اسرائيل على التجمعات السكانية الفلسطينية وهذا النوع يهدف الى القضاء على المقاومة ومنعها من استعادة نفسها ومراقبتها وتقطيع اوصال البلاد، وهى تهدف بذلك توسع وسط اسرائيل الرامية التي تصحيح مسار الحدود والتي لايزيد عرضة في بعض المناطق عن 14كليو متر وجعل الحدود اكثر استقامة واكثر قدرة على الصمود في مواجهة الاخطار ومن اجل الحصول على الاقتصاد الهادفة للحصول على عدد من المواقع القابلة الى التطور والتنمية والاقتصاد القادرة على استيعاب اكبر عدد من اليهود المهاجريين الجدد بهدف خلق حقائق ديمغرافية لايمكن تجاهلها عند اي محاولة لحل القضية الفلسطينية غير انه لاتقوم الرؤيا الاسرائيلية لحل مسالة المستوطنات والحدود على اسس القانون الدولي ولا على اساس تبادل المصالح على قدم المساوة وانما تستند على منطق الانانية والمصالح المفردة والفرص السانحة لاثتثمار القوة ومكاسب المنتصر 0

كلها ازمات ومعوقات وضعتها اسرائيل في مواجهة الجاني الفلسطيني رغم انها اصلا غير قانونية وهى مجرد افترضات متوقعة لتبرير مطامع من اجل عدم العودة الي حدود الرابع من حزيران عام 1967

وهل ستتخلى اسرائيل عن كل المخططات الاستيطانية التي وضعتها ؟ففي عام 1967 كانت خطة آلون وهى من اخطر الخطط واقواها اثرا في سياسة اسرائيل الاستيطانية والتي تحتفظ لاسرائيل بحدود امنه ،وفي عام 1973 كانت خطة غاليلي الاستيطانية ، وفي نهاية القرن 21 كانت خطة شارون والتي سميت العامود الفقري المزدوج ثم خطة وزارة الدفاع الاستطانية ثم خطة الوكاله اليهودية للاستيطان0

وعليه فهل سينجح الطرف الفلسطيني في انتزاع الحق الفلسطيني في ظل المماطلة الاسرائيلية والدعم الامريكي لها ؟ وهل سينجح المؤتمرات في دفع اسرائيل في ان تتخلى عن استراتيجيتها الاستطانية وسياستها التعنتية ومطالبتها بالامن فى كل مره دون ان تقدم هى شيئاُ؟!!!!

واعتقد انه من اجل الوصول الى حل يجب على القوى الدولية للضغط على اسرائيل الاقرار ان الضفة الغربية بما فيها القدس جزء من الاراضي العربية المحتلة وان قرارى مجلس الامن 242 و338 ينطبقان عليهما كما بنطبقان على باقي الارضي العربية وان على اسرائيل الانسحاب منهما0

الاقراربحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم واقامة دولتهم على كامل ترابهم الوطني وتفكيك المستوطنات0

ان من حق الفلسطنين ان يحصلوا على تواصل جغرافي بين مختلف الاراضى التابعة لدولتهم وان ابقاء المستوطنات دون تفكيك يشكل عقبة في طريق السلام العادل والشامل والدائم في المنطقة وان من حق الفلسطينين ان تكون سيادتهم على دولتهم كاملة وغير منقوصة

كذلك اقرار حق الفلسطينين على حدودهم وادارة موانئهم البرية والبحرية والجوية كما ان عودة اللاجئين والنازحين ضروة حيوية لتحقيق الامن والاستقرار وعلى الجانب الفلسطيني التمسك بالثوابت وعدم اعطاء الطرف الاخر فرصة لتنزيل سقف المطالب الفلسطينية وعدم تجزات الموقف الفلسطيني وعدم تفكيك المرحلة النهائية الى مراحل لن تنتهي ابداَ ويجب ان يكون هناك جدولة للمفاو
ضات.